كيف تصافح الموت في الغربة!

يأتي عادة خبر الموت المفجع في هذه البلاد على شكل صدمة خرساء، تتبادلها مع أهلك بينما يحاول كل منكم تخبأة ما يفكر به وحده، صباح أمس أيقظتني أمي من كابوسي الذي يأتي إلي كل يوم بحلة جديدة وقبل أن أفرح بذلك أخبرتني بأنه “مشي الحال” توفيت، تفاجأت كأني لم أكن أحاول تهيئة قلبي منذ أول سنة في الغربة على هذا الأمر، كأني أريد أن تبقى كل الأشياء والأشخاص وحتى أعمار من فارقتهم كما هي في مكانها، جامدة في ذات النقطة التي ودعتهم فيها، بقيت سنين عمرهم السريعة تصدمني وكأني لم أكن أكبر هنا، وكأني لم أتجاوز العشرين بثلاث مراحل وأنتظر الرابعة وما خرجت من هناك إلا ابنة تسعة عشر، لكن حقيقة حتى لو كنتُ على يقين أنني سأفقدهم تباعًا فقد كان الأمر ثقيلًا كما كل مرة .. فقد أصبحت المدينة التي أحبها مليئة بالنعوات وبقبورهم المتفرقة على امتداد البلاد أو المنافي..

ليست الغربة أنك غادرت مدينتك وحسب، ولا أنك تقطن في منفى أقل ما يوصف بأنه موتك الحتمي الذي لم تعرف كيف تفِر منه حتى عندما أسقطك في الهاوية، الغربة كانت تلك الوداعات التي أطلقتها سريعًا وأنت تسافر مع الريح متعبًا ومجبرًا تلوح بيدك للمدينة وأهلها تعِدُهم بعودة قريبة، ثم تمر بك السنين في مكان واحد تحت نافذة مشرّعة على الريح تسرق منك عمرًا وأحلامًا أو ما يزيد..

الجميع على حافة الموت هناك، عقلي لا يصدق أنه سيعود يومًا إلى هناك ولا يجدهم، هناك حقيقة أخرى لا يصدقها عقلي “أنني لن أعود أصلًا” لا يهم، مؤخرًا لم يعد يعنيني شيء بالفعل حاولت التمسك بقشة النجاة الأخيرة وفشلت، مثل كل محاولات السنين الماضية، الآن أحاول تقبل فكرة أن أدفن في مقبرة أخرى غير مقبرة الشيخ محي الدين التي لطالما شعرت أنها جزء مني منذ ضمت جسد أسامة وجدتي وجدي وآخرين، ومنذ كانت صباح كل الأعياد في دمشق.. الآن أشعر أن جسدي متناثر على شكل شظايا متفرقة كما عائلتنا الواحدة التي أصبحت في كل منافي العالم، في كل بلد توجد مني قطعة، يجمعنا اسم وصوت أحيانًا وقلمّا تجمعنا صورة واحدة أو يد تتمكن من احتضان الشوق لحصر المسافة بيننا. كثيرًا ما يراودني شعور بأني أتوهم لا يمكن أن يكون العالم دنيئًا لتصبح كل تلك الوجوه التي اعتدتها جزءًا من يومي مجرد شاشة الكترونية في هاتفي، ثم أتذكر لقد مر وقت طويل بما يكفي لأتجاوز هذا الشعور .. يجب علي ذلك!

أنا هنا .. في هذا المكان .. الذي لا فرصة لدي لأحبه وأعلم يقينًا أنه لن يحبني قط .. لكني بكامل السلام والرضا أبادله كرهي صامتةً.. وأتابع ما يتعلق ببلادي بكل موتها وخرابها وحزنها .. وأحبها أكثر ..

من هذا المنفى .. من هذا الموت الحتمي .. هنا دمشق حيث أسماء الراحلين في قلبي .. حيثما شوقهم.. أودعهم وأكتب النعوات.. أقيم مجالس التعزية ثم أعزي روحي وصورهم داخلي وأشكر سعيّ، أخيرًا أغلق رأسي على كل هذا وأحاول النوم مكرهة!

Advertisements

خرجت ولم تعد..

يغلقُ أحدهم القضبان بمئة جنزير ومفتاح وقفل .. كأن الروح التي تقف خلفه تبدو قادرة على الهرب أو حتى محاولة تجاوز كل أولئك القتلة المؤقتين لتنجو ..

في الحقيقة لا يبدو أنها راغبة بالنجاة ..

خارج القضبان تبدو الحياة مألوفة .. حياة طبيعية جدًا .. يشتري الناس حاجياتهم .. يبيع آخرون .. يلعب الأطفال في أغلب حارات المدينة .. يتجادل سائق التاكسي مع الركاب .. يحكي الحلاق حكاية الخاتم العجيب في فم السمكة للمرة المليون .. تسير امرأة حامل في الطريق فيساعدها أحد الرجال في جرّ عربة ابنها .. تسمع صوتًا حادًا يطلقه أحد الأطفال المتذمرين داخل الحديقة في وجه أمه التي تخبره أن الوقت قد انتهى .. الأطفال جميعهم لا يفهمون لعبة الزمن مبكرًا ..
كانت طفلة ذات يوم .. وكانت لا تعرف عن الزمن شيئًا .. خلف هذه القضبان الباردة تعلمت أن تنسى ذلك الذي يسمى وقتًا كي يكف عن حرقها كلما مر .. حاولت أن تعود طفلة .. طفلة لا تدرك من زمنها شيئًا .. لكنَّ وجعًا ما .. وجع لم ولن يبرأ في جسدها يذكرها في كل مرة أنها تجاوزت ذلك الوقت .. أنها كبرت أكثر من اللازم .. وأن الساعات ستبقى سجنها حتى وإن رأت السماء مجددًا ..

تغفو ..

تبقى أصوات الأقدام في الخارج تدق ناقوس الخطر فوق رأسها .. هنا تعلمت أن تلعب لعبة الاكتشاف مع تلك الأصوات، هذا رجل غاضب يحاول تجاوز زوجته .. وهذه خطى زوجته الصغيرة المتململة .. هذا طفل يمشي حديثًا وأمه تركض خلفه كي لا تسرقه سيارة مسرعة … هذه خطوات عاشقَين يبدو أنهما يمتلكان وقتًا كافيًا للحب وعمرًا يكفي ليسيرا في كل شوارع الشام معًا … تذكرت أنها ذات يوم امتلكت مثل هذا الوقت معه، قبل أن تبتلعهما العتمة …      هي لا تدري إن كانت تسمع الأصوات حقًا أم أنها تهذي.. لكنها تعلم جيدًا أن هذه اللعبة أنقذتها من خطر الوقت وحسابه .. تُكمل حديثها مع نفسها .. تُحصي السيارات المارة فوقها .. كيف يمكن أن تكون الحياة جحيمًا وجنة في ذات البقعة يفصلهما خط أرض واحدة إلى هذه الدرجة؟!
يدخل السجان يوقظها من نومها .. تذهب للتحقيق .. ثم تعود .. هي لا تعود كاملة كانت تدرك أنها بعد كل رحلة تحقيق وتعذيب تمر بها تنقص جزءًا .. هكذا حتى تنتهي كلها هذا ما تعزي نفسها به دائمًا عندما تسخر من مصيرها: “وزني مو كتير كبير .. هانت لاخلص” .. ثم يعود لها ذلك الوجع في موضع ما .. في حرقة ما .. يفتح داخل روحها موتًا أحمرًا وهي على قيد الحياة ..
هذا السجن كان الفاصل الوحيد بينها .. وبين حلمها .. روحها .. صورته الجميلة في عينيها … صورتهما معًا .. عائلتها .. مستقبلها .. أخيها الصغير الذي أراد أن يصبح خالًا لأبنائها منذ كان في الخامسة من عمره .. بينها وبين آخر الأمنيات في حياتها أن ترى السماء للمرة الأخيرة كما أحبتها دائمًا .. قد يجبرُ هذا المشهد كل أيام العذاب التي مرت بها… هكذا تتخيل!
تغفو مجددًا .. يدخل السجان بعد ساعتين .. يناديها .. يركلها .. يرش الماء البارد عليها .. كانت قد اتخذت قرارها في أن تكسر هذه القضبان .. خرجت بروحها نحو ذلك العالم الذي لم يعد يعرفها والذي لم ينتبه لغيابها يومًا  .. خرجت لترى إن كانت الحياة تبدو مُنصفة بين جحيمها وجنتهم .. خرجت ولم تعد .. ولن تفعل!

في ذكرى المجزرة..هل تحولنا إلى مجرمين حقًا؟

في العودة إلى البداية عندما انقسم المجتمع السوري إلى شريحتين، المؤيد والمعارض، كانت الغاية انحصار الكيان الثوري على تقديم أبلغ الصور والتوجهات السلمية لعرض الثورة كسبيل للتغيير والعدالة في الوطن المُبتغى، تحت مظلة واحدة وكيان مشترك يجمعنا جميعًا بكلا التوجهين المدنيين، لكن حينها مارست قيادة الطرف الأخر بسطوة النظام وأسلحته وهمجيته جميع الأساليب الممكنة لإخراس الصوت، من الاعتقال والخطف والتعذيب وصولًا إلى الموت. الفئة الأكبر من المؤيدين كانت تتعامل معنا لا كوننا طرف آخر، بل كعدو آخر.. جميعنا مُورس عليه الإرهاب المصغر من أقربائنا وأصدقائنا، وجميعنا حاولنا تحاشيه كي نحافظ على كياننا الهاتف “الشعب السوري واحد”.  يأتي السؤال الحقيقي هنا.. هل كان الشعب السوري منذ ذلك الوقت وحتى الآن واحدًا فعلًا؟.. بالطبع لا.. كل الصور والأحداث والتبعات التي أنتجتها الثورة أكدت أننا لم نكن يومًا كذلك، وبعضنا فقط من أدرك أن الحقيقة أوسع من فكرة طائفة أو دين أو ثورة، الأمر نابع من أشخاص عاديين عاشوا بيننا ومعنا وقتًا طويلًا، وتحولوا إلى مسوخ ينتظرون موتنا، أو يطلبونه أو يرموننا نحوه، سواء كانوا جبناء أو مستفيدين، لكنهم في الحالتين كانوا حاقدين جدًا..

في كل مرة توضع الثورة أمام خيار إثبات فضيلتها كانت تنجح، عند كل مجزرة تدك مناطق النظام كانت أصوات المعارضين الرافضين أعلى من أصوات المؤيدين النادبين، كنت تجد الرفض والشجب والاستنكار يفوق أي ردة فعل تخبرهم أن هذا الأمر يقع في نصف الكرة الأخرى، النصف الذي يهبط الموت عليكم منه كل يوم وكل ليلة، ورغم ذلك كانت المشاعر الثورية تقف خجلة أمام الظلم، وهي تعرف أن الموت لا يجب أن يسقط بين الجميع وأن هناك حتمًا مدنيين لا يستحقون الموت وأن أخلاقنا الثورية لم تخرج لهذا، المناطق المحررة تضم في غالبيتها النسبة الأكبر من المدنيين كانت تُدّك يوميًا بمئات البراميل ولم يصدر صوت شجب واحد من أهالي المناطق التي تقع تحت سلطة الأسد، بعض الأشخاص يقفون في الحياد المميت هناك لخوف أو رهبة أو لا مبالاة، لكنك تسمع صوت الشامت والناقم والمستهزئ يعلو على جثثنا دائمًا، كان الأمر جليًا في كل المجازر التي سميناها والتي لم نسمها، آخرها كان في مجزرة خان شيخون..

وتزامنًا معها بعد قرار المدن الأربع الذي تم على إثره استبدال أهل الأرض بغير أهلها، حدث تفجير أودى بحياة أطفال ومدنيين وأفراد تابعين لجيش الأسد أثناء إتمام الاتفاق، كان إعلاميو الثورة وثوارها على مقربة من المشهد لكنهم لم يكتفوا بدور المتفرج أو الشامت، الجميع اتجه لينقذ الضحايا، الكثير من المسعفون في الدفاع المدني الذي يعتبره النظام ومؤيدوه جزءًا من منظومة المستحقين للموت اتجهوا لإنقاذ الضحايا، أحد المسعفين كان يمسح جراح طفل صغير فسأله الطفل: “عمو أنتو بتدبحوا بس ما رح تدبحونا ما هيك؟”.. المسعف الذي لا يزال أثر غاز خان شيخون في حلقه مختنقًا تحدث عن ذلك قائلًا: “لربما ضمدت جرح من سيأتي ليقتلني غدًا”..

نحن كنا هكذا أمام كل اختبارات الثورة الحقيقية تتفوق أخلاقنا عليهم، سواء في محافل إثبات الفرق بين الجزار والمدني والفصل بينهما، أو في تبرير كافة المشاهد والتصورات التي يقوم بها بعض القاطنين تحت سلطته، كنا نضمد جرح قاتلنا ونحمله بعيدًا عن الموت، ندعو له بالنجاة، نربت على مواجعه إن لمسناها.. وفي الطرف المقابل يربي هذا الأخير ابنه أن كيف سيقتلنا عندما يكبر، وكيف سيوجه نصل سكينه إلى صدورنا كي لا نهتف مرة أخرى “يسقط الأسد” وربما كان يفعل ذلك قبل أن نهتف بهذا أصلًا.. كل ذلك الموت العظيم، كل الحكايات التي ضغطت علينا لتجعل منا مسوخًا كانت تبوء بالفشل.. لكن حتى نكون صادقين تمامًا كثير منا تشوه الإنسان داخله، وكثير منا أصبح يعاصر الحقد ويعيشه على أنه الشعور الأكثر أحقية له أمام كل الذي حدث له وكل ما سيحدث.. لم يعد من الممكن أن تتقبل علَمًا للطرف الآخر في أرضك تمامًا كما يعتبر الآخر رايتك كفرًا أكبر، لم يعد من الممكن أن تدخل في نقاش مع شخص بالنسبة لك منذ البداية باطل وربما يكون مشاركًا بالدم الذي نزفته حتى.. بعد أن تأكدت أن القاتل وتابعه موقِنان بضرورة موتك ليتابعوا حياتهم، بينما كنت تبحث أنت دائمًا عن جدوى لحياة مشتركة لكما معًا في وطن واحد. أخيرًا ستوقن أن هذا الوطن لن يكون واحدًا يومًا وأن الست سنوات المنصرمة أثبتت بالدم والظلم والنار أن لا حق يجمع القتلى مع الجرحى والشهداء تحت سماء واحدة..

هل حولتنا الثورة إلى وحوش؟ أم أننا لم نستطع أن نحافظ على إنسانيتنا بشكل تام أمام كل هذا الكم من الحقد والموت المصبوب علينا؟ هل يقيننا أننا وحدنا وأن الحق هو أن يكون الطريق والسبيل عالمًا لا يشاركنا به أولئك الذين عاشوا على موتنا حياة زاهدة قابلين بفتاتها على أن نشاركهم بعضها هو الصواب؟!..

في الحقيقة نحن لسنا وحوشًا لكننا متخمون بالجراح والصبر وفي قاموسنا الثوري لا مغفرة لقاتل..

ألف يوم آخر.. من ينسى؟

كانوا يقولون لي: “أنتِ صاحبة الذاكرة الأسوأ على الإطلاق”

وكنت أصدق، فأنا أكثر من كانت تتتعبه الذاكرة وتفاصيلها، كنتُ أحفظ الكلمات والتواريخ والأرقام، أحفظ المواقف والعثرات والأخطاء، ربما هذا ما يجعلني لا أغفر بسهولة، ويبرر لمن يعرفني حبي المرَّضي للرياضيات والأرقام..

اليوم أحصي سنة الرحيل الرابعة، ولا أعرف كيف مضى كل هذا العمر، وأنا الآن في درجة من اللامبالاة تجعلني لا أهتم حتى بتفاصيل مروره، لكني أشعر بوخزة في صدري عندما أدرك ضخامة هذا الوقت أيامًا وساعات ومواجع وتجارب، اعتدت أن أكون ساخطة في الأماكن التي لا تشبهني، اعتدت أن أعاند وأتمرد على كل الأمور السيئة، بدوت في غالب الوقت الشخص الذي لا يعرف أن يعتاد على الأشياء والظروف بسهولة، لكن مع مرور كل هذا الوقت أقرّ بكامل وعيي أن كل الاستسلام الذي أبدو فيه اليوم هو جزء صغير جدًا من التغيير الضخم الذي عايشته على مر كل هذه السنوات..

نصر أصبح في الثالثة من عمره هذا اليوم، وقبله بأيام وبأربع سنين كنتُ أخطو خطوتي المجنونة في العودة من كراج بيروت “الكولا” نحو دمشق ومنها إلى دوما، حيث سأشارك صديقتي في زفافها وحصارها أيضًا، كنت قد خططت جيدًا لذلك الأمر، لم أفكر بسخط العبور على ألف حاجز أمني، ولا بفكرة الوصول الصعبة، كنت سأتحدث معها حال وصولي لمشارف القابون أو ربما برزة وهي ستتكفل بالأمر بالاستعانة بأخيها، كانت الأمور سهلة جدًا، السيارة التي كانت تنتظرني، الأجواء العامة، ساعات وأغلق الهاتف وأدخل في حدود البلاد التي خرجت منها مُكرّهة، دقائق قبل أن تمتلئ السيارة بنا، أحدهم يركض ويفتح باب السيارة من جانبي وينزلني وهو يلهث، لقد وصلت رسالتي مبكرة جدًا لأخي الذي ظننته لن يمسك هاتفه داخل المحاضرة كالعادة.. كانت صدفة تشبه كل الصدف التي أبعدتني ألف مرة عن الموت وكنت ساخطة! … عدت معه ومن هناك انطلقت نحو منفاي الحالي .. ثم جاء نصر لهذا العالم بعد عام من تلك التجربة، وفتح عيناه على بلاد محاصرة يدخل لها الطعام بالتقطير، بينما يسقط الموت المجنون عليها بلا هوادة، أما أنا فبقيت أناديه ابن قلبي منذ أول صرخة عند ولادته رغم أني لم أحتضنه مرة واحدة بعد!

أيضًا قبل أيام من هذا اليوم وتحديدًا في 27 من هذا الشهر قبل أربعة أعوام، وصلنا خبر استشهاد عمار بعد أيام من المقاومة ومع كل المحاولات البائسة بتهريبه من الريف إلى بيروت لتلقي العلاج بعد تلك الشظية اللعينة التي استقرت في رأسه ذات معركة، كان وقع الخبر كالسم، بيني وبين أخواي… أخي حاول حبس دموعه وهو يخبرني بأن محاولة تهريبه كادت أن تنجح، كان عليه أن يقاوم أكثر، ينما أعود بذاكرتي إلى شارع الثورة الذي كنا نقطعه معًا عندما نعود من المدرسة، كنا نتحدث كثيرًا، وكان ثقيل الدم عندما يتعلق الأمر بكلام الحب الصبياني الذي نتناقش فيه.. كان يلعب القدم مع أخي في الحارات، بينما كنت أحمل قمصانهم وأحرس حقائبهم ريثما ينتهون، كنت أراقبهم بعيون الطفلة التي كنتها وأضعتها لاحقًا..  أعرف عمار منذ 17 عامًا، وبكيت عليه عندما استشهد كأني ودعته منذ ساعة لا سنوات، عمار الوجه الذي يُغرقني بالخيبة كلما أتى أيار وعيني لا تزال تنظر ساهمة نحو دمشق التي أحبها..

باسل الشهيد أيضًا .. لا قصة سوى إني كنت أتحضر لأكون في تشييعه، لا أذكر ما الذي حدث وقتها، لا أريد تذكر غصة جديدة أبعدتني مجددًا عن أن أكون حيثما أريد، لكنني لا زلت كلما مررت بضحكته مرت بي دمعة، باسل الذي كان صورة هاتفي المحمول سنتين كاملتين، وأغنيتي تردد خلفها “ما كان عندو مشكلة ما خاف من دفع الثمن” ولا زلت مصرة أننا وحدنا من ندفع الثمن منذ وقعت كاميرته أرضًا ومنذ بللنا دمه جميعًا، نحن الذين بقينا نجاهد لنحافظ على حلمنا المنشود..

أربع أعوام هنا في هذا المكان، كل التفاصيل التي مرت جعلتني شخصًا أخرًا لا تبدو له ملامح الفتاة التي خرجت من دمشق محملة بكل دموع العالم، لا أشبه الفتاة التي قضت أول عامين هاهنا باكتئاب حاد منكرة كل ما يجري حولها، لا تشبه الفتاة التي وددت أن أكونها، لا تشبه شيئًا، يشبهني فقط تلك الابتسامة الباردة التي تتصدر وجهي وأنا أحصي غيبًا كل تلك الأيام التي مرت حتى صرت هنا وأخطئ في العد، هذه المرة المئة وواحد التي أعيد فيها إحصاء الأيام كلها معجونة بالخيبات أيضًا منذ أن ذكرني أخي بأننا نشارف على نهاية أيار، الشهر الذي كان كابوسًا بالنسبة لي، وقد هونتُه بأعياد ميلاد أشخاص أحبهم لأنسى، لكن هل سأنسى ولو مر ألف يوم أخر؟!

أن تجدّف غارقًا..

افتح مغاوير قلبك المغلقة، ومارس سخطك بصوت مرتفع، جراحُك التي تفتحها أصغر الأشياء التي تحدث حولك، صور قديمة لمدينتك بعد أن أصبحت باهتة جدًا، الماضي الممتلئ بصور الغائبين، الحياة الحقيقية حولك والتي تعد في الحقيقة قطعة من حجر جهنم لا تنفك عن محاولة ابتلاعه صبرًا واحتسابًا بعد أن كنت تأمل برميه في وادٍ سحيق عندما كنت تفكر بالهرب.. الآن أنت تخاف الخارج..

لماذا أتحدث بصيغة المخاطب؟

أنا من أخاف الخارج يا أبي، أنا التي لا أعرف إن كنت قادرة على المشي مرة أخرى بلا تعثر، أخاف إن جازفت بالخروج كما كنت أريد سابقًا..  أن أسقط، كما كنتُ أسقط بخطواتي المبكرة جدًا عندما كنتَ تمسك بيدي وتبتسم لي، لقد سقطت كثيرًا في الفترة الأخيرة لكني دائمًا ما سقطت وحدي، كانت يدك بعيدة جدًا، وكنتُ أنا مزروعة في الغياب كوردة تذبل رغم أنها تحمي جذورها جيدًا، كنتم تربة الأرض التي حاولت حمايتي، لكن لا ماء يسقيني هاهنا، لذلك جففت سريعًا وربما مت، أعلم أنني لا زلت أبتسم..  في النهاية الموت لا يعني أن يكف الشخص عن خلق فرص عيش له كالأشخاص العاديين، إنه فكرة منفصلة، مثل أن أحبك بصمت دائمًا، كأنك تسمعني.. مثل أن ينفرط قلبي في جوفي لألف قطعة وأعجز عن لملمتها بينما يظن الناس أن الصوت الذي صدر عن ذلك محض شيء عابر في الخارج.. كل الحكايات التي تتضخم لتصير جزءًا من كوابيسي هي قبور في الذاكرة، كنتُ أظن نفسي ذكية عندما استحدثتها هناك، باتت القبور ظلامًا ضخمًا يبتلعني كلما مر وقت أطول..

الليل في دمشق.. أو لنتحدث عن كل الطرق التي أسلكها عائدة نحو دمشق وتبدو مبللة، الدمع الذي أعجز عن استحضاره في حياتي اليومية، يغرق دروبي العائدة نحوها دائمًا، أمشي داخلها بينما تبادلني هي ذات البرود المخيف الذي تمارسه عليَّ هذه المدينة، فأصغر فيها كطفلة تربكها الخطوات دون يد أمها، في تلك الزاوية التي كنت أفضلها في شوراع دمشق القديمة، حيث يقف بائع اللوحات مقابلًا لها، هناك في العتمة أكمل منامي مرتجفة، عندما أعرف تمامًا أن أغلب الأشياء في عقلي محض وهم، وهم بكل ما كنت أحبه قبل هذا العصر، ووهم آخر يجعلني أكرر تأجيل كل ما أرغب بفعله لحياة أخرى، الحياة التي لا يعرفها أحد سواي..

في دمشق تعرف أن الحب هو أقدس الأشياء التي ستعيشها هناك، وما إن تحمل معك قلبًا دمشقيًا في حقيبة سفرك، ستعرف أنك ستبقى تائهًا فيه ودونها للأبد، بينما تبحث عن الشوارع التي لم تمشِ بها يومًا لتتخيلها في محولة معافاة روحك الهشة… بينما تبقى تعزي نفسك بعودة.. أخيرًا يا عزيزي أنت لن تقع بالحب بشكله التام والمكتمل… هناك شيء ناقص دومًا ستثق أنك لن تحب دونها قط..

دمشق المنزل الذي هُدّم فوق رأسك ولا تزال تصنع من حجارته الصغيرة خيمة!

أنا صاحبة الذاكرة المريضة، التي تنقلت بين محطات هذا العالم ما بين ثورة .. وموت .. نزوح .. فهجرة ثم عجز عظيم لا ينفك يحطم كل ما أحاول تجاوزه ويعيدني لنقطة الصفر دومًا، أنا التي لم أعش ربع حياة قبل الثورة، ثم عندما حاولت العيش أغرقتني الخطايا وسحبتني موجة الحرية معها حيث ذهبت، لم أكن كبيرة حينها سبعة عشرَ عامًا لن تكون كافية لترسم صورة كاملة عن أحلام فتاة أو رغباتها أو حتى عن الفتاة نفسها، لكني اليوم وكلما أطلت حياة عادية ورتيبة جدًا حولي لآخرين أتساءل كيف كنت أعيش قبل هذا؟ هل كنت أملك وسطًا مشابهًا وعائلة وأصدقاء وروحًا فعلًا؟.   في الحقيقة يا أبي لقد أصبحنا مشوهين أكثر من اللازم، نحن نسينا كيف كانت الحياة ولا نعرف كيف سنعيش الحياة التي قد تكون لنا لاحقًا .. حتى فرصنا بالنجاة أصبحت محض كذبة.. لقد غارَ البحر ونحن نجدّف سفينتنا في التراب فقط!

 

سجن انفرادي..

لم تكن تتصور أن تعيش طويلًا هنا.. لا تذكر أنها ارتكبت جرمًا حقيقيًا في حياتها.. لكن شاء القدر أن تكون هنا في هذا المكان الضيق مما يزيد على أربعة أعوام… العتمة هنا تكرر نفسها.. حتى أشعة الشمس التي تغرق غرفتها الصغيرة جداً بوهجها تحافظ على موعدها في القدوم.. لكنها تتباطأ بالرحيل دائماً.. ساعات النهار تتضاعف كما كانت تحلم خارج هذا المكان وبالشكل الذي أصبحت تكره هنا أكثر.. كل الظروف هنا اجتمعت لتؤكد لها صعوبة مرور الوقت عندما تكون وحيدًا.. الغرفة صغيرة جدًا.. تبدو للوهلة الأولى قبرًا لكنها في الحقيقة تمتلك منفذًا كبيرًا في سقفها لتستطيع ابتلاع الشمس كاملة من كبد السماء.. لا تطل إلى على الفراغ.. باردة وموحشة دائمًا.. لكنها قد تقتلك حَرًا .. جدرانها ضخمة لكنها تستطيع أن تجثم على صدرك كلما حاولت أن تلتقط نفَسًا عابرًا … أضيق من أن تتسع لشخص يملك حلمًا .. وأوسع من أن تحمل قلبًا يبحث عن نهاية ما في هذا العالم..

أربع سنين .. استطاعت أن تدفن عطرها في هذا المكان.. مع مرور كل هذا الوقت وبحثها الدائم في كل صبح يزعج نومها الكثير منبّئًا بيوم جديد عن مسبب واحد للاستمرار هنا .. أو عن شيء واحد قد يفعله المحتجز في مكان مماثل … أو عن مرآة تعكس صورة وجهها بكل هذا الأرق! … دون جدوى .. لم تعرف أن كل هذا الوقت قد يمر بالفراغ هكذا .. وأنه سيمضي فقط لأن لا شيء يمكن أن يحدث سوى ذلك .. كانت تكبر .. وحيدة في العتمة تحت الشمس .. يتمدد جسدها بالحرارة .. وتتقلص أحلامها ومشاعرها ورغباتها بالبرودة … تسكب السماء عليها مطرها .. وتجفف الرياح العابرة شغفها .. مع كل هذه الساعات الكثيفة .. وخطؤها الدائم والمكرر والمقصود باحتساب الوقت .. وجدت أنه لا بد من أن يتوقف هذا الدوران حول العالم بلا جدوى .. قررت أن تكف عن أداء دور الناقم الكاره .. واتخذت لنفسها زاوية من هذا المكان الضيق .. تراقب فيه كل ما يحصل حولها دون أن تحاول أن تكون ظلاً للحكاية التي تمر بها ..

من تلك الزاوية .. مارست موتها الأول .. وقد فقدت كل حيلها في اختلاق عيش ما في هذا السجن .. رأت بعد ذلك أن الشمس لا تلقي بثقلها عليها قاصدة .. بل هي تفعل ذلك على كل النوافذ المشرّعة لها .. وأن الهواء لا يبحث عنها لينسفها بل هو يمر بكل من يقف في طريقه .. القمر .. لا يقف عند نافذتها الوحيدة حبًا بل هي دورته الكونية وحسب .. عرفت أن النجوم لا تزين السماء لتبدد وحشة الوحدة عن قلبها .. بل لأن المدينة أطفأت قناديلها المضاءة فقط! .. لا شيء في هذا العالم الكبير خارج سجنها الصغير يقصدها بما يفعل … وحده العالم المتسع الذي سكن خيالها ذات يوم كان ينتظرها .. ووحدها من كفت عن البحث عنه .. ثم تابعت مراقبة هذا العالم الصغير الذي يكفيها .. كي تُسقط رأسها في ليلة السنة الأخيرة من شباك غرفتها نحو الأرض بحبل معقود جيدًا على رقبة الرغبة التي لم تعش إلا عشرين عامًا ثم ماتت!….

عائدٌ من المعركة ..

كنت أمسك يدك بقوة وكأني أخاف أن تفلت مني مجددًا.. أي أذية أخرى أكبر من أن أفقدك بين غبار المعارك من جديد؟.. أمسكتها رغم أنك كنت تقف خلف الباب لم ألمح وجهك.. بدأت أنادي على عائلتي فرداً فرداً أبشرهم بعودتك.. كان يكفيني أن تكون يدك سليمة .. تلك اليد نفسها التي أدماها الرصاص سابقاً وأغرقتها الدماء .. لم أكترث عندما أصبح لون يدي أحمراً .. لم أفكر في غسلها حتى .. كان يكفيني دمك لأطمئن أن ما أراه ليس حلماً .. كنت أشعر بك!

دموع أمي تكفي لتغرقنا وتغسل يدك ويدي وعمرينا معاً .. تكفي لتجعل مدينتنا المدمرة تزهر من دمعها المالح .. لم يكن يعنيني أن يسقط السقف المتهالك فوقنا .. كانت القذيفة التي سقطت عليه كما يبدو مائلة .. إنه يميل يساراً كقلبي الذي يحتويك .. كنتُ أستند عليك ولم يكن يعني لي سقوط المنزل فوقنا أي شيء .. كان وجودك هو الفرح الوحيد الذي يستحق التضحية .. حتى ولو بعمري ..

كنتَ تبتسم .. كأن وجهك لم يتغصن تعباً .. كأن المسافة لم تؤذك بنا يوماً .. كأن صوتك لم تبدده ساحة حرب ولا هرب من موت موشك .. كأنك أنت .. لم تتغير أبداً .. وكأن كل الذي مضى منذ رحلت هو الحلم .. وجودك الآن ويدك بين يدي هو الحقيقة الوحيدة في هذا العالم .. نسيتُ صوتي .. لم أكن أرغب بالتحدث أصلاً .. كنت أسكرُ بصوتك وأحلّق معه .. بسماواتي الوحيدة .. بعيداً عن أعين الجميع المتعطشين لأخبارك .. أنا لم أكن أبحث فيك عن أي خبر … أنت هنا .. أريد أن أسمعك تقول فقط “هذي البلاد لنا .. كما أنكِ لي .. ولن نمضي” …

ابتعدت عني مسافة صغيرة حتى بدأت أدرك أن صوتي أصبح صراخاً: “كم جرحاً فُتح في جسدك؟ كم رصاصة سقطت في روحك؟ كم شهيداً دفنت وأنت تبكي نجاتك من الموت؟ كم مرة تذكرتني في طريقك الترابي وأشعلت ناراً لتشعر ببعض الدفء؟ كم كانت المساحات الشاسعة درعاً واهياً؟ وكم كان الموت ملتصقاً قريباً منك؟ … لماذا لم تعد تجيب؟ لماذا بدأت ملامحك تختفي هكذا؟ لماذا تهرب ابتسامتك مني؟ أين أنت؟ ما هذا السواد العقيم الذي أغرق به؟ لماذا لم يعد المنزل موجوداً؟  أنت!!”

أستيقظ من كابوسي مجدداً بذات الهيئة المرتجفة الخائفة .. هل هو كابوس فعلاً؟ .. أعرف هذا السقف .. وهذا الصوت المزعج الذي يصدره التكييف فوق رأسي .. لقد عدتُ أهذي من جديد .. لا أحد هنا .. لن يعود هنا أيضاً .. لم نملك بلاداً يوماً ولا حباً ولن نملك أبداً … كل شيء تفلت منا على طريق الرحيل .. نحن وحدنا كما كنا دائماً .. وبيننا المسافات يا عزيزي .. والموت ..

نحن المسافة والرحيل .. نحن كل الموت .. كله!