خوف ناضج..

أنتَ لم تعد أنت.. هذا ما يبدو عليه الأمر في البداية، حتى تعي تماماً أن تلك البداية كانت خاتمة لمرحلة ضخمة في حياتك. حسناً من أول السطر الذي لم ينتهِ رغم كل هذه الأيام التي مرت، يرقد شبح الكوابيس مجدداً فوق رأسي، ويلقي بظله الفارغ تحت عيني، أبتسم لحلاوة الأمر بعد أن اعتدته، أحدهم أخبرني أن عيون الباندا هذه جميلة للغاية، “التعب اللذيذ” كما تقول قرينتي..

البؤرة التي تفتح عينك فيها سوداء للغاية، عفن ربما، أو تراكم لخيبات وانكسارات وراحلين وخاذلين وجثث كثيرة إحداها تخص حبيبك الذي يهرب كل ليلة إلى زاوية النسيان فيكِ وتعيدينه حياً.. وضجيج وعزلة وهرب إلخ….

خوف يسيطر عليك، هذا بالذات هو الاكتمال الوحيد الذي منحتك إياه “أزمة” بلادك كما يريدون لها أن تُسمى، والتي تُصر أن تعاندهم قائلاً أن “ثورتك” المقدسة كسرت ميزان الخوف ذلك فيك.. تتساءل علقة الإصبع الجالسة في صدرك، “لحظة عن أي خوف تتحدث؟ أقصد أي ثورة؟”

تداخلت المفاهيم تماماً، يحلو للبعض اليوم تسميتها بالاسم الأكثر شيوعاً والأكثر منطقية، “الحرب” لا نرجع لخلفياتها ولا لمسبباتها ولا لأي شيء يمت بصلة حقيقية معها، هي حرب وحسب، حرب تبتلع أخضر البلاد ويابسها وتنهش في طريقها أحلامك وعمرك وأصدقاءك، وهنا علينا أن نعود لمنطق الخوف الذي تزرعه داخلك بتأني..

لا أذكر أنني خفت هناك، أقصد عندما كنت في سوريا، كان الأمر سوريالياً بطريقة غريبة، كانت ضحكاتنا تتسابق مع أصوات القذائف لتغلبها، كنا نمارس كل الجنون تحت زخات رصاص القناص المجنون، آخر ليلة قضيتها في منزلي وكان الطيران يحلق فوقنا كذبابة ثقيلة الظل تزعجك بزنها ولا تستطيع ضربها بيدك لتخرس، حملنا الدف حينها وأصبحنا ننشد ونهتف ونغني حتى منتصف الليل. لم أكن أدرك أن الخوف كان طفلاً صغيراً داخلي لم يكبر بعد، طفلاً أحب اللعب مع الحجارة المؤذية في الحارة، ولم تردعه ضربات أمه المتكررة على يده، لم أكن أخاف، أو ربما كنت أبلغ من التحدي والحقد ما يجعلني أكره أن أُكسر هناك، أو عندما كنت هناك..

في الفترة الأخيرة تماماً بدأت أرى نضوج الطفل ذاك جيداً، بدأت أشعر به يمسك بيدي كلما أقدمت على تصرف مجنون، أصبحت أحس بتوسلاته لي ممسكاً بطرف فستاني القديم جداً ليجعلني أغير رأياً أعمل عليه منذ أيام، لقد أصبح ذلك الخوّاف الشبح الذي يؤرق ليلي، وصرت أنا المنزوية في طرف هذا العالم أراقب كل ما يخصني خاضعاً لسلطته هو، خوفي الناضج!

العالم الذي كان ملعباً صغيراً بالنسبة لي، “ما بينخاف عليك، وين ما زتيناك بتجي واقفة، قدها وقدود، قوية وأخت رجال” كل تلك الألقاب أصبحت عبارة فقط عن خلفية صوتية في عقلي التائه جداً، تكرر نفسها كلما تقدمت لأفعل شيئاً وتراجعت مترددة عنه. “ربما لم أعد كذلك!”.. صحيح يقولون أني عندما أنخرط بالحديث عن سوريا تلمع عيناي جداً وأن “عيوني بتحكي وقتها” هذا الأمر يربت على كتفي أحياناً كي أقنع أن هناك شيئاً مني بقي صامداً ولم يتغير بعد. صديقتي التقطت لي خلسة صورة أثناء حوار ما، لم أعرفني فيها.. بقيت شاردة وقتاً طويلاً. ربما لم تُضعني الحرب كما يقولون،  قد تكون الغربة أو هذه البلاد، أو ربما أضاعتني تلك الانخراطات النفسية التي جعلتني متيبسة هناك وقتاً طويلاً، قبل أن أدرك تماماً أن الطائرات التي تحلق فوق رأسنا هنا، طائرات مسالمة أي أنها لا تنتمي لسرب العدو ولن تمطرنا بالموت، وأن الأصوات التي تفزعني كل فترة ما هي إلا “طق فتيش” وألعاب نارية للتسلية، وأن الوهم الذي يعشعش في قلوبنا ما هو إلا ذاكرة رفضت أن تخرج من حدود تلك البلاد اليوم..

“ألم تنتهوا بعد؟ ما جدوى كل الذي فعلتموه إلا دماراً وتشرداً وموتاً لاحقكم وأنتم شرذمات هنا وهناك!”

تسألني إحداهن، أجيبها مبتسمة: “مو نحنا صحاب الخطوة الأولى”، وكما يجب عليك كعاقل أن تدرك أنك مضيت في الثورة عندما وضعت تحت نارين إما أن تكون في صف المجرم أو أن تكون في صف العدالة، اخترنا العدالة كصيحة للحرية وهتفنا بها، آمنا بها كما آمنا بأمهاتنا ساعة ولادتنا، وكما نؤمن دائماً أن الحياة التي زرعنا بها قد لا تثمر بين أيدينا، ولكن على الأقل كي لا نلعن أرواحنا عندما نحتضر يوماً ونقول تخلينا عندما ترك الجميع أيدينا. نحن تغربلنا حقاً لم يبقَ إلا قلة تمسك بالعهد وتوفي به، وهذا الأمر ليس بطولة بل موتاً، لأنك مدرك تماماً أن حلمك صار قهراً عظيماً وأنك وحيد .. بعيد .. منفي، وأن كل وجوه الشر تجتمع لتحيل حلمك سراباً كأنه لم يكن وأنت لا زلت تمسك به، تتحدث عنه، تبث فيه الحياة وسط كل هذا الموت.. وأنك ولو عادت بك الكرة لاخترتها بكامل الحب والتضحية والرغبة، وما اخترت سواها سبيلاً!

هل ندمنا؟

قط!

رغم أن كل ما حصلناه من بؤس وتعب في طريقنا الطويل هذا يفضي لنهاية مماثلة ومغفورة أيضاً، لكن الأمر لا يرتبط بما أُريدَ له أن يكون، بل بما تريده أنت أن يكون، على الأقل في داخلك. كل التشوهات والصعوبات والأشياء تحملك لتكون شيئاً واحداً في هذا الزمن إن لم تستطع أن تصنع نصراً على الأقل لا تسمح بأن يصبح كل ما مررت به نسياً منسياً، وتسمح للقتلة أن يركضوا فوق قبور من نحبهم مختالين بتغلبهم على ذاكرتنا الخجلى، لا تسمح لأن تصبح الصورة التي دفعنا لأجلها جُل ما نملك غصباً وربما طوعاً أن تصير هامشاً تخجل أن تحدث عنه ابنك..

نسيت.. أنا مصابة بزهايمر جبان..

سأعود لمحطة الخوف قليلاً، على طاولتي خمس أوراق تنتظر البت فيها، وحياة جديدة ربما، ومفترقات طرق وعرة وضرورية، وبيني وبينها ابني ذو السبعة أعوام يقف متلصصاً على اختياراتي، ينتظرني أن أقرر ليبكي مجدداً وينوح في وجهي “لاء يا ماما لاء ما تعملي هيك” وأنا أراقب الدمع الملتمع خلف الجفنين، وأتنحى!

 

Advertisements

خطاب العنصرية الحديث

اعتقدت دائمًا أن هذا الأمر ليس نتاجًا للضغط الذي يدعيه مستلمو هذه الحملات ومنظميها، وليس أمرًا مؤامراتيًا تدعمه الأيادي الخفية والأشباح السوداء، وإن افترضنا جدلًا مسببات هذا الأمر على الهامش لكن في الحقيقة هي أصل تركيبتنا البشرية تكبحها أحيانًا إنسانيتنا اللامحدودة وتلجمها أو تكبر عليها الشراسة  فينا فنَظلم ونبطش ونحن نثق أننا على صواب وإن كان الأمر التشبيحي محدودًا فقط بالكلام الذي لم ينجُ من فعله أحد كما رأيت..

في البداية نحن كشعب سوري كما يُقال عنا “شعب الخطي” لا أرى بالأمر مدحًا ولا تغطية لأني أجد الشعب واحدًا بشراره وخياره على حد سواء تتوزع الأدوار بينهما بالضبط ولا كمال لأحد، فنحن الشعب المضياف المتغني بسيره غير المنكرة أبدًا في احتواء اللاجئين والهاربين من سخط الحروب إلى بيوته وكل المعاملة الممتازة التي بادلَ الأخرين بها، كنا نرى بيننا أشخاصًا نعرفهم حقًا يشتمون العراقي والفلسطيني واللبناني بما تقتضي معه ضرورة الضيق الذي يحسه منهم، كانت المجريات التعصبية أو لنقل التشبيحية مقتصرة على الكلام هذا صحيح لكن الأمر ليس منزهًا البتة وإن كان قليلًا لا يُرى، في حرب العراق عرفت أشخاصًا أسكنوا العراقيين في بيوتهم ودفعوا عنهم أجار منازلهم شهورًا حتى استطاعو الوقوف على أقدامهم، وآخرين كانوا يشتمونهم ويلعنونهم كلما مرّوا بسوق وتصادفوا بهم، كنت صغيرة جدًا وأتساءل “لماذا تكره قريبتي العراقيين هكذا؟ وأنا صديقة كثيرات منهن في المدرسة وأراهن رائعات جدًا؟”

على الرغم من أنني مصنفة في عداد المتشائمين الجميلين، لا أحبذ النظر للكأس نصف الممتلئة، ولا يعجبني أبدًا فكرة الكيل بمكيال الإيجابية بل أنني مملة أحيانًا بالسوداوية بعض الشيء، لكني إنصافًا لن أذكر المواقف العنصرية التي تعرضت لها كثيرًا منذ خروجي من سوريا، وقبل ذلك عندما كنت أتنقل في الريف بهوية شامية، فهي كثيرة ومتشابهة، لكني سأتحدث عن الوجه اللبناني الذي أنصفني كشخص قبل أن يصنفني كهوية، ومنحني ثقة كنت بأمَسِ الحاجة لها آنذاك، والصديقة اللبنانية التي كانت تحب مني كلمة “مو” كثيرًا وترجوني أن لا أتأثر بلبنان ولا فلسطين بقلبها “مش”، وجارتنا اللبنانية اللطيفة التي كانت تتذكرني كلما أعدت وجبة البوشار وتناديني كل ما عدت من العمل لأشرب عندها العصير “وطفي الشوب” .. نحن شعوب تجيشها العواطف دون العقول فترانا نصدق من يخبرنا أننا نقاسم الأخرين أرزاقهم وطعامهم دون أن نرى أبعد من ذلك. أعرف رجلًا لبنانيًا عاطلًا عن العمل منذ بداية الألفية الثانية، وعندما أتى السوريون إلى لبنان بدأ بالندب على فرص عمله الضائعة.. النماذج كثيرة لا تعد ولا تحصى.. ومع هذا فإن الكلام أعلاه لا يعني تبرير الظلم الأسود الذي يقطن اللاجئون السوريون تحته اليوم…

كما لبنان، رأيت في السعودية وجوهًا طيبة كثيرة، لم تعاملني إلا بطيب الخاطر والخير، ولم تحاسبني على هويتي أو موقفي، ووجوهًا أخرى كانت ساخطة وحاقدة ولم تتمنَ لي أكثر من أن تصبح حياتي مطفأة كما يجب على خارجة من تحت الموت.. كل شيء كنتُ أراه منطقيًا بعد لبنان من عيش تحت الأمرين الخير والشر فوجدت اعتيادًا في روحي أمام النموذجين هنا، عدا عن الطفل الذي كَفَرني ذات يوم لأنني لا أضع النقاب على وجهي ثم همس في أذن أخته الجالسة بجواري أنني معلمة “مُزة”، كان هذا الصغير ذو الست سنوات من أفهمني واجهة البلاد أكثر، نُكفر ونحقد ونكره علانية، ونتبادل الحب والجمال خفية، ولا نذكر خير الخفاء بقدر ما نُعظم صورة الحقد، كيف استطاعت مدينة واحدة أن تعلم طفلًا أبغض كلمة يُنعت بها شخص ما عن دينه، وعلمته أغرب كلمة غزلية على الإطلاق ويُقال أكثرها وقاحة؟ .. هذا الطفل نفسه ذات مرة سألني: “ليش ما متي بالحرب اللي عندكم؟”، ولا زلت أتساءل عنه وأجيبني .. ربما لأبقى تائهة في بلاد العالم أبحث عن رقعة صغيرة أُنسب لها وأسميها وطني ولو كذبة.. بينما يمارس العالم سخطه علينا بصوت عالٍ لم يعد أحد يخاف التصريح به أو الخجل منه على الأقل، ليس لأنهم أصبحوا كذلك الآن، بل لأننا في السنين الأخيرة ولأول مرة، لم نعد نمتلك طريق العودة، ولا أوراقًا نرفعها في وجوه المعتدين ونخبرهم أن لنا أرضًا وكرامة تغنينا عنكم، راميين في وجوههم حفنات المال التي يظنون أنها كرمٌ منهم علينا لا جهد وتعب منا .. الأوراق التي باتت تنكرنا مثل تلك البلاد التي يحتلها طاغية لعين هجرنا وقلتلنا ثم أرانا كم يبدو العالم سافلًا عندما نكون غرباء فيه.. وحدنا!

للوجوه اللبنانية التي أحببتها، للخير الذي رأيته في قلوب أهل هذه البلاد، للقلوب السورية التي لم تكن شرًا في هذه الغربة كما يدعون، أنتم وحدكم حقيقة هذا العالم، أما الخراب الذي يُعاث اليوم باسمكم تعميمًا ليس إلا وجهًا من وجوه الشر التي حفظناها عن ظهر قلب وتجربة 🙂

مرّ وقت طويل ولكن!

لا أحد يمنح عنقه امتدادًا إضافيًا لتتسع رؤيته كما يظن حتى وإن شاء ذلك، تعال نرتب الأمر معًا، تبدو الحياة بعد ست سنين من الثورة فارغةتمامًا بعدما تحولت كل الأشياء المحببة إلى صور وبقيت الحقيقة الكاملة هي السواد الذي يبتلع الحلم الصغير ويبدده..
التوزع الجغرافي الذي بات منحصرًا في زوايا البلاد اليتيمة، والذي يزداد ضيقًا على ضيق، ويتحول من محَرر لنمارس فيه ثورتنا في البلاد كما نشاء إلى ثقل يجثم على صدورنا بكثرة الموت فيه وتوزع الرؤوس والسلطات.. إن فكرنا بالأمر على أنه أحقية اجتماعية أقصد أننا نتحدث عن مجتمع كامل بكل توجهاته ومغالطاته وتعقيداته هذا الأمر لا يقلل أبدًا من صعوبة الأمر منذ بدايته، لا يمكنك أن تكون ابنًا لهذا الحراك إن لم تصادف هذه النماذج بشكل مصغر في طريقك.. لم تكن تشكل محورًا ربما ولكنها اليوم تتمركز على حدود ملكك وثورتك وحلمك!
الوقت اليوم متأخر جدًا، متأخر لتحلم.. لتفكر.. لتثور.. لتصنع فرقًا، مؤسف أن تكون ولدت ثائرًا بعمر صغير جدًا بخبرات قليلة وبرفاق قلة، تجوب الشوارع المحتلة خائفًا لا تملك خطة ولا تتمكن من اصطناع فرصة ضئيلة لتزرع وردة حرية في دربك المعجون بالرهبة في مدينتك الأم التي تتحول مع الوقت إلى “زوجة أب ظالمة”، يبدو الفرق كبيرًا عندما تفتح عينيك الآن على كل هذا، عمرك الذي مضى والطريق الذي كان أخضرًا وتنوعت شعابه وألوانه، تفتحها على أحلامك الصغيرة التي نضجت الآن بتأنٍ ووحدة، وبمخزونك الفقدي العظيم!
مر وقت طويل جدًا ولم تعد الخيارات هي ذاتها، لم يعد إثبات الأمر ضروريًا لقد أصبحت محسوبًا على هذا الطريق ولو كنتَ بخيلًا فيه أو مجرد عابر عاجز، مر وقت طويل جدًا ولم تكن حجرة أساس ربما، أو أنك لم تكن موجودًا أصلًا، فقط صورة تمر في خيال العابرين في ذلك الطريق، عمر صغير كما ظننته فتح عينيك على عمرك الكبير الآن، الشوارع التي أحببتها وأحبتك وغنيت لها وفيها والتي أصبحت اليوم أسيرة تحت سلطة السلاح.. لا تدري أي سلاح بالضبط لكنه موجه نحو صدرك وحلمك بأحقية اقتلاعك من أرضك، أصدقاؤك الذين كانوا أجبن من أن تستند عليهم في أول الدرب وتركوك لكل ما هب في وجهك عاصفًا تصنف خياراتك وأفكارك وحيدًا، وأولئك الذين كانوا أجبن من أن يشاركوك الحرية بصوت مرتفع، فكان صوتك الوحيد ظاهرًا وواضحًا ومحروسًا بقدرة قادر! .. الطريقة التي رتبت فيها أولويات الوجع وشخوصه عندما كان الدرب هينًا جدًا ومحدودًا جدًا، لا داعي أن تفكر كثيرًا هي ميتة واحدة في سبيل واحد وإيمان واحد، كان هذا قبل أن يمر زمان القحط الطويل هذا، قبل أن تختنق بكل براميل الموت والكذب والإدعاء، قبل أن يصبح موتك مسببًا ومبررًا لتفكر ألف مرة، هل تغيّر الطريق حقًا أم أنني تائه وحسب؟
رغم كل الرومانسية المفرطة التي تعاملنا بها بادئ الأمر، والتي كبرت معنا منذ كنا صغارًا ونضجت اليوم كفكرة عظيمة مضيئة حقيقية رغم كل هذا الزيف، الثورة التي لا يمكن لنا أن نحيد عنها بعد أن صنعت منا هذا الشخص الذي لا يعرف أن يتبع أحدًا سوى إيمانه، الإيمان الذي أبقانا على قيد الكرامة طوال هذه السنين، الفكرة وحسب بأن التعب الذي يمسنا منها يدفعنا للهرب وقد يظن البعض أن هذا الهرب هو أصل التخلي عنها، لكنه في الحقيقة هرب من أنفسنا الحالمة إلى الأنفس البناءة التي تسعى لتغيرَ شيئًا على الأرض لا التي تتباكى على الأطلال ثم تغفو من جديد! .. الأنفس التي كانت صغيرة جدًا في بداية الحلم ولم تجد مركبًا ينقلها إلى الدرب بكامل اندفاعها، لكنها اليوم صنعت فُلكًا جديدًا يليق بهذا الحلم متوازنًا أكثر.. مسؤولًا أكثر.. حقيقيًا أكثر.. لا يشوبه تزييف ولا كذب .. أي أننا في توازن الأمر كي لا نكرر سقطاتنا واحدة تلو الأخرى، كي لا يصير ماضينا قليل الخبرة هو حاضرنا وغدنا، كي نخلق فرصاً جديدة بإمكانيات يمكن صنعها في هذه السنوات التي مرت وتمر دون أن نتباكى لألف يوم آخر، علينا أن لا ننسى ثأرنا الماضي ولا قسوة الذي مرّ، علينا أن لا نُضيع وجوه الشهداء والغائبين الحالمين، لكن نحن في معركة كسب ذواتنا اليوم فإما أن نكون على قدرها أمام كل هذه الرِماح الموجهة نحونا، أو نبقى محصورين في أماكننا الضيقة نوجه أنظارنا للماضي نعيد رسم يومنا بذات الطريقة وننتظر مستقبلاً مخالفاً .. وهذا والله أسوأ ما قد نفعله كثائرين!

ستسقط كل الوجوه التي ركبت على الثورة كما سقطت أعتى الديكتاتوريات والواجهات التي ادعت صلاحها وحكمتها وخيرها على مر سنين الصمت والقمع، سيسقط كل شيء وتبقى الفكرة الأصل أننا باقون هنا ولأحلامنا بقية ولا فناء لثائر ولا نهاية لثورة مهما طال الأمد فلنكن على قدر إيماننا بما يليق بها!

في ذكرى المجزرة..هل تحولنا إلى مجرمين حقًا؟

في العودة إلى البداية عندما انقسم المجتمع السوري إلى شريحتين، المؤيد والمعارض، كانت الغاية انحصار الكيان الثوري على تقديم أبلغ الصور والتوجهات السلمية لعرض الثورة كسبيل للتغيير والعدالة في الوطن المُبتغى، تحت مظلة واحدة وكيان مشترك يجمعنا جميعًا بكلا التوجهين المدنيين، لكن حينها مارست قيادة الطرف الأخر بسطوة النظام وأسلحته وهمجيته جميع الأساليب الممكنة لإخراس الصوت، من الاعتقال والخطف والتعذيب وصولًا إلى الموت. الفئة الأكبر من المؤيدين كانت تتعامل معنا لا كوننا طرف آخر، بل كعدو آخر.. جميعنا مُورس عليه الإرهاب المصغر من أقربائنا وأصدقائنا، وجميعنا حاولنا تحاشيه كي نحافظ على كياننا الهاتف “الشعب السوري واحد”.  يأتي السؤال الحقيقي هنا.. هل كان الشعب السوري منذ ذلك الوقت وحتى الآن واحدًا فعلًا؟.. بالطبع لا.. كل الصور والأحداث والتبعات التي أنتجتها الثورة أكدت أننا لم نكن يومًا كذلك، وبعضنا فقط من أدرك أن الحقيقة أوسع من فكرة طائفة أو دين أو ثورة، الأمر نابع من أشخاص عاديين عاشوا بيننا ومعنا وقتًا طويلًا، وتحولوا إلى مسوخ ينتظرون موتنا، أو يطلبونه أو يرموننا نحوه، سواء كانوا جبناء أو مستفيدين، لكنهم في الحالتين كانوا حاقدين جدًا..

في كل مرة توضع الثورة أمام خيار إثبات فضيلتها كانت تنجح، عند كل مجزرة تدك مناطق النظام كانت أصوات المعارضين الرافضين أعلى من أصوات المؤيدين النادبين، كنت تجد الرفض والشجب والاستنكار يفوق أي ردة فعل تخبرهم أن هذا الأمر يقع في نصف الكرة الأخرى، النصف الذي يهبط الموت عليكم منه كل يوم وكل ليلة، ورغم ذلك كانت المشاعر الثورية تقف خجلة أمام الظلم، وهي تعرف أن الموت لا يجب أن يسقط بين الجميع وأن هناك حتمًا مدنيين لا يستحقون الموت وأن أخلاقنا الثورية لم تخرج لهذا، المناطق المحررة تضم في غالبيتها النسبة الأكبر من المدنيين كانت تُدّك يوميًا بمئات البراميل ولم يصدر صوت شجب واحد من أهالي المناطق التي تقع تحت سلطة الأسد، بعض الأشخاص يقفون في الحياد المميت هناك لخوف أو رهبة أو لا مبالاة، لكنك تسمع صوت الشامت والناقم والمستهزئ يعلو على جثثنا دائمًا، كان الأمر جليًا في كل المجازر التي سميناها والتي لم نسمها، آخرها كان في مجزرة خان شيخون..

وتزامنًا معها بعد قرار المدن الأربع الذي تم على إثره استبدال أهل الأرض بغير أهلها، حدث تفجير أودى بحياة أطفال ومدنيين وأفراد تابعين لجيش الأسد أثناء إتمام الاتفاق، كان إعلاميو الثورة وثوارها على مقربة من المشهد لكنهم لم يكتفوا بدور المتفرج أو الشامت، الجميع اتجه لينقذ الضحايا، الكثير من المسعفون في الدفاع المدني الذي يعتبره النظام ومؤيدوه جزءًا من منظومة المستحقين للموت اتجهوا لإنقاذ الضحايا، أحد المسعفين كان يمسح جراح طفل صغير فسأله الطفل: “عمو أنتو بتدبحوا بس ما رح تدبحونا ما هيك؟”.. المسعف الذي لا يزال أثر غاز خان شيخون في حلقه مختنقًا تحدث عن ذلك قائلًا: “لربما ضمدت جرح من سيأتي ليقتلني غدًا”..

نحن كنا هكذا أمام كل اختبارات الثورة الحقيقية تتفوق أخلاقنا عليهم، سواء في محافل إثبات الفرق بين الجزار والمدني والفصل بينهما، أو في تبرير كافة المشاهد والتصورات التي يقوم بها بعض القاطنين تحت سلطته، كنا نضمد جرح قاتلنا ونحمله بعيدًا عن الموت، ندعو له بالنجاة، نربت على مواجعه إن لمسناها.. وفي الطرف المقابل يربي هذا الأخير ابنه أن كيف سيقتلنا عندما يكبر، وكيف سيوجه نصل سكينه إلى صدورنا كي لا نهتف مرة أخرى “يسقط الأسد” وربما كان يفعل ذلك قبل أن نهتف بهذا أصلًا.. كل ذلك الموت العظيم، كل الحكايات التي ضغطت علينا لتجعل منا مسوخًا كانت تبوء بالفشل.. لكن حتى نكون صادقين تمامًا كثير منا تشوه الإنسان داخله، وكثير منا أصبح يعاصر الحقد ويعيشه على أنه الشعور الأكثر أحقية له أمام كل الذي حدث له وكل ما سيحدث.. لم يعد من الممكن أن تتقبل علَمًا للطرف الآخر في أرضك تمامًا كما يعتبر الآخر رايتك كفرًا أكبر، لم يعد من الممكن أن تدخل في نقاش مع شخص بالنسبة لك منذ البداية باطل وربما يكون مشاركًا بالدم الذي نزفته حتى.. بعد أن تأكدت أن القاتل وتابعه موقِنان بضرورة موتك ليتابعوا حياتهم، بينما كنت تبحث أنت دائمًا عن جدوى لحياة مشتركة لكما معًا في وطن واحد. أخيرًا ستوقن أن هذا الوطن لن يكون واحدًا يومًا وأن الست سنوات المنصرمة أثبتت بالدم والظلم والنار أن لا حق يجمع القتلى مع الجرحى والشهداء تحت سماء واحدة..

هل حولتنا الثورة إلى وحوش؟ أم أننا لم نستطع أن نحافظ على إنسانيتنا بشكل تام أمام كل هذا الكم من الحقد والموت المصبوب علينا؟ هل يقيننا أننا وحدنا وأن الحق هو أن يكون الطريق والسبيل عالمًا لا يشاركنا به أولئك الذين عاشوا على موتنا حياة زاهدة قابلين بفتاتها على أن نشاركهم بعضها هو الصواب؟!..

في الحقيقة نحن لسنا وحوشًا لكننا متخمون بالجراح والصبر وفي قاموسنا الثوري لا مغفرة لقاتل..

سجن انفرادي..

لم تكن تتصور أن تعيش طويلًا هنا.. لا تذكر أنها ارتكبت جرمًا حقيقيًا في حياتها.. لكن شاء القدر أن تكون هنا في هذا المكان الضيق مما يزيد على أربعة أعوام… العتمة هنا تكرر نفسها.. حتى أشعة الشمس التي تغرق غرفتها الصغيرة جداً بوهجها تحافظ على موعدها في القدوم.. لكنها تتباطأ بالرحيل دائماً.. ساعات النهار تتضاعف كما كانت تحلم خارج هذا المكان وبالشكل الذي أصبحت تكره هنا أكثر.. كل الظروف هنا اجتمعت لتؤكد لها صعوبة مرور الوقت عندما تكون وحيدًا.. الغرفة صغيرة جدًا.. تبدو للوهلة الأولى قبرًا لكنها في الحقيقة تمتلك منفذًا كبيرًا في سقفها لتستطيع ابتلاع الشمس كاملة من كبد السماء.. لا تطل إلى على الفراغ.. باردة وموحشة دائمًا.. لكنها قد تقتلك حَرًا .. جدرانها ضخمة لكنها تستطيع أن تجثم على صدرك كلما حاولت أن تلتقط نفَسًا عابرًا … أضيق من أن تتسع لشخص يملك حلمًا .. وأوسع من أن تحمل قلبًا يبحث عن نهاية ما في هذا العالم..

أربع سنين .. استطاعت أن تدفن عطرها في هذا المكان.. مع مرور كل هذا الوقت وبحثها الدائم في كل صبح يزعج نومها الكثير منبّئًا بيوم جديد عن مسبب واحد للاستمرار هنا .. أو عن شيء واحد قد يفعله المحتجز في مكان مماثل … أو عن مرآة تعكس صورة وجهها بكل هذا الأرق! … دون جدوى .. لم تعرف أن كل هذا الوقت قد يمر بالفراغ هكذا .. وأنه سيمضي فقط لأن لا شيء يمكن أن يحدث سوى ذلك .. كانت تكبر .. وحيدة في العتمة تحت الشمس .. يتمدد جسدها بالحرارة .. وتتقلص أحلامها ومشاعرها ورغباتها بالبرودة … تسكب السماء عليها مطرها .. وتجفف الرياح العابرة شغفها .. مع كل هذه الساعات الكثيفة .. وخطؤها الدائم والمكرر والمقصود باحتساب الوقت .. وجدت أنه لا بد من أن يتوقف هذا الدوران حول العالم بلا جدوى .. قررت أن تكف عن أداء دور الناقم الكاره .. واتخذت لنفسها زاوية من هذا المكان الضيق .. تراقب فيه كل ما يحصل حولها دون أن تحاول أن تكون ظلاً للحكاية التي تمر بها ..

من تلك الزاوية .. مارست موتها الأول .. وقد فقدت كل حيلها في اختلاق عيش ما في هذا السجن .. رأت بعد ذلك أن الشمس لا تلقي بثقلها عليها قاصدة .. بل هي تفعل ذلك على كل النوافذ المشرّعة لها .. وأن الهواء لا يبحث عنها لينسفها بل هو يمر بكل من يقف في طريقه .. القمر .. لا يقف عند نافذتها الوحيدة حبًا بل هي دورته الكونية وحسب .. عرفت أن النجوم لا تزين السماء لتبدد وحشة الوحدة عن قلبها .. بل لأن المدينة أطفأت قناديلها المضاءة فقط! .. لا شيء في هذا العالم الكبير خارج سجنها الصغير يقصدها بما يفعل … وحده العالم المتسع الذي سكن خيالها ذات يوم كان ينتظرها .. ووحدها من كفت عن البحث عنه .. ثم تابعت مراقبة هذا العالم الصغير الذي يكفيها .. كي تُسقط رأسها في ليلة السنة الأخيرة من شباك غرفتها نحو الأرض بحبل معقود جيدًا على رقبة الرغبة التي لم تعش إلا عشرين عامًا ثم ماتت!….

المستحيل السوري ..

في البداية كنت أعتقد أن الأمر شخصي جداً، وأرجحُ الأمر كوني شخص يفكر كثيراً وفي الوقت نفسه أنني سوريّة ولا حقيقة أكثر إتعاباً من ذلك، مع الوقت بدأت أكتشف أننا جميعاً محصورون في ذات الزاوية، وجميعنا نُسقِط كلما نعيشه ونقرأه أو نسمع به على سوريا وما يحدث فيها وحولها.

تبدأ الحكاية في فيلم “the impossible” عندما تضرب موجة ضخمة شاطئاً في بلدة يقصدها السياح عادة، هذه الموجة تحدث أضراراً بالغة ناهيك أنها تقتلع الأشخاص من أماكنهم وترميهم كل في اتجاه، عائلة أميركية مكونة من خمس أشخاص يتفرقون إثرها وتبدأ معاناة كل واحد منهم على حِدَة حتى يجتمعوا.

الفيلم درامي ومثير وكل ما يمكن أن يُذيل باسمه، لكن أحداً لن يخبرك أنه سيعلّق قلبك بقشة ضئيلة تكاد لا ترفعك نحو الحلم قيد شعرة، لكنك ستتمسك بها، المشاهد المُصوّرة باتقان عظيم تؤكد لك أنها حقيقية بالفعل للعائلة الفرنسية التي حصل معها الأمر نفسه في تسونامي، لكنك كسوري ستشاهد بعين أخرى، بعين الثائر المهاجر المشتاق المهزوم، ستراها بعين تبكي وطناً وشعباً كاملاً لا أسرة واحدة ..

تحتاج في البداية أن تصرخ قد يسمونها صرخة الولادة كالتي فعلتها “ماريا” عندما خرجت حية من الغرق مليئة بتلك الجروح في جسدها  ثم أن تتلقف الخوف من قلبك الذي يدفع الطفل عن أمه ليس بموجة بحر وحسب، بل بآلاف الكيلومترات والحواجز وجوازات السفر أو قضبان السجن أو حتى تحت تراب الوطن في سوريا. عليك أن ترى نفسك تحمي وجودك وصوتك كما يدافع “كارلوس” عن حبل نجاته الوحيد في عيني أمه. وتشعر في المشفى الذي وصلا إليه أخيراً بعد انتهاء المأساة أن الكثير من الصرخات والتأوهات وأصوات الأطباء المرتفعة للممرضات للحاق بحالة ما تعرفها، كل هذه الأصوات لن تذكرك إلا بالمشافي الميدانية أو بالشوارع التي أصبحت أحياناً مشافي غصباً لإنقاذ حياة ما في بلادك، ستأخذك في رحلة نحو كل المدن التي نُكبت في الوطن وكانت وحيدة آنذاك. حتى عندما يصورون مشهد الجثث من الأعلى يرتب لك عقلك أسماء المجازر بالتتابع، لتتساءل بصوت مرتفع: “هل كفّتهم الأكفان فعلاً؟..

اوه نعم هذا فيلم وحسب، الحقيقة هناك فقط، في موطني!”

الفيلم يريد لك أن تُشعل في قلبك أملاً لا أدري لماذا، ينتهي الفيلم بعد التقائهم وخروجهم من هناك بمشهد الشمس التي تسرق ملامح وجوههم وتحتفظ برهبة النجاة والسعادة في آن معاً، الشمس التي لم تُشرق علينا بعد ويبدو أنها نسيت تماماً أين نحن!

اليوم بينما لا زلنا نتابع المشهد ونعيشه في كل لحظة من حياتنا، لازلنا لا نجد حياة كاملة تامة دون أن نعود إلى هناك ولا مفر من ذلك، كلما ظننا أننا اتخذنا أماكننا في هذه البلاد البعيدة، وأننا في رحلة الاستقرار المجبرة ولو على مضض، نمارس الحياة كمداً ونظن دوماً أننا سننسى، ولا شيء يرهبنا كالنسيان، لا شيء نعجز عن إتقانه كالنسيان!. نحن لازلنا ننتظر شمساً جديدة تخبرنا أننا سنكون بخير، وأننا سننجو من كل هذا الغرق، أنها لن تعيد أحبتنا لكنها على الأقل ستعيدنا إلى الديار!

اليوم بينما يبالغ العالم بالجنون، والموت، والظلام. لا يزال السوري يغفو على حلم صغير جداً أن يتوقف كل هذا الصخب حوله وفي بلاده وأن ينام لمرة واحدة في حضن أمه وبعدها لن يحتاج أن يصحو أبداً..

نحن أبناء الذاكرة التي تُقصف كل يوم بألف سلاح محرم دولياً، ونحاسب إن فرحنا لسقوط طائرة خرجت في مهمة قتلنا. نحن أبناء الذاكرة التي اضطرت لدفن أبنائها بأكفان ملونة لأن الأبيض قد غطى كل الدماء وانتهى. نحن أبناء الذاكرة التي لا تلتقي بأهلها إلا خلف شاشات باردة، ولا يزال حلم العودة والنجاة يدفعها لتقول: “بنشوفكم قريب، بتفرج”. وهذا الفرج معلق في السماء ينتظر معجزة ما ليسقط بكل ذاك الخير على رؤوسنا. لكن يبقى السؤال اليتيم: هل سيبقى هذا الثمن مستمراً حتى ذلك الحين؟ وهل سنكف عن مشاهداتنا وإسقاطاتنا إلى حينها؟!

الله أعلم!

 

theimpossible

المجزرة التي أبقتنا أحياءًا!

من الصعب أن تكتب عن ما تفكر به دائماً ويبدو الأمر أعقد مما يتصور أولئك الذين ينعتونك بـ “كاتب” إن أرادوا تضخيم استهزائهم بك، أو الضحك بصوت مرتفع على جملك المتقطعة التي تقول فيها: “أنا مالي كاتب، أنا بكتب ع قدي بس” .. هم يجدون فكرة التواضع بحد ذاتها تستحق الاستهزاء، المشكلة أنك لا تتواضع أنت فقط لا تحب الجلوس على غيمة ليست مطوّبة باسمك!

من يعرفني عن قرب يحفظ كل سردياتي عن الموت، دعواتي، لعناتي على الحياة، تضخم فكرة الانتحار في رأسي وهوسي غير المعتاد بها قراءة ومعرفة، وقليلون جداً من يعرفون عن محاولاتي أو عن مراحل الاكتئاب العقيمة التي مررت بها.. أحد أصدقائي المقربين جداً بعد استنفازه لكل الفرص الممكنة بإمكانية جعلي أحيد عن طريقة الكلام هذه، قرر قراراً جنونياً أن يجعلني أعيش لحظة الموت الأخيرة، حيث أنه سيرسل من يقتلني بينما يراقبني هو خلف عين الموت تماماً، يتساءل عن تلك اللحظة، هل سيضحك المجنون الميت داخلي أم أن الخوف سيتملكني وأرقد باكية أرجوه أن يمنحني بضع أيام أخرى؟

هذا التخيل بحد ذاته فتح داخلي ألف باب ومئة ألف تساؤل، وأعادني لدويستوفسكي العائد للحياة قبل لحظات إعدامه المحتمة بثواني بعد وصول ورقة العفو عن الإعدام باسمه، والتي قال بعدها عن الحياة: “حين أنظر إلى الماضي، إلى السنوات التي أضعتها عبثا وخطأ، ينزف قلبي ألمًا، الحياة هبة.. كل دقيقة فيها يمكن أن تكون حياة أبدية مِن السعادة! فقط لو يعرف الأحياء هذا، الآن ستتغيّر حياتي، الآن سأبدأ من جديد”.

وأنا هل يمكن أن أحب الحياة في تلك اللحظة؟ أقصد إن واجهت الموت بشكل مباشر هكذا؟

على كل حال لقد جربت الأمر مسبقاً، في الخامس من آب في العام 2012 عندما كنت في منزلي صادفت الموت لأول مرة، رأيت شبحه الضخم بشكل يشابه حجم إله الموت في Death note  كان ذلك اليوم هو أكثر الأيام التصاقاً بذاكرتي بكل تفاصيله، منذ تمركز الجيش الحر في حارتنا، وحتى وقوفهم للصلاة في الكراج المخصص لسيارتنا، وحتى اللحظة التي وجهوا الآر بي جي نحو الدبابة القادمة والتي ستمر بشارعنا الفارغ، كان الاستنفار الأمني مهيب، والموت وقتها كان مهيباً أيضاً إذ أن الجثث بقيت في مكانها منذ الظهيرة وحتى المساء أي بعد أذان المغرب في رمضان البائس ذاك.. كان رد الدبابة على تلك الضربة حينها أن وجهت سبطانتها نحو حارتنا وضربت ضربتين سقطا في منزل جارنا الأرضي، ووقعت الشظايا في منازلنا، في ذلك اليوم بالذات مع كل الغبار المتكاثف الذي نُفخ في وجوهنا، رأيت شبح الموت يتجسد داخله وينطلق نحوي بسرعة مدهشة، ثم ينعطف نحو عائلتي الكبيرة والمرتجفة أمامي.. أذكر أنني في أيامنا التي قضيناها تحت الموت أو منذ بداية الثورة لم أبكِ إلا فيما ندر، وكانت هذه المرة الأولى التي أبكي فيها لأجلي أي لأمر قريب من عائلتي لهذه الدرجة، الخوف الذي سيطر علي من المشهد حينها هو أن الموت حتماً اختطف أحدأ منهم، بحثت في الوجوه، ابن عمي بنات عمي حولي سالمون، ركضت لمنزل عائلتي صادفت أبناء عمي الآخر في وجهي على قيد الحياة أيضاً، دخلت المنزل كان الجميع يقف هناك ليتأكد من سلامتي، عددت وجوههم لم أعرف العدد بالضبط لكني كنت أرتجف وأنتقض، نظرت لعيني أمي وسألتها: حدا مات؟ قالت لي: لا لا لا.. وبكت قبل أن تكمل سؤالها “أنتو مناح؟”.. وقعتُ على الأرض وبكيت معها ثم ارتفع صوت الجميع بالنحيب، قالت زوجة ابن خالتي النازحة مع العائلة كلها عندنا: إذا راما بكيت يا الله!..  لم أستطع أن أشرح لهم وقتها أني صادفت الموت، وأنه هددني بوجوههم جميعاً. بعد أيام قليلة استشهدت ابنة جيراننا التي شاركتنا تلك اللحظة بانفجار عبوات الغاز في إحدى حارات دمشق..

المسألة إذن ليست خوفاً من الموت، بل على العكس، الموت يخيفنا لأنه لا يمسنا نحن، لأنه يقترب من كل أولئك الذين نحبهم، ويجعلنا ننزوي عجزاً مع أرواحنا، يقضي اليوم مئة شهيد في خان شيخون حتفهم بعد أن ألقى الأسد عليهم غاز السارين، موتٌ صامت بلا ضجيج، بأجساد كاملة ودون مشاهد الدم المؤذية، هم يمتلكون “عيوناً شاخصة” فقط كما تقول صديقتي. ينتحب كل سوري في هذا العالم على ذلك، نختنق بقلة الأوكسجين رغم وفرته في المنافي، ثم نعود للتنفس الطبيعي، حتى تحدث مجزرة أخرى، نبكي مجدداً وفي كل مرة نتمنى أن نشاركهم الموت، إما لنتخلص من عذاب الضمير الذي بقي حياً فينا، أو يأساً من مواجهة كل هذا الجنون المحتمل في هذا العالم!

صديقي المفضل يوبخني كلما ذكرت له الموت مازحة ويقول: “الموت ليس حلاً وليس مهرباً لطيفاً”، وفي كل مرة أخشى أن أخبره أنني أعرف أنه اللعبة المفضلة في هذا العالم الأسود وأنني أتحمل ذنب الهرب نحوه مدعية رغبتي بالخلاص، وأنا أحمل داخلي نهراً كاملاً من الدموع تبكي المجازر السابقة واللاحقة في تلك البلاد، وتعرف كيف تنتحب وهي تنظر من شباكها على امتدادات لا يصب فيها دخان السارين غضبه، ولا يضخ فيها الموت حقده.. أخشى أن أخبره أنني أكره النجاة فعلاً وأن كل الشهداء أحبوا الحياة أكثر مني، وأنني إن قاومت كل هذه الأيام فهي كي لا أخجل من عيونهم الآن ولا في يوم القيامة!