آخر النفق..

كنا جمعاً ثائراً قررنا حينها أن نحارب على دمنا كل الأشياء معاً، وأن نقاوم رغم كل ذاك الوقت والخراب بثقة البداية نفسها، سقط بعضنا في أول الطريق ورحل آخرون في العتمة، وكُتِب على البقية الذين لم ينل منهم موت ولا غياب أن يحاربوا العالم، وأن ينتقلوا من صرخة في الشارع للمطالبة بالكرامة والحرية إلى نداء بإحقاق قليل عدل لهم في الأروقة الصماء، بصوت يكاد لا يزلزل ركناً صغيراً في هذا العالم الهادئ..

كلما جربت الهرب من كل هذا أعود غصباً، أعدد أسماء المختفين هناك بين اعتقال واحتياط وموت، أسمع صوت طفلة يمزقها الجوع في مدينتي، وأدرك خطى العابرين وتصعقني كثرتهم، فلا أحد هناك يقاوم الموت، الكل يركل أهله بقدمه ليتابع سيره، لا أحد يريد أن يمسه الخطر الذي نغرق فيه نحن، نحن الذين لم نعرف أن نصافح قاتل، أو أن نصالح على دمنا. في شارع المدينة المعتم ينام صبيان أمام فندق يكاد يفرغ إلا من جيوب الأغنياء، يحاولون إبعادهم عن الطريق كي لا يتشوه المنظر الحضاري للمدينة، أم تشتري لأبناءها طعاماً تستر عورة المال بابتسامتها لهم عندما يأكلون بعد جوع، رجل يخفي هويته في جيبه الخلفي كي لا يتذكر أنه من المدينة المغضوب عليها، يكفيه أن يتذكر ذلك عند كل حاجز لعين، غالباً ما يفضل قطع المسافات مشياً، فالموت الفردي في هذا العالم أكثر مصداقية..

لم نعد نريد أن نكون جزءاً من كل هذا، حتى من محاولة النجاة الضئيلة التي تخنقك خياراتها وتحددك متطلباتها، وتسمع فيها ما يهدد أمنك واستقرارك اللحظي في كل مرة، حيث لطالما رُدد عنك بالخفاء “كان الأولى تحترمك بلدك قبلنا”، لا يمكنك المحاججة بظلم، أنت ابن الظلم الأكبر، الشبح الأسود الذي ابتلع ماضيك وحاضرك وغدك، كيف تريد من الآخرين أن يمنحوك عدلاً؟ ، أو جزءاً من حقيقة كونك الشارد الضائع في ظل الظالم، تحاول كل يوم أن تنجو بروحك من كل هذا الموت المقيت، تحاول في كل مرة أن تمنح نفسك تبريراً واحداً لمنطقية البقاء محاصراً بكل هذا البطش، فلا تجد!

كل هذا العالم تحول إلى سجن، من أصغر بقعة تعتقل أجساد من نحبهم وتكيل بهم كل أنواع العذاب والظلم، لأكبر بقعة جغرافية يعيش فيها حاملو الجواز الكحلي مع القليل من الأمان، وكثير من الوجع والتعب وبقايا الحلم.. كل وقت يمر يؤكد لك كم يجعلك الحزن ناقصاً وكم يجعلك الفقد فارغاً إلا من صور الراحلين وأصواتهم، بينما تطوف روحك في كل الأماكن التي خلفتها في مدينتك وفي المدن التي زرتها مهاجراً مسافراً وأنت تظن أن بعض الموت سيتضاءل أو أنك ستنجو ربما، والمرارة أن لا نجاة طالما أن قلبك لا يرى المسافة بينه وبين كل أولئك المحزونين إلا عجزاً وقهراً.. نحن أبناء اللعنة التي تجعلنا نكفر بكل هذا الظلم الذي يلحق بنا، ونحن نثق ألف مرة أن لا مفر من كل هذا .. لا مفر! .. ولا زالت الوداعات هي سبيلنا الأسود بين موت واختفاء ومتاريس حدود.. وأحبة ننادي اسمهم في الفراغ ولا يجيبنا إلا رد الصدى أن “لا نجاة لكم ..لا نجاة منهم!” ..

Advertisements

مرّ وقت طويل ولكن!

لا أحد يمنح عنقه امتدادًا إضافيًا لتتسع رؤيته كما يظن حتى وإن شاء ذلك، تعال نرتب الأمر معًا، تبدو الحياة بعد ست سنين من الثورة فارغةتمامًا بعدما تحولت كل الأشياء المحببة إلى صور وبقيت الحقيقة الكاملة هي السواد الذي يبتلع الحلم الصغير ويبدده..
التوزع الجغرافي الذي بات منحصرًا في زوايا البلاد اليتيمة، والذي يزداد ضيقًا على ضيق، ويتحول من محَرر لنمارس فيه ثورتنا في البلاد كما نشاء إلى ثقل يجثم على صدورنا بكثرة الموت فيه وتوزع الرؤوس والسلطات.. إن فكرنا بالأمر على أنه أحقية اجتماعية أقصد أننا نتحدث عن مجتمع كامل بكل توجهاته ومغالطاته وتعقيداته هذا الأمر لا يقلل أبدًا من صعوبة الأمر منذ بدايته، لا يمكنك أن تكون ابنًا لهذا الحراك إن لم تصادف هذه النماذج بشكل مصغر في طريقك.. لم تكن تشكل محورًا ربما ولكنها اليوم تتمركز على حدود ملكك وثورتك وحلمك!
الوقت اليوم متأخر جدًا، متأخر لتحلم.. لتفكر.. لتثور.. لتصنع فرقًا، مؤسف أن تكون ولدت ثائرًا بعمر صغير جدًا بخبرات قليلة وبرفاق قلة، تجوب الشوارع المحتلة خائفًا لا تملك خطة ولا تتمكن من اصطناع فرصة ضئيلة لتزرع وردة حرية في دربك المعجون بالرهبة في مدينتك الأم التي تتحول مع الوقت إلى “زوجة أب ظالمة”، يبدو الفرق كبيرًا عندما تفتح عينيك الآن على كل هذا، عمرك الذي مضى والطريق الذي كان أخضرًا وتنوعت شعابه وألوانه، تفتحها على أحلامك الصغيرة التي نضجت الآن بتأنٍ ووحدة، وبمخزونك الفقدي العظيم!
مر وقت طويل جدًا ولم تعد الخيارات هي ذاتها، لم يعد إثبات الأمر ضروريًا لقد أصبحت محسوبًا على هذا الطريق ولو كنتَ بخيلًا فيه أو مجرد عابر عاجز، مر وقت طويل جدًا ولم تكن حجرة أساس ربما، أو أنك لم تكن موجودًا أصلًا، فقط صورة تمر في خيال العابرين في ذلك الطريق، عمر صغير كما ظننته فتح عينيك على عمرك الكبير الآن، الشوارع التي أحببتها وأحبتك وغنيت لها وفيها والتي أصبحت اليوم أسيرة تحت سلطة السلاح.. لا تدري أي سلاح بالضبط لكنه موجه نحو صدرك وحلمك بأحقية اقتلاعك من أرضك، أصدقاؤك الذين كانوا أجبن من أن تستند عليهم في أول الدرب وتركوك لكل ما هب في وجهك عاصفًا تصنف خياراتك وأفكارك وحيدًا، وأولئك الذين كانوا أجبن من أن يشاركوك الحرية بصوت مرتفع، فكان صوتك الوحيد ظاهرًا وواضحًا ومحروسًا بقدرة قادر! .. الطريقة التي رتبت فيها أولويات الوجع وشخوصه عندما كان الدرب هينًا جدًا ومحدودًا جدًا، لا داعي أن تفكر كثيرًا هي ميتة واحدة في سبيل واحد وإيمان واحد، كان هذا قبل أن يمر زمان القحط الطويل هذا، قبل أن تختنق بكل براميل الموت والكذب والإدعاء، قبل أن يصبح موتك مسببًا ومبررًا لتفكر ألف مرة، هل تغيّر الطريق حقًا أم أنني تائه وحسب؟
رغم كل الرومانسية المفرطة التي تعاملنا بها بادئ الأمر، والتي كبرت معنا منذ كنا صغارًا ونضجت اليوم كفكرة عظيمة مضيئة حقيقية رغم كل هذا الزيف، الثورة التي لا يمكن لنا أن نحيد عنها بعد أن صنعت منا هذا الشخص الذي لا يعرف أن يتبع أحدًا سوى إيمانه، الإيمان الذي أبقانا على قيد الكرامة طوال هذه السنين، الفكرة وحسب بأن التعب الذي يمسنا منها يدفعنا للهرب وقد يظن البعض أن هذا الهرب هو أصل التخلي عنها، لكنه في الحقيقة هرب من أنفسنا الحالمة إلى الأنفس البناءة التي تسعى لتغيرَ شيئًا على الأرض لا التي تتباكى على الأطلال ثم تغفو من جديد! .. الأنفس التي كانت صغيرة جدًا في بداية الحلم ولم تجد مركبًا ينقلها إلى الدرب بكامل اندفاعها، لكنها اليوم صنعت فُلكًا جديدًا يليق بهذا الحلم متوازنًا أكثر.. مسؤولًا أكثر.. حقيقيًا أكثر.. لا يشوبه تزييف ولا كذب .. أي أننا في توازن الأمر كي لا نكرر سقطاتنا واحدة تلو الأخرى، كي لا يصير ماضينا قليل الخبرة هو حاضرنا وغدنا، كي نخلق فرصاً جديدة بإمكانيات يمكن صنعها في هذه السنوات التي مرت وتمر دون أن نتباكى لألف يوم آخر، علينا أن لا ننسى ثأرنا الماضي ولا قسوة الذي مرّ، علينا أن لا نُضيع وجوه الشهداء والغائبين الحالمين، لكن نحن في معركة كسب ذواتنا اليوم فإما أن نكون على قدرها أمام كل هذه الرِماح الموجهة نحونا، أو نبقى محصورين في أماكننا الضيقة نوجه أنظارنا للماضي نعيد رسم يومنا بذات الطريقة وننتظر مستقبلاً مخالفاً .. وهذا والله أسوأ ما قد نفعله كثائرين!

ستسقط كل الوجوه التي ركبت على الثورة كما سقطت أعتى الديكتاتوريات والواجهات التي ادعت صلاحها وحكمتها وخيرها على مر سنين الصمت والقمع، سيسقط كل شيء وتبقى الفكرة الأصل أننا باقون هنا ولأحلامنا بقية ولا فناء لثائر ولا نهاية لثورة مهما طال الأمد فلنكن على قدر إيماننا بما يليق بها!

في ذكرى المجزرة..هل تحولنا إلى مجرمين حقًا؟

في العودة إلى البداية عندما انقسم المجتمع السوري إلى شريحتين، المؤيد والمعارض، كانت الغاية انحصار الكيان الثوري على تقديم أبلغ الصور والتوجهات السلمية لعرض الثورة كسبيل للتغيير والعدالة في الوطن المُبتغى، تحت مظلة واحدة وكيان مشترك يجمعنا جميعًا بكلا التوجهين المدنيين، لكن حينها مارست قيادة الطرف الأخر بسطوة النظام وأسلحته وهمجيته جميع الأساليب الممكنة لإخراس الصوت، من الاعتقال والخطف والتعذيب وصولًا إلى الموت. الفئة الأكبر من المؤيدين كانت تتعامل معنا لا كوننا طرف آخر، بل كعدو آخر.. جميعنا مُورس عليه الإرهاب المصغر من أقربائنا وأصدقائنا، وجميعنا حاولنا تحاشيه كي نحافظ على كياننا الهاتف “الشعب السوري واحد”.  يأتي السؤال الحقيقي هنا.. هل كان الشعب السوري منذ ذلك الوقت وحتى الآن واحدًا فعلًا؟.. بالطبع لا.. كل الصور والأحداث والتبعات التي أنتجتها الثورة أكدت أننا لم نكن يومًا كذلك، وبعضنا فقط من أدرك أن الحقيقة أوسع من فكرة طائفة أو دين أو ثورة، الأمر نابع من أشخاص عاديين عاشوا بيننا ومعنا وقتًا طويلًا، وتحولوا إلى مسوخ ينتظرون موتنا، أو يطلبونه أو يرموننا نحوه، سواء كانوا جبناء أو مستفيدين، لكنهم في الحالتين كانوا حاقدين جدًا..

في كل مرة توضع الثورة أمام خيار إثبات فضيلتها كانت تنجح، عند كل مجزرة تدك مناطق النظام كانت أصوات المعارضين الرافضين أعلى من أصوات المؤيدين النادبين، كنت تجد الرفض والشجب والاستنكار يفوق أي ردة فعل تخبرهم أن هذا الأمر يقع في نصف الكرة الأخرى، النصف الذي يهبط الموت عليكم منه كل يوم وكل ليلة، ورغم ذلك كانت المشاعر الثورية تقف خجلة أمام الظلم، وهي تعرف أن الموت لا يجب أن يسقط بين الجميع وأن هناك حتمًا مدنيين لا يستحقون الموت وأن أخلاقنا الثورية لم تخرج لهذا، المناطق المحررة تضم في غالبيتها النسبة الأكبر من المدنيين كانت تُدّك يوميًا بمئات البراميل ولم يصدر صوت شجب واحد من أهالي المناطق التي تقع تحت سلطة الأسد، بعض الأشخاص يقفون في الحياد المميت هناك لخوف أو رهبة أو لا مبالاة، لكنك تسمع صوت الشامت والناقم والمستهزئ يعلو على جثثنا دائمًا، كان الأمر جليًا في كل المجازر التي سميناها والتي لم نسمها، آخرها كان في مجزرة خان شيخون..

وتزامنًا معها بعد قرار المدن الأربع الذي تم على إثره استبدال أهل الأرض بغير أهلها، حدث تفجير أودى بحياة أطفال ومدنيين وأفراد تابعين لجيش الأسد أثناء إتمام الاتفاق، كان إعلاميو الثورة وثوارها على مقربة من المشهد لكنهم لم يكتفوا بدور المتفرج أو الشامت، الجميع اتجه لينقذ الضحايا، الكثير من المسعفون في الدفاع المدني الذي يعتبره النظام ومؤيدوه جزءًا من منظومة المستحقين للموت اتجهوا لإنقاذ الضحايا، أحد المسعفين كان يمسح جراح طفل صغير فسأله الطفل: “عمو أنتو بتدبحوا بس ما رح تدبحونا ما هيك؟”.. المسعف الذي لا يزال أثر غاز خان شيخون في حلقه مختنقًا تحدث عن ذلك قائلًا: “لربما ضمدت جرح من سيأتي ليقتلني غدًا”..

نحن كنا هكذا أمام كل اختبارات الثورة الحقيقية تتفوق أخلاقنا عليهم، سواء في محافل إثبات الفرق بين الجزار والمدني والفصل بينهما، أو في تبرير كافة المشاهد والتصورات التي يقوم بها بعض القاطنين تحت سلطته، كنا نضمد جرح قاتلنا ونحمله بعيدًا عن الموت، ندعو له بالنجاة، نربت على مواجعه إن لمسناها.. وفي الطرف المقابل يربي هذا الأخير ابنه أن كيف سيقتلنا عندما يكبر، وكيف سيوجه نصل سكينه إلى صدورنا كي لا نهتف مرة أخرى “يسقط الأسد” وربما كان يفعل ذلك قبل أن نهتف بهذا أصلًا.. كل ذلك الموت العظيم، كل الحكايات التي ضغطت علينا لتجعل منا مسوخًا كانت تبوء بالفشل.. لكن حتى نكون صادقين تمامًا كثير منا تشوه الإنسان داخله، وكثير منا أصبح يعاصر الحقد ويعيشه على أنه الشعور الأكثر أحقية له أمام كل الذي حدث له وكل ما سيحدث.. لم يعد من الممكن أن تتقبل علَمًا للطرف الآخر في أرضك تمامًا كما يعتبر الآخر رايتك كفرًا أكبر، لم يعد من الممكن أن تدخل في نقاش مع شخص بالنسبة لك منذ البداية باطل وربما يكون مشاركًا بالدم الذي نزفته حتى.. بعد أن تأكدت أن القاتل وتابعه موقِنان بضرورة موتك ليتابعوا حياتهم، بينما كنت تبحث أنت دائمًا عن جدوى لحياة مشتركة لكما معًا في وطن واحد. أخيرًا ستوقن أن هذا الوطن لن يكون واحدًا يومًا وأن الست سنوات المنصرمة أثبتت بالدم والظلم والنار أن لا حق يجمع القتلى مع الجرحى والشهداء تحت سماء واحدة..

هل حولتنا الثورة إلى وحوش؟ أم أننا لم نستطع أن نحافظ على إنسانيتنا بشكل تام أمام كل هذا الكم من الحقد والموت المصبوب علينا؟ هل يقيننا أننا وحدنا وأن الحق هو أن يكون الطريق والسبيل عالمًا لا يشاركنا به أولئك الذين عاشوا على موتنا حياة زاهدة قابلين بفتاتها على أن نشاركهم بعضها هو الصواب؟!..

في الحقيقة نحن لسنا وحوشًا لكننا متخمون بالجراح والصبر وفي قاموسنا الثوري لا مغفرة لقاتل..

أن تجدّف غارقًا..

افتح مغاوير قلبك المغلقة، ومارس سخطك بصوت مرتفع، جراحُك التي تفتحها أصغر الأشياء التي تحدث حولك، صور قديمة لمدينتك بعد أن أصبحت باهتة جدًا، الماضي الممتلئ بصور الغائبين، الحياة الحقيقية حولك والتي تعد في الحقيقة قطعة من حجر جهنم لا تنفك عن محاولة ابتلاعه صبرًا واحتسابًا بعد أن كنت تأمل برميه في وادٍ سحيق عندما كنت تفكر بالهرب.. الآن أنت تخاف الخارج..

لماذا أتحدث بصيغة المخاطب؟

أنا من أخاف الخارج يا أبي، أنا التي لا أعرف إن كنت قادرة على المشي مرة أخرى بلا تعثر، أخاف إن جازفت بالخروج كما كنت أريد سابقًا..  أن أسقط، كما كنتُ أسقط بخطواتي المبكرة جدًا عندما كنتَ تمسك بيدي وتبتسم لي، لقد سقطت كثيرًا في الفترة الأخيرة لكني دائمًا ما سقطت وحدي، كانت يدك بعيدة جدًا، وكنتُ أنا مزروعة في الغياب كوردة تذبل رغم أنها تحمي جذورها جيدًا، كنتم تربة الأرض التي حاولت حمايتي، لكن لا ماء يسقيني هاهنا، لذلك جففت سريعًا وربما مت، أعلم أنني لا زلت أبتسم..  في النهاية الموت لا يعني أن يكف الشخص عن خلق فرص عيش له كالأشخاص العاديين، إنه فكرة منفصلة، مثل أن أحبك بصمت دائمًا، كأنك تسمعني.. مثل أن ينفرط قلبي في جوفي لألف قطعة وأعجز عن لملمتها بينما يظن الناس أن الصوت الذي صدر عن ذلك محض شيء عابر في الخارج.. كل الحكايات التي تتضخم لتصير جزءًا من كوابيسي هي قبور في الذاكرة، كنتُ أظن نفسي ذكية عندما استحدثتها هناك، باتت القبور ظلامًا ضخمًا يبتلعني كلما مر وقت أطول..

الليل في دمشق.. أو لنتحدث عن كل الطرق التي أسلكها عائدة نحو دمشق وتبدو مبللة، الدمع الذي أعجز عن استحضاره في حياتي اليومية، يغرق دروبي العائدة نحوها دائمًا، أمشي داخلها بينما تبادلني هي ذات البرود المخيف الذي تمارسه عليَّ هذه المدينة، فأصغر فيها كطفلة تربكها الخطوات دون يد أمها، في تلك الزاوية التي كنت أفضلها في شوراع دمشق القديمة، حيث يقف بائع اللوحات مقابلًا لها، هناك في العتمة أكمل منامي مرتجفة، عندما أعرف تمامًا أن أغلب الأشياء في عقلي محض وهم، وهم بكل ما كنت أحبه قبل هذا العصر، ووهم آخر يجعلني أكرر تأجيل كل ما أرغب بفعله لحياة أخرى، الحياة التي لا يعرفها أحد سواي..

في دمشق تعرف أن الحب هو أقدس الأشياء التي ستعيشها هناك، وما إن تحمل معك قلبًا دمشقيًا في حقيبة سفرك، ستعرف أنك ستبقى تائهًا فيه ودونها للأبد، بينما تبحث عن الشوارع التي لم تمشِ بها يومًا لتتخيلها في محولة معافاة روحك الهشة… بينما تبقى تعزي نفسك بعودة.. أخيرًا يا عزيزي أنت لن تقع بالحب بشكله التام والمكتمل… هناك شيء ناقص دومًا ستثق أنك لن تحب دونها قط..

دمشق المنزل الذي هُدّم فوق رأسك ولا تزال تصنع من حجارته الصغيرة خيمة!

أنا صاحبة الذاكرة المريضة، التي تنقلت بين محطات هذا العالم ما بين ثورة .. وموت .. نزوح .. فهجرة ثم عجز عظيم لا ينفك يحطم كل ما أحاول تجاوزه ويعيدني لنقطة الصفر دومًا، أنا التي لم أعش ربع حياة قبل الثورة، ثم عندما حاولت العيش أغرقتني الخطايا وسحبتني موجة الحرية معها حيث ذهبت، لم أكن كبيرة حينها سبعة عشرَ عامًا لن تكون كافية لترسم صورة كاملة عن أحلام فتاة أو رغباتها أو حتى عن الفتاة نفسها، لكني اليوم وكلما أطلت حياة عادية ورتيبة جدًا حولي لآخرين أتساءل كيف كنت أعيش قبل هذا؟ هل كنت أملك وسطًا مشابهًا وعائلة وأصدقاء وروحًا فعلًا؟.   في الحقيقة يا أبي لقد أصبحنا مشوهين أكثر من اللازم، نحن نسينا كيف كانت الحياة ولا نعرف كيف سنعيش الحياة التي قد تكون لنا لاحقًا .. حتى فرصنا بالنجاة أصبحت محض كذبة.. لقد غارَ البحر ونحن نجدّف سفينتنا في التراب فقط!

 

عندما خجلتُ من دمع أمي..

منذ ست سنين لم أعرف الشعور باختلاف هذا اليوم، لقد تغيرت علاقتي مع عائلتي كثيراً بعد الثورة، فقد أصبحت متأرجحة بين الهرب منهم أو بالعكس العيش بينهم أكثر..

في هذا اليوم من العام 2011 كنت لا أزال تحت وقع الصدمة، بين أننا دخلنا حقبة ثورية جديدة، وبين أننا لم نزل في مكاننا والمظاهرة العابرة التي رأيتها لم تكرر بعد. لكن بعد أن استقرت الثورة على الأرض متصدرة المشهد عرفت أن الأم تحولت إلى أيقونة حينذاك، هتفنا لها عندما كنا نبكي أصدقاءنا، هتفنا لها عندما حملنا نعوشهم على الأكتاف أو في القلوب، هتفنا لها عندما كانت أكثر صلابة منا، وكانت تمدنا بالصبر والقوة لنودع الشهيد برضا وغبطة .. “أم الشهيد نحنا ولادك” .. كنت أرددها كل عام على مدار خمس سنين، نحن أولادك الفقراء البعيدين المتعبين، نحن الذين دفع ابنك ثمن بقاءنا وحريتنا روحه مخلصاً، نحن الذين أحببناه ونكمل الدرب لأجله..

ورغم هذا، أعترف أنني كنت أهرب من عيونهن كما أهرب من عيني أمي، أمي التي تخاف دائماً أن تخسرني، أمي التي كانت تلحقني إلى باب المنزل كلما خرجتُ راجيةً أن لا أرتكب حمقاً يؤذيني، أمي التي لا تعرف أنني كلما كنت أخطو خطوة مجنونة لا أفكر بسواها، ولا أرى سوى عينيها حولي، ولكم شعرت بالذنب دائماً! .. في الثورة، أصبحت ابنة للكثيرات، كنت أعرف أبناءهن سابقاً، أو عرفت أبناءهن من خلالهن.. وفي كل عيد أم أقف حائرة أن كيف سأخبرهن أنني سأعوض مكانه؟، أنا التي أعرف تماماً أنهن دفعن الثمن الأكبر في انتظار فلذات أكبادهن أو في وداعهن.. أنا التي حضرت كل مشاهدهن وهنّ يمسكنّ بأيدينا المرتجفة ويخبرننا أنهن راضيات محتسبات وأن الوطن يستحق!

في كل مرة أحدثُ “أم عمار” تشعرني أنني المكسب الذي تحبه: “لا تقطعيني يا أمي من حكيك بتروحن فيكِ”، ولا أعرف كيف أشرح أنني أختنق بالدمع والحزن كلما كان فحوى حديثنا عمار وذكرياتنا .. “هادية” لم تكن تتحدث إلا أنها مشتاقة لـ “علاء”، “علاء” الذي أحببتُه أكثر من نفسي بعد أن عرفتها،  ثم رحلت منذ سنة ونيف لأنها كانت مشتاقة له، وتركتنا وحدنا هنا.. “أم مصطفى” الأم التي عرفتها في الريف تحمل الطعام لابنها المطلوب والمصاب في البساتين كل يوم، وتهرب من مراقبة النظام هامسة لي: “أنا بضيّع بلد لك بنتي، المهم ابني يضل سالم هونيك وما يمسكوه بايدهم، بروح حافية لعندو بس ما يمسّوا ولاد هالكلب” .. فقدت الاتصال بها بعد أن خرجنا من منزلنا..  “غالية” التي أثبتت أنها أمنا جميعاً في وداعها لـ “خالد” عندما كتبت ترثيه: “شهيد، صار اسمك شهيد يا روحي؟”، في الوقت الذي كنا نخصُ قلبها بالدعوات ليربط الله عليه جبراً.. “غدير” الأم التي تنتظر زوجها ليعود من أسر طويل، والتي تضعنا معها دائماً على ضفة الانتظار. “أم أحمد” التي بقيت تترقب عودة ابنها من خدمته الإلزامية التي امتدت ثورة كاملة حتى اللحظة ولا تعرف عنه شيئاً. “أم غياث” التي تحتسب صبراً ابنها الشهيد، وتنتظر ابنيّها المغيبين في العتمة.  “أم محمد” التي فقدت ابنيها أحدهما في إعدام ميداني على الحاجز، والآخر في أرض الغوطة.. ووالدة صديقتي التي دفعتها دفعاً لتخرج من دمشق كي لا تراها في المعتقل ثانية وتركض من فرع لآخر كالمجانين ..

كثيرات هن، ونحن قلة أمامهن، الأم التي تنتظر ابنها، والتي تودع ابنها، الزوجة التي تحفظ أبناءها وهي تدعو الله أن يرد أباهم، أو أن يعينها على ممارسة دور الأب في غيابه.. سوريا التي غصت بكل أولئك المكلومات والثكالى، والتي تحتفل كل عام بأنها قامت على الأسد، لأن هناك حقاً واحداً في هذه الحياة، النسوة اللواتي كن عماد الثورة منذ البدء، فاحتملن شقاء الموت والتهجير والانتظار، النسوة اللواتي خرجن في المظاهرات يشددن من عزم الرجال.  الفتاة الأولى في دمشق التي سماها الكثيرون “أخت الرجال” عندما أطلقت الصرخة الأولى في الحميدية، حيث همس أحدهم خلف الكاميرا قائلاً: “فيها نخوة أكتر منا”، مروة كانت أماً عندما هتفت هناك!.

كان علي أنا أفكر بما هو أكثر اتساعاً من الكلمة ليناسبني عندما هتفت  “أم الشهيد نحنا ولادك”، قبل أن أحتضن هالة وهادية ووالدة غياث والكثيرات في قلبي .. وقبل أن أحدثهن وأفتقدهن كما أفتقد وجوه أبناءهن في حياتي، كان علي أن أكون أكثر توازناً عندما جربت مواساة جارتنا التي ساندتني عندما انهرت أمامها باكية وهي تربت علي كتفي وتقول لي: “افرحي يا أمي شفتي وش من الجنة لك انبسطي وزغرديلو ما بيستاهل الدموع”..

حسناً هل كان هذا الحديث مقدمة كافيةً لأخبرك أنتِ بكل هذا الوجع الذي أحمله وثقل الذاكرة التي حفِظت أسماءاً ووجوهاً لا تعدُ من القهر، أنني ابنتك كما أنا دوماً؟!، حتى عندما أصبح ينقصني في هذا العالم اقتراب وجه ذاك الذي أحبه، والوجه الذي كنت أرى العالم من خلاله، الوجه الذي وقعت صورته في قلبي، وعجنته المسافة والركام وكل شيء على هيئة صورة منسية على جدار ذاكرتي بابتسامته الهادئة التي تحمل شريطاً أسوداً على جانبها الأيسر!؟، عندما رحل وتركني عاشقة ثكلى بعد فراقه..

منذ تلك الثورة ومعايدة والدتي في هذا اليوم مربكة، وأنا أجمع عيونهن جميعهن في عقلي وأسمع نحيبهن ومرارة الذكرى كأنها خلقت اليوم أو لهذا اليوم وحسب. أنا أسفة يا أمي.. بات لي ألف أم تبكي في هذا العالم، وقلبي يبكي معهن جميعاً، وأنا أتخيل أحد أبنائهن يغني: “وأخجل إن متُ من دمع أمي!”..

ألهذا لا تبكي الأم شهيدها يا أمي؟!، كي لا يشعر بالحرج؟!..

….

C7ZWfUiVwAAf-PU.jpg

ثورة اليتامى/ حرية بريس

سألني صديقي منذ أيام ماذا يمكننا أن نطلق على الثورة السورية اسماً يناسبها في العام المنصرم؟ كان السؤال مفاجئاً بالنسبة لي، لكنني أجبته: “فينا نقول عنها ثورة اليتامى؟”. وحده صديقي يفهم معنى اليتم الذي أقصده، لقد كنا نعيشه معاً أثناء تهجير حلب الأخير، وعايشناه أيضاً مع الكثير من الانكسارات التي رافقت الثورة في العام الماضي. عن نفسي لازلت أشعر بقصم الظهر واليُتم مع كل حدث جديد يطال الثورة، من الاعتداء عليها، حتى محاولة تشويهها، فالاغتراب، والموت وإلخ …..

في العام الجديد، أو كما يجب أن يقال “في ميلاد الثورة الجديد”، عند ذاكرتنا التي يرغب كل واحد فينا أن يتيبس فيها للأبد فلا يصل إلى هذا المكان العابث بعد ست سنوات من ولادتها، وولادتنا، وولادة كل هذا الألم .. استمرار الثورة كل هذا الوقت بالطبع لا يدل على خيبتها ولا على خسارتها تماماً، بل على صمودها وصمود أبنائها أمام كل هذه الآليات العتيدة التي تسعى لكسرها، استمرارها كل هذا الوقت يعني تكاثف الموت، ازدياده، وتوسع هوة اليأس في قلوب الكثيرين ..

منذ ست سنوات كانت مخافة الخروج على النظام موازية لمشهد الأمن الذي يرفع قدمه فوق رأس أحد الشباب السوري وهو يهتف به: “عم تطلع عن النظام ولاك؟، بدكن حرية؟”. الفيديو الذي انتشر صداه لاحقاً، بعد تبلور الثورة كمفهوم وضرورة وملاذ أمام كل هذا البطش الذي نخشاه ونهرب منه.. والآن مع حقيقة تتابع عملية الدهس والقتل والتدمير والتهجير أنا أقطن منفى لا يشبه البلاد التي أحبها، ولست أدري حقاً إن كان هذا الخيار خياري أم أنه كان تبعاً للموجة الثقيلة التي حُملنا على إثرها بعيداً، وبعيداً جداً .. فعندما أفكر لماذا وصلنا إلى هنا أجد ألف سبب لذلك، ليس فقط أننا كنا نقاتل أسداً واحداً، ونحن اليوم في ساحة حرب لا نتمكن من عدّ أسودها الذين يتحينون الفرص للانقضاض علينا، بل عندما أعود بذاكرتي للبداية، عندما كان الوقت ضيقاً ومليئاً بروحنا الثورية الشابة في مواجهة نظام حكم سفاح.. حينها لم يكن على عمار أن يترك جامعته ويلتحق بالحراك الريفي وحده قائلاً أن الجامعة تنتظره حتى يعود أما الوطن فهو في أمس الحاجة إليه الآن ولن يخذله، ثم يستشهد باسمه. كان على ماهر أن لا يختفي بعد اعتقاله الثاني كل ذلك الوقت وتنقطع أخباره كلياً عنا، ويمر على خطيبته شهر وعام دون أن تعرف عنه شيئاً .. ما كان على العم أبو أحمد أن يستشهد بكل تلك الشظايا التي سكنت جسده، والتي استقرت إحداها في رأسه وبقي ينزف حتى الموت، فقط لأن حاجز الجيش منعه من الخروج للمستشفى أثناء الحظر المعتاد، ربما لم يكن على ذلك الحاجز أن يهدد بناته وزوجته بالاعتقال إن بقين يترجينه السماح لهن بالعبور، قد يبدو الأمر أكثر هوناً لاحقاً بعد أن لطخ دم أبيهن وجوههن فلم يتمكنّ من مسحه رغم مرور كل تلك الأيام وحتى بعد أن بقي قبره وحيداً في المدينة حتى جفَّ ترابه..

كل هذا كان داعياً لأن نصل إلى هنا!

استشهاد الشيخ الكبير في المدينة إعداماً أمام بناته فقط لأنه وقف مع الحق ضد النظام، ولأن الأحقاد أحاطت به بعد أن فض النزاع القائم بين اثنين في بداية الحراك المسلح أحدهما يريد السرقة والأخر يريد أن يحمي ثورة طاهرة، ووصل به الأمر في النهاية لأن يحاكم كل من يخرج عن أمرة السلاح المقامة تحت بند العقل والحاجة.. لماذا قتلت ريماس في طريق عودتها من الكنيسة ليلة العيد؟ لماذا أخطأتني رصاصة القناص؟ لماذا سقطت القذيفة بعيداً عنا، لماذا؟. لماذا!! …. ألف لماذا نستطيع إسقاطها هنا دون أن نحصل على جواب واحد، ليسأل أحدنا ما الذنب الذي ارتكبناه لنغرق بكل هذا الدم؟، لماذا دفعنا كل تلك التضحيات حتى اليوم؟، قد يكون ذلك لندافع عنها ضد من يأتي ليقول أن الثورة كانت حراكاً مسلحاً وحسب، وأن الشعب شارك النظام فساده وبطشه. لنفهم أنفسنا كلما أتى آذار وأثقلنا الحنين لتلك الأيام التي عرفنا فيها الحق مكتملاً، وأحببنا الأخضر وآمنا به، ودفعنا لأجله عمراً كاملاً أقل ما يقال عنه اليوم، أنه ربع أو خُمس عمرنا. هذا عامنا السادس ولأن أقلنا من بقي على إيمانه الأول بها، ولأننا لم نزل نخجل من ضحكات الشهداء، ولأننا لم نزل على الضفة الأخرى ننتظر آلاف المعتقلين خلف قضبان الموت بكل أمل أن يعودوا، لأنها حق وحق نؤمن به مهما أنهكنا الأمر، سنبقى نصارع من يحاول إخراس صوتها للأبد، هي حرية للأبد وثورة ليسقط الأسد وكل من شابهه .. كل من شابهه!

ثورة اليتامى..

باسمها نجدد القسم ..

لا أطمح أن أبدو بطلة وأنا أتحدث عن الخطوة الأولى التي مشى بها غيري بينما كنت أمارس طيشي الحياتي في مكان ما، لست مجبرة أن أسرد على مسامع الأخرين حكايتي، لربما لم يكن لدي حكاية في الأصل، أو لربما كانت أكثر تواضعاً من أن تُروى، لكنها بالنسبة لكل منا أصل الحياة، إذن ما هي الحكاية؟!

أنا مهووسة بالأرقام، مهووسة لدرجة تجعلني أحمل على ظهري كل هذا العمر الذي كبرته في الثورة على أنه عمري الوحيد، رغم أنني لم أخطُ أول الدرب يقيناً، ورغم أنني تأخرت عن الركب، لكني أعرف تماماً أنني ركضت إليه بكُلي متى أتم عمره وحقيقته في روحي.. ست سنين أصبح عمري، وما عادت حكايات العالم تغريني بالاستماع كثيراً، لم يتبقَ من العمر ما يكفي لأجادل الناس وأخالفهم وأحدثهم عن ما أفكر وأؤمن به، لا أمتلك وقتاً يجعلني أقضي عمري المتبقي بعيداً عن الحلم الذي آمنت به منذ أن آمنت بحق تلك الأرض بصوت عالٍ، منذ أن عرفت أن الحق ليس ما تم تلقينه لنا في المدارس، بل الحق هو ذلك الذي تحاشى الجميع الحديث عنه ذات يوم..

كل هذا الدم الذي سفك، وكل الحكايات التي ركبت واستغلت المشهد الأوحد الذي أحببناه، وكل الطرق التي شعرنا بانقطاع أنفاسنا متى وصلنا لآخرها، وكل الأضواء المتهالكة التي لم نجدها في آخر النفق، وكل النهايات التي جعلتنا ننتحب بعد أن فقدنا الكثير ممن نحبهم، كل هذه الأسباب لا تعني أن ما قمنا به باطل ..

أو أننا قد يحق لنا اليأس فقط لأننا بقينا على قيد الحياة هاهنا ولم نشارك الراحلين طريق السماء، يكفي أننا صرخنا في شوارع تلك البلاد التي خنقها البعث أربعين عاماً باسم الحرية والوطن والكرامة، يكفي أن تلك البلاد لن تموت تحت وطأة الظلم والخوف مجدداً. يكفي أننا لن نضطر لإحكام إغلاق النوافذ والاحتياط من جدران منازلنا عندما سنروي لأطفالنا حكاية الثورة، لا كما حدثنا أهلُنا عن الثمانينات، لقد كسرنا رأس الطاغوت الأكبر، وكسرنا الرهبة من كل الطواغيت، تعلمنا أن كلمة “لا” ليست كفراً، بل حقاً!..

نحن نضجنا على قَسَمِ الثورة، وأمنا بكل ما أبلغتنا به، وعرفنا أن درب الشهيد لا يشوّبه ظلم ولا ظلام، وأننا إن انتابنا اليأس يوماً فكي نتمسك بأمل الثورة، كي نعمل لأجل المحرومين تحت ظلها من الحياة، كي نتحدث عن حقيقتها وطهرها، كي نحرس حلم الذين خلّف السواد في قلوبهم موتاً، لمن رحلوا، ولمن غيبهم العتم خلف سياطه!، نحن الذين عرفنا أن من يقتل شعبه خائناً ولو كان طبيباًبعيون خضر، ومدعياً التجديد بثورة اتصالات للبلاد التي يسودها شبح المخابرات وإجرامه ..

نعم، لم أكن في الخطوة الأولى، ولم أشارك بكل الخطوات، لكني أعرف أنها داخلي مكتملة تامة، لا يُنقص من حقيقتها إلا تضخم الموت على حساب الحياة، لكن هناك أمل لا يقف في آخر الطريق بل لم يزل صامداً في عيوننا نحن الذين نبكي كلما عاد بنا الدرب لتلك المظاهرة، أو رأينا صورة شهيد نحبه، أو سمعنا صوت قاشوش غنى باسمنا، تلك الأرض لنا، وإن بيعت، وإن نهبت، وإن دمرت.. لنا فيها حلم أقسم أن لا يُكسر! وهذا عهدنا وعليه نجدد القسم ..