خرجت ولم تعد..

يغلقُ أحدهم القضبان بمئة جنزير ومفتاح وقفل .. كأن الروح التي تقف خلفه تبدو قادرة على الهرب أو حتى محاولة تجاوز كل أولئك القتلة المؤقتين لتنجو ..

في الحقيقة لا يبدو أنها راغبة بالنجاة ..

خارج القضبان تبدو الحياة مألوفة .. حياة طبيعية جدًا .. يشتري الناس حاجياتهم .. يبيع آخرون .. يلعب الأطفال في أغلب حارات المدينة .. يتجادل سائق التاكسي مع الركاب .. يحكي الحلاق حكاية الخاتم العجيب في فم السمكة للمرة المليون .. تسير امرأة حامل في الطريق فيساعدها أحد الرجال في جرّ عربة ابنها .. تسمع صوتًا حادًا يطلقه أحد الأطفال المتذمرين داخل الحديقة في وجه أمه التي تخبره أن الوقت قد انتهى .. الأطفال جميعهم لا يفهمون لعبة الزمن مبكرًا ..
كانت طفلة ذات يوم .. وكانت لا تعرف عن الزمن شيئًا .. خلف هذه القضبان الباردة تعلمت أن تنسى ذلك الذي يسمى وقتًا كي يكف عن حرقها كلما مر .. حاولت أن تعود طفلة .. طفلة لا تدرك من زمنها شيئًا .. لكنَّ وجعًا ما .. وجع لم ولن يبرأ في جسدها يذكرها في كل مرة أنها تجاوزت ذلك الوقت .. أنها كبرت أكثر من اللازم .. وأن الساعات ستبقى سجنها حتى وإن رأت السماء مجددًا ..

تغفو ..

تبقى أصوات الأقدام في الخارج تدق ناقوس الخطر فوق رأسها .. هنا تعلمت أن تلعب لعبة الاكتشاف مع تلك الأصوات، هذا رجل غاضب يحاول تجاوز زوجته .. وهذه خطى زوجته الصغيرة المتململة .. هذا طفل يمشي حديثًا وأمه تركض خلفه كي لا تسرقه سيارة مسرعة … هذه خطوات عاشقَين يبدو أنهما يمتلكان وقتًا كافيًا للحب وعمرًا يكفي ليسيرا في كل شوارع الشام معًا … تذكرت أنها ذات يوم امتلكت مثل هذا الوقت معه، قبل أن تبتلعهما العتمة …      هي لا تدري إن كانت تسمع الأصوات حقًا أم أنها تهذي.. لكنها تعلم جيدًا أن هذه اللعبة أنقذتها من خطر الوقت وحسابه .. تُكمل حديثها مع نفسها .. تُحصي السيارات المارة فوقها .. كيف يمكن أن تكون الحياة جحيمًا وجنة في ذات البقعة يفصلهما خط أرض واحدة إلى هذه الدرجة؟!
يدخل السجان يوقظها من نومها .. تذهب للتحقيق .. ثم تعود .. هي لا تعود كاملة كانت تدرك أنها بعد كل رحلة تحقيق وتعذيب تمر بها تنقص جزءًا .. هكذا حتى تنتهي كلها هذا ما تعزي نفسها به دائمًا عندما تسخر من مصيرها: “وزني مو كتير كبير .. هانت لاخلص” .. ثم يعود لها ذلك الوجع في موضع ما .. في حرقة ما .. يفتح داخل روحها موتًا أحمرًا وهي على قيد الحياة ..
هذا السجن كان الفاصل الوحيد بينها .. وبين حلمها .. روحها .. صورته الجميلة في عينيها … صورتهما معًا .. عائلتها .. مستقبلها .. أخيها الصغير الذي أراد أن يصبح خالًا لأبنائها منذ كان في الخامسة من عمره .. بينها وبين آخر الأمنيات في حياتها أن ترى السماء للمرة الأخيرة كما أحبتها دائمًا .. قد يجبرُ هذا المشهد كل أيام العذاب التي مرت بها… هكذا تتخيل!
تغفو مجددًا .. يدخل السجان بعد ساعتين .. يناديها .. يركلها .. يرش الماء البارد عليها .. كانت قد اتخذت قرارها في أن تكسر هذه القضبان .. خرجت بروحها نحو ذلك العالم الذي لم يعد يعرفها والذي لم ينتبه لغيابها يومًا  .. خرجت لترى إن كانت الحياة تبدو مُنصفة بين جحيمها وجنتهم .. خرجت ولم تعد .. ولن تفعل!

Advertisements

أن تجدّف غارقًا..

افتح مغاوير قلبك المغلقة، ومارس سخطك بصوت مرتفع، جراحُك التي تفتحها أصغر الأشياء التي تحدث حولك، صور قديمة لمدينتك بعد أن أصبحت باهتة جدًا، الماضي الممتلئ بصور الغائبين، الحياة الحقيقية حولك والتي تعد في الحقيقة قطعة من حجر جهنم لا تنفك عن محاولة ابتلاعه صبرًا واحتسابًا بعد أن كنت تأمل برميه في وادٍ سحيق عندما كنت تفكر بالهرب.. الآن أنت تخاف الخارج..

لماذا أتحدث بصيغة المخاطب؟

أنا من أخاف الخارج يا أبي، أنا التي لا أعرف إن كنت قادرة على المشي مرة أخرى بلا تعثر، أخاف إن جازفت بالخروج كما كنت أريد سابقًا..  أن أسقط، كما كنتُ أسقط بخطواتي المبكرة جدًا عندما كنتَ تمسك بيدي وتبتسم لي، لقد سقطت كثيرًا في الفترة الأخيرة لكني دائمًا ما سقطت وحدي، كانت يدك بعيدة جدًا، وكنتُ أنا مزروعة في الغياب كوردة تذبل رغم أنها تحمي جذورها جيدًا، كنتم تربة الأرض التي حاولت حمايتي، لكن لا ماء يسقيني هاهنا، لذلك جففت سريعًا وربما مت، أعلم أنني لا زلت أبتسم..  في النهاية الموت لا يعني أن يكف الشخص عن خلق فرص عيش له كالأشخاص العاديين، إنه فكرة منفصلة، مثل أن أحبك بصمت دائمًا، كأنك تسمعني.. مثل أن ينفرط قلبي في جوفي لألف قطعة وأعجز عن لملمتها بينما يظن الناس أن الصوت الذي صدر عن ذلك محض شيء عابر في الخارج.. كل الحكايات التي تتضخم لتصير جزءًا من كوابيسي هي قبور في الذاكرة، كنتُ أظن نفسي ذكية عندما استحدثتها هناك، باتت القبور ظلامًا ضخمًا يبتلعني كلما مر وقت أطول..

الليل في دمشق.. أو لنتحدث عن كل الطرق التي أسلكها عائدة نحو دمشق وتبدو مبللة، الدمع الذي أعجز عن استحضاره في حياتي اليومية، يغرق دروبي العائدة نحوها دائمًا، أمشي داخلها بينما تبادلني هي ذات البرود المخيف الذي تمارسه عليَّ هذه المدينة، فأصغر فيها كطفلة تربكها الخطوات دون يد أمها، في تلك الزاوية التي كنت أفضلها في شوراع دمشق القديمة، حيث يقف بائع اللوحات مقابلًا لها، هناك في العتمة أكمل منامي مرتجفة، عندما أعرف تمامًا أن أغلب الأشياء في عقلي محض وهم، وهم بكل ما كنت أحبه قبل هذا العصر، ووهم آخر يجعلني أكرر تأجيل كل ما أرغب بفعله لحياة أخرى، الحياة التي لا يعرفها أحد سواي..

في دمشق تعرف أن الحب هو أقدس الأشياء التي ستعيشها هناك، وما إن تحمل معك قلبًا دمشقيًا في حقيبة سفرك، ستعرف أنك ستبقى تائهًا فيه ودونها للأبد، بينما تبحث عن الشوارع التي لم تمشِ بها يومًا لتتخيلها في محولة معافاة روحك الهشة… بينما تبقى تعزي نفسك بعودة.. أخيرًا يا عزيزي أنت لن تقع بالحب بشكله التام والمكتمل… هناك شيء ناقص دومًا ستثق أنك لن تحب دونها قط..

دمشق المنزل الذي هُدّم فوق رأسك ولا تزال تصنع من حجارته الصغيرة خيمة!

أنا صاحبة الذاكرة المريضة، التي تنقلت بين محطات هذا العالم ما بين ثورة .. وموت .. نزوح .. فهجرة ثم عجز عظيم لا ينفك يحطم كل ما أحاول تجاوزه ويعيدني لنقطة الصفر دومًا، أنا التي لم أعش ربع حياة قبل الثورة، ثم عندما حاولت العيش أغرقتني الخطايا وسحبتني موجة الحرية معها حيث ذهبت، لم أكن كبيرة حينها سبعة عشرَ عامًا لن تكون كافية لترسم صورة كاملة عن أحلام فتاة أو رغباتها أو حتى عن الفتاة نفسها، لكني اليوم وكلما أطلت حياة عادية ورتيبة جدًا حولي لآخرين أتساءل كيف كنت أعيش قبل هذا؟ هل كنت أملك وسطًا مشابهًا وعائلة وأصدقاء وروحًا فعلًا؟.   في الحقيقة يا أبي لقد أصبحنا مشوهين أكثر من اللازم، نحن نسينا كيف كانت الحياة ولا نعرف كيف سنعيش الحياة التي قد تكون لنا لاحقًا .. حتى فرصنا بالنجاة أصبحت محض كذبة.. لقد غارَ البحر ونحن نجدّف سفينتنا في التراب فقط!

 

عائدٌ من المعركة ..

كنت أمسك يدك بقوة وكأني أخاف أن تفلت مني مجددًا.. أي أذية أخرى أكبر من أن أفقدك بين غبار المعارك من جديد؟.. أمسكتها رغم أنك كنت تقف خلف الباب لم ألمح وجهك.. بدأت أنادي على عائلتي فرداً فرداً أبشرهم بعودتك.. كان يكفيني أن تكون يدك سليمة .. تلك اليد نفسها التي أدماها الرصاص سابقاً وأغرقتها الدماء .. لم أكترث عندما أصبح لون يدي أحمراً .. لم أفكر في غسلها حتى .. كان يكفيني دمك لأطمئن أن ما أراه ليس حلماً .. كنت أشعر بك!

دموع أمي تكفي لتغرقنا وتغسل يدك ويدي وعمرينا معاً .. تكفي لتجعل مدينتنا المدمرة تزهر من دمعها المالح .. لم يكن يعنيني أن يسقط السقف المتهالك فوقنا .. كانت القذيفة التي سقطت عليه كما يبدو مائلة .. إنه يميل يساراً كقلبي الذي يحتويك .. كنتُ أستند عليك ولم يكن يعني لي سقوط المنزل فوقنا أي شيء .. كان وجودك هو الفرح الوحيد الذي يستحق التضحية .. حتى ولو بعمري ..

كنتَ تبتسم .. كأن وجهك لم يتغصن تعباً .. كأن المسافة لم تؤذك بنا يوماً .. كأن صوتك لم تبدده ساحة حرب ولا هرب من موت موشك .. كأنك أنت .. لم تتغير أبداً .. وكأن كل الذي مضى منذ رحلت هو الحلم .. وجودك الآن ويدك بين يدي هو الحقيقة الوحيدة في هذا العالم .. نسيتُ صوتي .. لم أكن أرغب بالتحدث أصلاً .. كنت أسكرُ بصوتك وأحلّق معه .. بسماواتي الوحيدة .. بعيداً عن أعين الجميع المتعطشين لأخبارك .. أنا لم أكن أبحث فيك عن أي خبر … أنت هنا .. أريد أن أسمعك تقول فقط “هذي البلاد لنا .. كما أنكِ لي .. ولن نمضي” …

ابتعدت عني مسافة صغيرة حتى بدأت أدرك أن صوتي أصبح صراخاً: “كم جرحاً فُتح في جسدك؟ كم رصاصة سقطت في روحك؟ كم شهيداً دفنت وأنت تبكي نجاتك من الموت؟ كم مرة تذكرتني في طريقك الترابي وأشعلت ناراً لتشعر ببعض الدفء؟ كم كانت المساحات الشاسعة درعاً واهياً؟ وكم كان الموت ملتصقاً قريباً منك؟ … لماذا لم تعد تجيب؟ لماذا بدأت ملامحك تختفي هكذا؟ لماذا تهرب ابتسامتك مني؟ أين أنت؟ ما هذا السواد العقيم الذي أغرق به؟ لماذا لم يعد المنزل موجوداً؟  أنت!!”

أستيقظ من كابوسي مجدداً بذات الهيئة المرتجفة الخائفة .. هل هو كابوس فعلاً؟ .. أعرف هذا السقف .. وهذا الصوت المزعج الذي يصدره التكييف فوق رأسي .. لقد عدتُ أهذي من جديد .. لا أحد هنا .. لن يعود هنا أيضاً .. لم نملك بلاداً يوماً ولا حباً ولن نملك أبداً … كل شيء تفلت منا على طريق الرحيل .. نحن وحدنا كما كنا دائماً .. وبيننا المسافات يا عزيزي .. والموت ..

نحن المسافة والرحيل .. نحن كل الموت .. كله!

من منا أنا؟

أدركت أننا إن أفلتنا يدنا وكففنا عن التمسك بالأشياء التي نحبها سنستطيع أن نكون بخير أكثر.. وهذا ما حاولت فعله مؤخراً .. أنا أبتعد عن كل الأشياء التي أحبها.. لقد مر وقت طويل منذ أن حاولت القيام بشيء أحبه .. أو حاولت الدفاع عن رغبتي بشيء أحبه .. أنا حرة الآن .. هذا صحيح لكنني متعبة من هذا!

الوحدة تسحبك للأسفل كلما حاولت أن تلتقط نفساً جماعياً من الآخرين .. سحبتك نحوها بشدة .. أنا أسمع صوته الذي أحبه كلما غرقت إلى الأسفل .. هذا الشيء يدفعني أن أكف عن محاولاتي بالتفكير في الهرب ..

الحياة في الوطن باتت تشبه كل الصور عداها .. هناك رصاصات كثيرة تبحث عن أجساد سالمة لتسقط فيها .. هناك أحبة لا يزالون على قيدها وقذائف تبحث عنهم لتسرق أرواحهم .. هناك عشاق يقفون على حافة الأمل ليلتقوا .. فيسقط بينهم برميل .. يحولهما إلى أشلاء ستجمع أخيراً في قبر جماعي واحد .. هل هكذا يبدو وجه اللقاء الأخير؟! ..

تحدثنا آخر مرة عن الأمل .. فوعدني أن يكون بجانبي في الأيام المقبلة .. أنا اتخذت المنافي سبيلاً مجبراً .. وهو اختار تربة الأرض منزلاً ..

كتف أخي امتلأ بالأشواك منذ آخر احتضان بيننا في دمشق .. بعدها لم أعد أجد ملاذي داخله ..

كل الأشخاص حولي يمتلكون صوتاً مرتفعاً … وأنا وحدي أبحث عن صوتي في حناجرهم ..

الذاكرة تعيدني اليوم نحو حلب .. وأنا أحمل وزر كل تلك الأيام .. أنا أتعب من ثقل هذه الذاكرة التي لا ينخفض وزنها بمرور الوقت .. بل تصبح أكثر فتكاً بي ..

أحب دمشق .. وتقتلني دمشق ..

لم يأخذ الموت هدنة في بلادي حتى اللحظة .. كل وعوده بفعل ذلك تبوء بالفشل .. إنه يسرق أحبة الآخرين هذه الليلة ..

هذا المنفى .. صقيعه يحولني إلى صبارة جافة .. تحترق في لهيب الشمس وجذورها مُقتلعة منذ أيام …

من أنا؟!

محاولة عابثة ..

أكتب لك.. لا لشيء سوى أنك اكتمال كل الرغبات في عقلي، وأنا إن توقفت يوماً عن الكتابة لك سأموت، سأموت بسبب التخمة التي ستصيبني من الكلمات، وأنا أكره التخمة وكل الكيلوغرامات الزائدة والكلمات الزائدة والألحان والعلاقات والصور الزائدة، أكره كل الفائض في الحياة وأكرهك كلما فضت داخلي واتسعت ..

أكتب لك.. لأن صديقتي تُصر أنني يجب أن أكتب لشخص ما، ولأن أختي لا تنفك تظن نفسها المقصودة في رسائل الحب تلك، ولدي صديق آخر يعيش وهم أنني أحب رجلاً فينزوي في آخر العالم يبكي فرصته المفقودة كما يعتقد بفتاة مثلي، أما أحد المتابعين لجنوني الانترنتي دائماً فيظن نفسه المقصود ويمطرني بالقلوب البنفسجية على الرسائل لأنتبه لاسمه، بالمناسبة أنا لم أجرب مرة أن أقرأ اسمه، قد يكون ذلك لأني أحفظ الأشياء بسرعة عند قراءتها ولا يهمني أن يصير محفوظاً في ذاكرتي ..

لنعد إذن .. لماذا أكتب لك؟! ..  أكتب لأنني أرى الحياة هنا رتيبة بشكل مزعج، والحياة في وطني صاخبة بشكل مميت، لا أريد أن أخبر العالم أنني أترقب سماء دمشق كل يوم لتمطر موتاً على عائلتي، الناس لا يهمهم الأمر جداً، وأنا لا أفهم لماذا عليهم أن يحاربوني باهتماماتي أصلاً!!.   أنا أحب دمشق .. وإن كانت دمشق المدينة التي لا تعرف الحب، والتي تبخل على الناس اليوم بالحياة، وإن كانت المدينة التي خطفها منا مستبد أحمق يظن أنه إله الخير في هذا العالم، وهو يرسل الشرور فينا وحولنا متى تمكن من ذلك ..

أحب دمشق، كما أحبك بالضبط وأخشى منكما وعليكما بذات اللهفة، أعرف أنني تحت لعنة الاغتراب أحمل فقط قلباً صغيراً جداً، لا يستطيع وضع السماء داخله، فيحتفظ ببعض الصور عنها كما فعل معك ومع دمشق، أعرف أنني خرجت بجسد لا يقوى على معاندة الحياة كثيراً وكلما خيّرته الدنيا أمراً جديداً تكاسل هرباً وعاد للبحث في طرق الانتحار، أفهم معنى أن تصغر روحي فتصبح داخل كف العفريت الذي يرجُ دمشق بقسوة، ويبصق على الريف قذائفه النتنة ليسكتها.. أعرف أن كل هذا العالم يتفق أن مدينتنا تستحق كل شيء، ونحن وحدنا من نعرف أنها المدينة التي تسقط، لا كما يعتقد الحالمون أنها لا تموت أبداً، بل لأننا نوقن أنها حالما تسقط سيؤذينا دوّي سقوطها نحن أبناءها الغرباء وحدنا..

أكتب لك، لأنك الوحيد الذي لا تملك الوقت في هذا العالم لتقرأ هرائي، أو لتسمع شتائمي المتكررة على الحياة، آخر شخص في هذا العالم سيفهم وحدتي وتقبلي الأخير للحياة الميتة حولي، وتوقف رغبتي في الرحيل لأي مكان..   وحدك ستعلم أنني لست أحداً مهماً، وأنني لا أعرف صياغة الكلمات جيداً، لأنني مليئة بالبؤس والحل الوحيد برأيك أن أترك هذا العالم للجادين أمثالك .. أكتب لك، لأن جرح الشام داخلي يخرسه ألف سبب أخجل من البوح بهم، ويضغط عليه كل وجوه الذين أحبهم ويقبعون تحت الخطر هناك.. أكتب لك لأخبرك أن هذا العالم لا يتسع لنا أبداً ونحن لا نريد التضاؤل للانكماش فيه ..

أكتب لك .. لأنني أحتاج حضنك الآن .. أو لأنني أحتاج كل شيء سواك!

عندما تقاتل العالم.. وحدك!

لا أحد يستطيع الذهاب للامتحان دون أن يفتح الكتاب لمرة واحدة فيفلح كما أفعل غالباً .. أختي فعلت ذلك منذ أيام وعادت تشتمني من امتحانها الذي لا تعرف ماذا كتبت فيه..

أنا كل ليلة أحلم بأن أستيقظ لأجد شبحاً ضخماً ابتلع العالم، وجعل كوخي الصغير على مقربة من فمه الضخم، ذلك فقط كمنحة خاصة لي لأنني بكيت طويلاً في الليلة نفسها..

أستطيع رؤية ركن العالم الهادئ كلما تثاءب الشبح..  في خيالي كان يتثاءب كثيراُ بالمناسبة ..

أصبحت أتقن ردات الفعل والنقاشات وإبداء الاختلاف والدخول في مشاحنات مع الآخرين صامتة …

كل يوم أقرر أن ألملم أغراضي كاملة وأمضي لمكان بعيد جداً، وفي كل صبح أرى عيون أمي وأبي أعود لأرتب أشيائي في الخزانة مرة أخرى، بقيت أكرر الأمر ثلاث سنين وحتى اللحظة لم أفلح في الهرب..

أحببت رجلاً كان يكذب بكل وعوده التي أطلقها، ولأني أكره الكذب جداً كرهته وتعلمت أن أكذب ..

الجانب السلبي داخلي تحول إلى جانب أخرس، لا صوت له أبداً، وزاويتي الإيجابية باتت تثبت نفسها جداً لكثرة ما أبتسم ..

أصدقائي يصادفونني في الأوقات الحرجة وغالباً ما يتفاجأون من هزالي أو السواد تحت عيني أو تهالك صوتي ..

الواقع الافتراضي أكثر ثقلاً من الواقع بمراحل، وكلما قررت هجره أعادني الحنين لصوت أحدهم ..

كل المدن موحشة، ولا أمر بغربة إلا أشعر بصلابة الوقت متحجراً في روحي .. أشعر أنني بت أحمل داخلي جبلاً لكثرة المدن التي مرت بي ..

صوته حنون جداً، لكنه لا يستطيع أن يكون جاداً في الحب أبداً ..

لم أعد أمتلك ورقة بيضاء واحدة ..

يدي كما يقول الطبيب لن تعمّر معي كما يبدو ..

وجهي سيصبح نصف وجه قريباً ..

تخليت عن ظلي في مقايضة مع بائع أحلام ..

روحي بقيت عند باب دمشق الثالث تنتظرني، وعدتها بالعودة بعد أن أشتري القليل من العمر .. ولم أعد بعد!

أخي .. بعيد مثل الوطن تماماً ..

الثورة لا تزال طفلتنا المدللة ..

أعترف كوني لا أفهم بالمعارك مثلما أضيع في مباريات كرة القدم تماماً ..

أخاف أن يسفك نقطة دم واحدة ظلماً ..

يؤلمني مشهد التهجير الذي يحصل كأنني أعيشه مرة أخرى ..

كل القذائف والصواريخ التي تستهدف الوطن تسقط في قلبي ..

كل الصرخات والدموع والأحزان التي تستوطن قلوب السوريين في العالم تكرر نفسها في رأسي يومياً ..

دمشق .. آخر زفراتي المشتاقة والملتاعة والحزينة ..

هو … أنا .. وكلانا شبه كائن موجود ..

باسمها نجدد القسم ..

لا أطمح أن أبدو بطلة وأنا أتحدث عن الخطوة الأولى التي مشى بها غيري بينما كنت أمارس طيشي الحياتي في مكان ما، لست مجبرة أن أسرد على مسامع الأخرين حكايتي، لربما لم يكن لدي حكاية في الأصل، أو لربما كانت أكثر تواضعاً من أن تُروى، لكنها بالنسبة لكل منا أصل الحياة، إذن ما هي الحكاية؟!

أنا مهووسة بالأرقام، مهووسة لدرجة تجعلني أحمل على ظهري كل هذا العمر الذي كبرته في الثورة على أنه عمري الوحيد، رغم أنني لم أخطُ أول الدرب يقيناً، ورغم أنني تأخرت عن الركب، لكني أعرف تماماً أنني ركضت إليه بكُلي متى أتم عمره وحقيقته في روحي.. ست سنين أصبح عمري، وما عادت حكايات العالم تغريني بالاستماع كثيراً، لم يتبقَ من العمر ما يكفي لأجادل الناس وأخالفهم وأحدثهم عن ما أفكر وأؤمن به، لا أمتلك وقتاً يجعلني أقضي عمري المتبقي بعيداً عن الحلم الذي آمنت به منذ أن آمنت بحق تلك الأرض بصوت عالٍ، منذ أن عرفت أن الحق ليس ما تم تلقينه لنا في المدارس، بل الحق هو ذلك الذي تحاشى الجميع الحديث عنه ذات يوم..

كل هذا الدم الذي سفك، وكل الحكايات التي ركبت واستغلت المشهد الأوحد الذي أحببناه، وكل الطرق التي شعرنا بانقطاع أنفاسنا متى وصلنا لآخرها، وكل الأضواء المتهالكة التي لم نجدها في آخر النفق، وكل النهايات التي جعلتنا ننتحب بعد أن فقدنا الكثير ممن نحبهم، كل هذه الأسباب لا تعني أن ما قمنا به باطل ..

أو أننا قد يحق لنا اليأس فقط لأننا بقينا على قيد الحياة هاهنا ولم نشارك الراحلين طريق السماء، يكفي أننا صرخنا في شوارع تلك البلاد التي خنقها البعث أربعين عاماً باسم الحرية والوطن والكرامة، يكفي أن تلك البلاد لن تموت تحت وطأة الظلم والخوف مجدداً. يكفي أننا لن نضطر لإحكام إغلاق النوافذ والاحتياط من جدران منازلنا عندما سنروي لأطفالنا حكاية الثورة، لا كما حدثنا أهلُنا عن الثمانينات، لقد كسرنا رأس الطاغوت الأكبر، وكسرنا الرهبة من كل الطواغيت، تعلمنا أن كلمة “لا” ليست كفراً، بل حقاً!..

نحن نضجنا على قَسَمِ الثورة، وأمنا بكل ما أبلغتنا به، وعرفنا أن درب الشهيد لا يشوّبه ظلم ولا ظلام، وأننا إن انتابنا اليأس يوماً فكي نتمسك بأمل الثورة، كي نعمل لأجل المحرومين تحت ظلها من الحياة، كي نتحدث عن حقيقتها وطهرها، كي نحرس حلم الذين خلّف السواد في قلوبهم موتاً، لمن رحلوا، ولمن غيبهم العتم خلف سياطه!، نحن الذين عرفنا أن من يقتل شعبه خائناً ولو كان طبيباًبعيون خضر، ومدعياً التجديد بثورة اتصالات للبلاد التي يسودها شبح المخابرات وإجرامه ..

نعم، لم أكن في الخطوة الأولى، ولم أشارك بكل الخطوات، لكني أعرف أنها داخلي مكتملة تامة، لا يُنقص من حقيقتها إلا تضخم الموت على حساب الحياة، لكن هناك أمل لا يقف في آخر الطريق بل لم يزل صامداً في عيوننا نحن الذين نبكي كلما عاد بنا الدرب لتلك المظاهرة، أو رأينا صورة شهيد نحبه، أو سمعنا صوت قاشوش غنى باسمنا، تلك الأرض لنا، وإن بيعت، وإن نهبت، وإن دمرت.. لنا فيها حلم أقسم أن لا يُكسر! وهذا عهدنا وعليه نجدد القسم ..