أثقل من وطن..

يجردونك من نفسك دائماً كلما علت صيحاتهم لرميّك في أقبيتهم المخصصة للخارجين عنهم، في كل مرة تلمح في وجوههم نشوة انتصار علني على حلمك، رغم أنهم لم يقاتلوا يوماً ولم يجربوا الهرب في الأزقة الضيقة ولا الاغتراب في المدن الكبيرة التي تأكل من روحك ورغباتك كل يوم قضمة! ، هم لم يدخلوا في صراعات طويلة مع أنفسهم خوفاً وضعفاً ووحدة، هم لم يفعلوا شيئاً سوى التصفيق للقاتل بينما يكملون حياتهم على رفات دمائنا الذي لا يزال على تلك الأرض التي أحببناها..

هم يدّعون أننا خونة وأننا غدرنا بالبلاد يوماً، وأنهم الصالحون الجيدون الذي لم يكسروا اليد التي امتدت لهم فضلاً ومنة، وأننا جاحدون إذ رأينا كل ذلك الموت يتأرجح بيننا ويسرق منا أحبتنا ولم ننسَ، كيف لم ننسَ؟ أي كره هذا الذي نحمله في قلوبنا؟. يتحدث المتسامحون من قلب المعركة ويخبروننا أنهم ينتظروننا دوماً على الضفة الأخرى، يخبئون أسلحتهم الدنيئة يدوسون على قبور أحبتنا يضحكون لنا ولا يزال أثر الدم المتخثر على وجوههم بادياً كشبح مخيف، ويريدون منا أن نقف لصفهم، مرة وأخرى هكذا يُصلح الأمر. لا أدري من ذاك الذي شرح لهم أن الأمر له علاقة بنا نحن! وأنهم هم القتلة والغافرون في الوقت نفسه، وأننا نحن الموتى المهجرون والمعتذرون، من وزع الأدوار بيننا بهذا الشكل؟. أنا أخبرك.. الشخص ذاته الذي لم يرَ سلاح الأسد موجهاً نحو صدورنا عندما صدحت حناجرنا حرية، ولا في سماءنا عندما ألقى براميله الجوفاء فوق رؤوسنا لكنه ركز نظره نحو تفجيرات مدروسة لم يكن لفاعلها اسم صريح فتباكى عليها وألحق بنا اللعنات، هو ذاته الذي يرى بكل موت يمسهم جرماً وبكل موت يصيبنا مهما تعدد شكله انتصاراً، هم ذاتهم اللائمون على حقدنا يبادلوننا مع كل مصيبة سخرية تفوقهم حجماً..

نحن لم نعد ننتمي لشيء، نهبتم الوطن وقلوبنا، حتى القبور التي زرعنا عليها وردنا وودعناها بعودة ونصر، جفت في انتظارنا الطويل، أنتم حولتم الوطن الذي أحببناه دائماً لغصة لا ننتهي منها مهما اغتربنا وابتعدنا، نحن الذين لازلنا نحاول النجاة من ذاكرتنا فيعيدنا اشتباه بجنسيتنا لأصل كل شيء نهرب منه، أنتم أصبحتم الصورة الأسوأ للوطن والتي بتنا نخاف أن نعلقها في مكان واحد بجانب التي حملناها معنا في مواطن الاغتراب. أخاف على الذين لا يزالون بينكم يحاربون كرهكم وسوادكم عن قرب صامتين، لأنكم مع كل ديمقراطيتكم تحاربون كلمتنا كوحوش ضارية تعتقلون وتغتصبون وتسرقون حتى ولو كان مجرد حلم في عقل شاب مسّت الثورة قلبه ذات فجر. كل الذين أرادوا منا أن نبحث عن سوريا منذ أيام تحت لباسها المسوّد احمراراً لم يعرفوا كم كان الأمر متعباً، عندما تجد نفسك خالياً حتى من حقك في أن تهتف لوطن، بعد أن تقاسم الوطن معك جرحاً أكبر منك ومن شوقك ومن حاجتك، وجع لونه بلون الدم، فلم تستطع أن تنسى..

نحن بعيدون جداً، ونحاول ممارسة الحياة تماماً مثلما تفعلون ونعجز، الحياة التي تظنون أنها الخير لأننا خارج دائرة عذابكم وكأننا منحنا الجنة خارج الوطن، ونغرق بالنعيم ونرمي عليكم وزر اغترابنا. تتناسون كم كنا تحت العذاب بينما نعمتم أنتم بالمسيرات التي يُرمى عليكم بها ورد ورز وسط دمشق، وسط عاصمتنا، في قلبنا نحن الذين كان الرصاص هو شريك ساحاتنا. نحن لن نصل لنتيجة معكم هذا الأمر حتمي، دفاعكم عن رغبتكم بالعيش هو ذاته دفاعنا عن ذاكرتنا التي تلونت بكل ما مرت به فأصبحت بلا لون، دفاعكم عن صوتكم الذي تريدونه أن يكون حراً وللجميع، يشبه دفاعنا عن اسمنا متى ربطتموه في الخيانة واللاوطنية، دفاعكم عن حزن سوريا بسببنا، هو ذاته دفاعنا عن حلمنا بسوريا أفضل، بينما تنعمون أنتم بكل ما يؤمنه لكم نظامكم الباسل من فرص للحياة، نغرق نحن بؤساً بمتابعة كل موت يمس أطراف البلاد، ذاتها البلاد التي يقطن فيها الخارجون عنكم والتي تعتبرونها هامش موت تصلحونه بانتصار زائف وتزرعون فيه حياة تشبهككم لاحقاً ..

كل آمالنا اليوم صارت سوداء ونحن نحارب العالم أجمع هذا عذاب ضعف الذي عشتموه وأنتم تمثلون المقاومة، ونحن هنا نحارب ونقاوم ونحاول.. حتى أجل النهاية!. لا حياتكم لنا .. ولا نرغب بها .. وكل ما بقي لنا في هذا العالم المقيت مجرد ذاكرة ثقيلة جداً كانت تحلم ذات رغبة بوطن..

Advertisements

آخر النفق..

كنا جمعاً ثائراً قررنا حينها أن نحارب على دمنا كل الأشياء معاً، وأن نقاوم رغم كل ذاك الوقت والخراب بثقة البداية نفسها، سقط بعضنا في أول الطريق ورحل آخرون في العتمة، وكُتِب على البقية الذين لم ينل منهم موت ولا غياب أن يحاربوا العالم، وأن ينتقلوا من صرخة في الشارع للمطالبة بالكرامة والحرية إلى نداء بإحقاق قليل عدل لهم في الأروقة الصماء، بصوت يكاد لا يزلزل ركناً صغيراً في هذا العالم الهادئ..

كلما جربت الهرب من كل هذا أعود غصباً، أعدد أسماء المختفين هناك بين اعتقال واحتياط وموت، أسمع صوت طفلة يمزقها الجوع في مدينتي، وأدرك خطى العابرين وتصعقني كثرتهم، فلا أحد هناك يقاوم الموت، الكل يركل أهله بقدمه ليتابع سيره، لا أحد يريد أن يمسه الخطر الذي نغرق فيه نحن، نحن الذين لم نعرف أن نصافح قاتل، أو أن نصالح على دمنا. في شارع المدينة المعتم ينام صبيان أمام فندق يكاد يفرغ إلا من جيوب الأغنياء، يحاولون إبعادهم عن الطريق كي لا يتشوه المنظر الحضاري للمدينة، أم تشتري لأبناءها طعاماً تستر عورة المال بابتسامتها لهم عندما يأكلون بعد جوع، رجل يخفي هويته في جيبه الخلفي كي لا يتذكر أنه من المدينة المغضوب عليها، يكفيه أن يتذكر ذلك عند كل حاجز لعين، غالباً ما يفضل قطع المسافات مشياً، فالموت الفردي في هذا العالم أكثر مصداقية..

لم نعد نريد أن نكون جزءاً من كل هذا، حتى من محاولة النجاة الضئيلة التي تخنقك خياراتها وتحددك متطلباتها، وتسمع فيها ما يهدد أمنك واستقرارك اللحظي في كل مرة، حيث لطالما رُدد عنك بالخفاء “كان الأولى تحترمك بلدك قبلنا”، لا يمكنك المحاججة بظلم، أنت ابن الظلم الأكبر، الشبح الأسود الذي ابتلع ماضيك وحاضرك وغدك، كيف تريد من الآخرين أن يمنحوك عدلاً؟ ، أو جزءاً من حقيقة كونك الشارد الضائع في ظل الظالم، تحاول كل يوم أن تنجو بروحك من كل هذا الموت المقيت، تحاول في كل مرة أن تمنح نفسك تبريراً واحداً لمنطقية البقاء محاصراً بكل هذا البطش، فلا تجد!

كل هذا العالم تحول إلى سجن، من أصغر بقعة تعتقل أجساد من نحبهم وتكيل بهم كل أنواع العذاب والظلم، لأكبر بقعة جغرافية يعيش فيها حاملو الجواز الكحلي مع القليل من الأمان، وكثير من الوجع والتعب وبقايا الحلم.. كل وقت يمر يؤكد لك كم يجعلك الحزن ناقصاً وكم يجعلك الفقد فارغاً إلا من صور الراحلين وأصواتهم، بينما تطوف روحك في كل الأماكن التي خلفتها في مدينتك وفي المدن التي زرتها مهاجراً مسافراً وأنت تظن أن بعض الموت سيتضاءل أو أنك ستنجو ربما، والمرارة أن لا نجاة طالما أن قلبك لا يرى المسافة بينه وبين كل أولئك المحزونين إلا عجزاً وقهراً.. نحن أبناء اللعنة التي تجعلنا نكفر بكل هذا الظلم الذي يلحق بنا، ونحن نثق ألف مرة أن لا مفر من كل هذا .. لا مفر! .. ولا زالت الوداعات هي سبيلنا الأسود بين موت واختفاء ومتاريس حدود.. وأحبة ننادي اسمهم في الفراغ ولا يجيبنا إلا رد الصدى أن “لا نجاة لكم ..لا نجاة منهم!” ..

مرّ وقت طويل ولكن!

لا أحد يمنح عنقه امتدادًا إضافيًا لتتسع رؤيته كما يظن حتى وإن شاء ذلك، تعال نرتب الأمر معًا، تبدو الحياة بعد ست سنين من الثورة فارغةتمامًا بعدما تحولت كل الأشياء المحببة إلى صور وبقيت الحقيقة الكاملة هي السواد الذي يبتلع الحلم الصغير ويبدده..
التوزع الجغرافي الذي بات منحصرًا في زوايا البلاد اليتيمة، والذي يزداد ضيقًا على ضيق، ويتحول من محَرر لنمارس فيه ثورتنا في البلاد كما نشاء إلى ثقل يجثم على صدورنا بكثرة الموت فيه وتوزع الرؤوس والسلطات.. إن فكرنا بالأمر على أنه أحقية اجتماعية أقصد أننا نتحدث عن مجتمع كامل بكل توجهاته ومغالطاته وتعقيداته هذا الأمر لا يقلل أبدًا من صعوبة الأمر منذ بدايته، لا يمكنك أن تكون ابنًا لهذا الحراك إن لم تصادف هذه النماذج بشكل مصغر في طريقك.. لم تكن تشكل محورًا ربما ولكنها اليوم تتمركز على حدود ملكك وثورتك وحلمك!
الوقت اليوم متأخر جدًا، متأخر لتحلم.. لتفكر.. لتثور.. لتصنع فرقًا، مؤسف أن تكون ولدت ثائرًا بعمر صغير جدًا بخبرات قليلة وبرفاق قلة، تجوب الشوارع المحتلة خائفًا لا تملك خطة ولا تتمكن من اصطناع فرصة ضئيلة لتزرع وردة حرية في دربك المعجون بالرهبة في مدينتك الأم التي تتحول مع الوقت إلى “زوجة أب ظالمة”، يبدو الفرق كبيرًا عندما تفتح عينيك الآن على كل هذا، عمرك الذي مضى والطريق الذي كان أخضرًا وتنوعت شعابه وألوانه، تفتحها على أحلامك الصغيرة التي نضجت الآن بتأنٍ ووحدة، وبمخزونك الفقدي العظيم!
مر وقت طويل جدًا ولم تعد الخيارات هي ذاتها، لم يعد إثبات الأمر ضروريًا لقد أصبحت محسوبًا على هذا الطريق ولو كنتَ بخيلًا فيه أو مجرد عابر عاجز، مر وقت طويل جدًا ولم تكن حجرة أساس ربما، أو أنك لم تكن موجودًا أصلًا، فقط صورة تمر في خيال العابرين في ذلك الطريق، عمر صغير كما ظننته فتح عينيك على عمرك الكبير الآن، الشوارع التي أحببتها وأحبتك وغنيت لها وفيها والتي أصبحت اليوم أسيرة تحت سلطة السلاح.. لا تدري أي سلاح بالضبط لكنه موجه نحو صدرك وحلمك بأحقية اقتلاعك من أرضك، أصدقاؤك الذين كانوا أجبن من أن تستند عليهم في أول الدرب وتركوك لكل ما هب في وجهك عاصفًا تصنف خياراتك وأفكارك وحيدًا، وأولئك الذين كانوا أجبن من أن يشاركوك الحرية بصوت مرتفع، فكان صوتك الوحيد ظاهرًا وواضحًا ومحروسًا بقدرة قادر! .. الطريقة التي رتبت فيها أولويات الوجع وشخوصه عندما كان الدرب هينًا جدًا ومحدودًا جدًا، لا داعي أن تفكر كثيرًا هي ميتة واحدة في سبيل واحد وإيمان واحد، كان هذا قبل أن يمر زمان القحط الطويل هذا، قبل أن تختنق بكل براميل الموت والكذب والإدعاء، قبل أن يصبح موتك مسببًا ومبررًا لتفكر ألف مرة، هل تغيّر الطريق حقًا أم أنني تائه وحسب؟
رغم كل الرومانسية المفرطة التي تعاملنا بها بادئ الأمر، والتي كبرت معنا منذ كنا صغارًا ونضجت اليوم كفكرة عظيمة مضيئة حقيقية رغم كل هذا الزيف، الثورة التي لا يمكن لنا أن نحيد عنها بعد أن صنعت منا هذا الشخص الذي لا يعرف أن يتبع أحدًا سوى إيمانه، الإيمان الذي أبقانا على قيد الكرامة طوال هذه السنين، الفكرة وحسب بأن التعب الذي يمسنا منها يدفعنا للهرب وقد يظن البعض أن هذا الهرب هو أصل التخلي عنها، لكنه في الحقيقة هرب من أنفسنا الحالمة إلى الأنفس البناءة التي تسعى لتغيرَ شيئًا على الأرض لا التي تتباكى على الأطلال ثم تغفو من جديد! .. الأنفس التي كانت صغيرة جدًا في بداية الحلم ولم تجد مركبًا ينقلها إلى الدرب بكامل اندفاعها، لكنها اليوم صنعت فُلكًا جديدًا يليق بهذا الحلم متوازنًا أكثر.. مسؤولًا أكثر.. حقيقيًا أكثر.. لا يشوبه تزييف ولا كذب .. أي أننا في توازن الأمر كي لا نكرر سقطاتنا واحدة تلو الأخرى، كي لا يصير ماضينا قليل الخبرة هو حاضرنا وغدنا، كي نخلق فرصاً جديدة بإمكانيات يمكن صنعها في هذه السنوات التي مرت وتمر دون أن نتباكى لألف يوم آخر، علينا أن لا ننسى ثأرنا الماضي ولا قسوة الذي مرّ، علينا أن لا نُضيع وجوه الشهداء والغائبين الحالمين، لكن نحن في معركة كسب ذواتنا اليوم فإما أن نكون على قدرها أمام كل هذه الرِماح الموجهة نحونا، أو نبقى محصورين في أماكننا الضيقة نوجه أنظارنا للماضي نعيد رسم يومنا بذات الطريقة وننتظر مستقبلاً مخالفاً .. وهذا والله أسوأ ما قد نفعله كثائرين!

ستسقط كل الوجوه التي ركبت على الثورة كما سقطت أعتى الديكتاتوريات والواجهات التي ادعت صلاحها وحكمتها وخيرها على مر سنين الصمت والقمع، سيسقط كل شيء وتبقى الفكرة الأصل أننا باقون هنا ولأحلامنا بقية ولا فناء لثائر ولا نهاية لثورة مهما طال الأمد فلنكن على قدر إيماننا بما يليق بها!

في ذكرى المجزرة..هل تحولنا إلى مجرمين حقًا؟

في العودة إلى البداية عندما انقسم المجتمع السوري إلى شريحتين، المؤيد والمعارض، كانت الغاية انحصار الكيان الثوري على تقديم أبلغ الصور والتوجهات السلمية لعرض الثورة كسبيل للتغيير والعدالة في الوطن المُبتغى، تحت مظلة واحدة وكيان مشترك يجمعنا جميعًا بكلا التوجهين المدنيين، لكن حينها مارست قيادة الطرف الأخر بسطوة النظام وأسلحته وهمجيته جميع الأساليب الممكنة لإخراس الصوت، من الاعتقال والخطف والتعذيب وصولًا إلى الموت. الفئة الأكبر من المؤيدين كانت تتعامل معنا لا كوننا طرف آخر، بل كعدو آخر.. جميعنا مُورس عليه الإرهاب المصغر من أقربائنا وأصدقائنا، وجميعنا حاولنا تحاشيه كي نحافظ على كياننا الهاتف “الشعب السوري واحد”.  يأتي السؤال الحقيقي هنا.. هل كان الشعب السوري منذ ذلك الوقت وحتى الآن واحدًا فعلًا؟.. بالطبع لا.. كل الصور والأحداث والتبعات التي أنتجتها الثورة أكدت أننا لم نكن يومًا كذلك، وبعضنا فقط من أدرك أن الحقيقة أوسع من فكرة طائفة أو دين أو ثورة، الأمر نابع من أشخاص عاديين عاشوا بيننا ومعنا وقتًا طويلًا، وتحولوا إلى مسوخ ينتظرون موتنا، أو يطلبونه أو يرموننا نحوه، سواء كانوا جبناء أو مستفيدين، لكنهم في الحالتين كانوا حاقدين جدًا..

في كل مرة توضع الثورة أمام خيار إثبات فضيلتها كانت تنجح، عند كل مجزرة تدك مناطق النظام كانت أصوات المعارضين الرافضين أعلى من أصوات المؤيدين النادبين، كنت تجد الرفض والشجب والاستنكار يفوق أي ردة فعل تخبرهم أن هذا الأمر يقع في نصف الكرة الأخرى، النصف الذي يهبط الموت عليكم منه كل يوم وكل ليلة، ورغم ذلك كانت المشاعر الثورية تقف خجلة أمام الظلم، وهي تعرف أن الموت لا يجب أن يسقط بين الجميع وأن هناك حتمًا مدنيين لا يستحقون الموت وأن أخلاقنا الثورية لم تخرج لهذا، المناطق المحررة تضم في غالبيتها النسبة الأكبر من المدنيين كانت تُدّك يوميًا بمئات البراميل ولم يصدر صوت شجب واحد من أهالي المناطق التي تقع تحت سلطة الأسد، بعض الأشخاص يقفون في الحياد المميت هناك لخوف أو رهبة أو لا مبالاة، لكنك تسمع صوت الشامت والناقم والمستهزئ يعلو على جثثنا دائمًا، كان الأمر جليًا في كل المجازر التي سميناها والتي لم نسمها، آخرها كان في مجزرة خان شيخون..

وتزامنًا معها بعد قرار المدن الأربع الذي تم على إثره استبدال أهل الأرض بغير أهلها، حدث تفجير أودى بحياة أطفال ومدنيين وأفراد تابعين لجيش الأسد أثناء إتمام الاتفاق، كان إعلاميو الثورة وثوارها على مقربة من المشهد لكنهم لم يكتفوا بدور المتفرج أو الشامت، الجميع اتجه لينقذ الضحايا، الكثير من المسعفون في الدفاع المدني الذي يعتبره النظام ومؤيدوه جزءًا من منظومة المستحقين للموت اتجهوا لإنقاذ الضحايا، أحد المسعفين كان يمسح جراح طفل صغير فسأله الطفل: “عمو أنتو بتدبحوا بس ما رح تدبحونا ما هيك؟”.. المسعف الذي لا يزال أثر غاز خان شيخون في حلقه مختنقًا تحدث عن ذلك قائلًا: “لربما ضمدت جرح من سيأتي ليقتلني غدًا”..

نحن كنا هكذا أمام كل اختبارات الثورة الحقيقية تتفوق أخلاقنا عليهم، سواء في محافل إثبات الفرق بين الجزار والمدني والفصل بينهما، أو في تبرير كافة المشاهد والتصورات التي يقوم بها بعض القاطنين تحت سلطته، كنا نضمد جرح قاتلنا ونحمله بعيدًا عن الموت، ندعو له بالنجاة، نربت على مواجعه إن لمسناها.. وفي الطرف المقابل يربي هذا الأخير ابنه أن كيف سيقتلنا عندما يكبر، وكيف سيوجه نصل سكينه إلى صدورنا كي لا نهتف مرة أخرى “يسقط الأسد” وربما كان يفعل ذلك قبل أن نهتف بهذا أصلًا.. كل ذلك الموت العظيم، كل الحكايات التي ضغطت علينا لتجعل منا مسوخًا كانت تبوء بالفشل.. لكن حتى نكون صادقين تمامًا كثير منا تشوه الإنسان داخله، وكثير منا أصبح يعاصر الحقد ويعيشه على أنه الشعور الأكثر أحقية له أمام كل الذي حدث له وكل ما سيحدث.. لم يعد من الممكن أن تتقبل علَمًا للطرف الآخر في أرضك تمامًا كما يعتبر الآخر رايتك كفرًا أكبر، لم يعد من الممكن أن تدخل في نقاش مع شخص بالنسبة لك منذ البداية باطل وربما يكون مشاركًا بالدم الذي نزفته حتى.. بعد أن تأكدت أن القاتل وتابعه موقِنان بضرورة موتك ليتابعوا حياتهم، بينما كنت تبحث أنت دائمًا عن جدوى لحياة مشتركة لكما معًا في وطن واحد. أخيرًا ستوقن أن هذا الوطن لن يكون واحدًا يومًا وأن الست سنوات المنصرمة أثبتت بالدم والظلم والنار أن لا حق يجمع القتلى مع الجرحى والشهداء تحت سماء واحدة..

هل حولتنا الثورة إلى وحوش؟ أم أننا لم نستطع أن نحافظ على إنسانيتنا بشكل تام أمام كل هذا الكم من الحقد والموت المصبوب علينا؟ هل يقيننا أننا وحدنا وأن الحق هو أن يكون الطريق والسبيل عالمًا لا يشاركنا به أولئك الذين عاشوا على موتنا حياة زاهدة قابلين بفتاتها على أن نشاركهم بعضها هو الصواب؟!..

في الحقيقة نحن لسنا وحوشًا لكننا متخمون بالجراح والصبر وفي قاموسنا الثوري لا مغفرة لقاتل..

عائدٌ من المعركة ..

كنت أمسك يدك بقوة وكأني أخاف أن تفلت مني مجددًا.. أي أذية أخرى أكبر من أن أفقدك بين غبار المعارك من جديد؟.. أمسكتها رغم أنك كنت تقف خلف الباب لم ألمح وجهك.. بدأت أنادي على عائلتي فرداً فرداً أبشرهم بعودتك.. كان يكفيني أن تكون يدك سليمة .. تلك اليد نفسها التي أدماها الرصاص سابقاً وأغرقتها الدماء .. لم أكترث عندما أصبح لون يدي أحمراً .. لم أفكر في غسلها حتى .. كان يكفيني دمك لأطمئن أن ما أراه ليس حلماً .. كنت أشعر بك!

دموع أمي تكفي لتغرقنا وتغسل يدك ويدي وعمرينا معاً .. تكفي لتجعل مدينتنا المدمرة تزهر من دمعها المالح .. لم يكن يعنيني أن يسقط السقف المتهالك فوقنا .. كانت القذيفة التي سقطت عليه كما يبدو مائلة .. إنه يميل يساراً كقلبي الذي يحتويك .. كنتُ أستند عليك ولم يكن يعني لي سقوط المنزل فوقنا أي شيء .. كان وجودك هو الفرح الوحيد الذي يستحق التضحية .. حتى ولو بعمري ..

كنتَ تبتسم .. كأن وجهك لم يتغصن تعباً .. كأن المسافة لم تؤذك بنا يوماً .. كأن صوتك لم تبدده ساحة حرب ولا هرب من موت موشك .. كأنك أنت .. لم تتغير أبداً .. وكأن كل الذي مضى منذ رحلت هو الحلم .. وجودك الآن ويدك بين يدي هو الحقيقة الوحيدة في هذا العالم .. نسيتُ صوتي .. لم أكن أرغب بالتحدث أصلاً .. كنت أسكرُ بصوتك وأحلّق معه .. بسماواتي الوحيدة .. بعيداً عن أعين الجميع المتعطشين لأخبارك .. أنا لم أكن أبحث فيك عن أي خبر … أنت هنا .. أريد أن أسمعك تقول فقط “هذي البلاد لنا .. كما أنكِ لي .. ولن نمضي” …

ابتعدت عني مسافة صغيرة حتى بدأت أدرك أن صوتي أصبح صراخاً: “كم جرحاً فُتح في جسدك؟ كم رصاصة سقطت في روحك؟ كم شهيداً دفنت وأنت تبكي نجاتك من الموت؟ كم مرة تذكرتني في طريقك الترابي وأشعلت ناراً لتشعر ببعض الدفء؟ كم كانت المساحات الشاسعة درعاً واهياً؟ وكم كان الموت ملتصقاً قريباً منك؟ … لماذا لم تعد تجيب؟ لماذا بدأت ملامحك تختفي هكذا؟ لماذا تهرب ابتسامتك مني؟ أين أنت؟ ما هذا السواد العقيم الذي أغرق به؟ لماذا لم يعد المنزل موجوداً؟  أنت!!”

أستيقظ من كابوسي مجدداً بذات الهيئة المرتجفة الخائفة .. هل هو كابوس فعلاً؟ .. أعرف هذا السقف .. وهذا الصوت المزعج الذي يصدره التكييف فوق رأسي .. لقد عدتُ أهذي من جديد .. لا أحد هنا .. لن يعود هنا أيضاً .. لم نملك بلاداً يوماً ولا حباً ولن نملك أبداً … كل شيء تفلت منا على طريق الرحيل .. نحن وحدنا كما كنا دائماً .. وبيننا المسافات يا عزيزي .. والموت ..

نحن المسافة والرحيل .. نحن كل الموت .. كله!

من منا أنا؟

أدركت أننا إن أفلتنا يدنا وكففنا عن التمسك بالأشياء التي نحبها سنستطيع أن نكون بخير أكثر.. وهذا ما حاولت فعله مؤخراً .. أنا أبتعد عن كل الأشياء التي أحبها.. لقد مر وقت طويل منذ أن حاولت القيام بشيء أحبه .. أو حاولت الدفاع عن رغبتي بشيء أحبه .. أنا حرة الآن .. هذا صحيح لكنني متعبة من هذا!

الوحدة تسحبك للأسفل كلما حاولت أن تلتقط نفساً جماعياً من الآخرين .. سحبتك نحوها بشدة .. أنا أسمع صوته الذي أحبه كلما غرقت إلى الأسفل .. هذا الشيء يدفعني أن أكف عن محاولاتي بالتفكير في الهرب ..

الحياة في الوطن باتت تشبه كل الصور عداها .. هناك رصاصات كثيرة تبحث عن أجساد سالمة لتسقط فيها .. هناك أحبة لا يزالون على قيدها وقذائف تبحث عنهم لتسرق أرواحهم .. هناك عشاق يقفون على حافة الأمل ليلتقوا .. فيسقط بينهم برميل .. يحولهما إلى أشلاء ستجمع أخيراً في قبر جماعي واحد .. هل هكذا يبدو وجه اللقاء الأخير؟! ..

تحدثنا آخر مرة عن الأمل .. فوعدني أن يكون بجانبي في الأيام المقبلة .. أنا اتخذت المنافي سبيلاً مجبراً .. وهو اختار تربة الأرض منزلاً ..

كتف أخي امتلأ بالأشواك منذ آخر احتضان بيننا في دمشق .. بعدها لم أعد أجد ملاذي داخله ..

كل الأشخاص حولي يمتلكون صوتاً مرتفعاً … وأنا وحدي أبحث عن صوتي في حناجرهم ..

الذاكرة تعيدني اليوم نحو حلب .. وأنا أحمل وزر كل تلك الأيام .. أنا أتعب من ثقل هذه الذاكرة التي لا ينخفض وزنها بمرور الوقت .. بل تصبح أكثر فتكاً بي ..

أحب دمشق .. وتقتلني دمشق ..

لم يأخذ الموت هدنة في بلادي حتى اللحظة .. كل وعوده بفعل ذلك تبوء بالفشل .. إنه يسرق أحبة الآخرين هذه الليلة ..

هذا المنفى .. صقيعه يحولني إلى صبارة جافة .. تحترق في لهيب الشمس وجذورها مُقتلعة منذ أيام …

من أنا؟!

المجزرة التي أبقتنا أحياءًا!

من الصعب أن تكتب عن ما تفكر به دائماً ويبدو الأمر أعقد مما يتصور أولئك الذين ينعتونك بـ “كاتب” إن أرادوا تضخيم استهزائهم بك، أو الضحك بصوت مرتفع على جملك المتقطعة التي تقول فيها: “أنا مالي كاتب، أنا بكتب ع قدي بس” .. هم يجدون فكرة التواضع بحد ذاتها تستحق الاستهزاء، المشكلة أنك لا تتواضع أنت فقط لا تحب الجلوس على غيمة ليست مطوّبة باسمك!

من يعرفني عن قرب يحفظ كل سردياتي عن الموت، دعواتي، لعناتي على الحياة، تضخم فكرة الانتحار في رأسي وهوسي غير المعتاد بها قراءة ومعرفة، وقليلون جداً من يعرفون عن محاولاتي أو عن مراحل الاكتئاب العقيمة التي مررت بها.. أحد أصدقائي المقربين جداً بعد استنفازه لكل الفرص الممكنة بإمكانية جعلي أحيد عن طريقة الكلام هذه، قرر قراراً جنونياً أن يجعلني أعيش لحظة الموت الأخيرة، حيث أنه سيرسل من يقتلني بينما يراقبني هو خلف عين الموت تماماً، يتساءل عن تلك اللحظة، هل سيضحك المجنون الميت داخلي أم أن الخوف سيتملكني وأرقد باكية أرجوه أن يمنحني بضع أيام أخرى؟

هذا التخيل بحد ذاته فتح داخلي ألف باب ومئة ألف تساؤل، وأعادني لدويستوفسكي العائد للحياة قبل لحظات إعدامه المحتمة بثواني بعد وصول ورقة العفو عن الإعدام باسمه، والتي قال بعدها عن الحياة: “حين أنظر إلى الماضي، إلى السنوات التي أضعتها عبثا وخطأ، ينزف قلبي ألمًا، الحياة هبة.. كل دقيقة فيها يمكن أن تكون حياة أبدية مِن السعادة! فقط لو يعرف الأحياء هذا، الآن ستتغيّر حياتي، الآن سأبدأ من جديد”.

وأنا هل يمكن أن أحب الحياة في تلك اللحظة؟ أقصد إن واجهت الموت بشكل مباشر هكذا؟

على كل حال لقد جربت الأمر مسبقاً، في الخامس من آب في العام 2012 عندما كنت في منزلي صادفت الموت لأول مرة، رأيت شبحه الضخم بشكل يشابه حجم إله الموت في Death note  كان ذلك اليوم هو أكثر الأيام التصاقاً بذاكرتي بكل تفاصيله، منذ تمركز الجيش الحر في حارتنا، وحتى وقوفهم للصلاة في الكراج المخصص لسيارتنا، وحتى اللحظة التي وجهوا الآر بي جي نحو الدبابة القادمة والتي ستمر بشارعنا الفارغ، كان الاستنفار الأمني مهيب، والموت وقتها كان مهيباً أيضاً إذ أن الجثث بقيت في مكانها منذ الظهيرة وحتى المساء أي بعد أذان المغرب في رمضان البائس ذاك.. كان رد الدبابة على تلك الضربة حينها أن وجهت سبطانتها نحو حارتنا وضربت ضربتين سقطا في منزل جارنا الأرضي، ووقعت الشظايا في منازلنا، في ذلك اليوم بالذات مع كل الغبار المتكاثف الذي نُفخ في وجوهنا، رأيت شبح الموت يتجسد داخله وينطلق نحوي بسرعة مدهشة، ثم ينعطف نحو عائلتي الكبيرة والمرتجفة أمامي.. أذكر أنني في أيامنا التي قضيناها تحت الموت أو منذ بداية الثورة لم أبكِ إلا فيما ندر، وكانت هذه المرة الأولى التي أبكي فيها لأجلي أي لأمر قريب من عائلتي لهذه الدرجة، الخوف الذي سيطر علي من المشهد حينها هو أن الموت حتماً اختطف أحدأ منهم، بحثت في الوجوه، ابن عمي بنات عمي حولي سالمون، ركضت لمنزل عائلتي صادفت أبناء عمي الآخر في وجهي على قيد الحياة أيضاً، دخلت المنزل كان الجميع يقف هناك ليتأكد من سلامتي، عددت وجوههم لم أعرف العدد بالضبط لكني كنت أرتجف وأنتقض، نظرت لعيني أمي وسألتها: حدا مات؟ قالت لي: لا لا لا.. وبكت قبل أن تكمل سؤالها “أنتو مناح؟”.. وقعتُ على الأرض وبكيت معها ثم ارتفع صوت الجميع بالنحيب، قالت زوجة ابن خالتي النازحة مع العائلة كلها عندنا: إذا راما بكيت يا الله!..  لم أستطع أن أشرح لهم وقتها أني صادفت الموت، وأنه هددني بوجوههم جميعاً. بعد أيام قليلة استشهدت ابنة جيراننا التي شاركتنا تلك اللحظة بانفجار عبوات الغاز في إحدى حارات دمشق..

المسألة إذن ليست خوفاً من الموت، بل على العكس، الموت يخيفنا لأنه لا يمسنا نحن، لأنه يقترب من كل أولئك الذين نحبهم، ويجعلنا ننزوي عجزاً مع أرواحنا، يقضي اليوم مئة شهيد في خان شيخون حتفهم بعد أن ألقى الأسد عليهم غاز السارين، موتٌ صامت بلا ضجيج، بأجساد كاملة ودون مشاهد الدم المؤذية، هم يمتلكون “عيوناً شاخصة” فقط كما تقول صديقتي. ينتحب كل سوري في هذا العالم على ذلك، نختنق بقلة الأوكسجين رغم وفرته في المنافي، ثم نعود للتنفس الطبيعي، حتى تحدث مجزرة أخرى، نبكي مجدداً وفي كل مرة نتمنى أن نشاركهم الموت، إما لنتخلص من عذاب الضمير الذي بقي حياً فينا، أو يأساً من مواجهة كل هذا الجنون المحتمل في هذا العالم!

صديقي المفضل يوبخني كلما ذكرت له الموت مازحة ويقول: “الموت ليس حلاً وليس مهرباً لطيفاً”، وفي كل مرة أخشى أن أخبره أنني أعرف أنه اللعبة المفضلة في هذا العالم الأسود وأنني أتحمل ذنب الهرب نحوه مدعية رغبتي بالخلاص، وأنا أحمل داخلي نهراً كاملاً من الدموع تبكي المجازر السابقة واللاحقة في تلك البلاد، وتعرف كيف تنتحب وهي تنظر من شباكها على امتدادات لا يصب فيها دخان السارين غضبه، ولا يضخ فيها الموت حقده.. أخشى أن أخبره أنني أكره النجاة فعلاً وأن كل الشهداء أحبوا الحياة أكثر مني، وأنني إن قاومت كل هذه الأيام فهي كي لا أخجل من عيونهم الآن ولا في يوم القيامة!