أثقل من وطن..

يجردونك من نفسك دائماً كلما علت صيحاتهم لرميّك في أقبيتهم المخصصة للخارجين عنهم، في كل مرة تلمح في وجوههم نشوة انتصار علني على حلمك، رغم أنهم لم يقاتلوا يوماً ولم يجربوا الهرب في الأزقة الضيقة ولا الاغتراب في المدن الكبيرة التي تأكل من روحك ورغباتك كل يوم قضمة! ، هم لم يدخلوا في صراعات طويلة مع أنفسهم خوفاً وضعفاً ووحدة، هم لم يفعلوا شيئاً سوى التصفيق للقاتل بينما يكملون حياتهم على رفات دمائنا الذي لا يزال على تلك الأرض التي أحببناها..

هم يدّعون أننا خونة وأننا غدرنا بالبلاد يوماً، وأنهم الصالحون الجيدون الذي لم يكسروا اليد التي امتدت لهم فضلاً ومنة، وأننا جاحدون إذ رأينا كل ذلك الموت يتأرجح بيننا ويسرق منا أحبتنا ولم ننسَ، كيف لم ننسَ؟ أي كره هذا الذي نحمله في قلوبنا؟. يتحدث المتسامحون من قلب المعركة ويخبروننا أنهم ينتظروننا دوماً على الضفة الأخرى، يخبئون أسلحتهم الدنيئة يدوسون على قبور أحبتنا يضحكون لنا ولا يزال أثر الدم المتخثر على وجوههم بادياً كشبح مخيف، ويريدون منا أن نقف لصفهم، مرة وأخرى هكذا يُصلح الأمر. لا أدري من ذاك الذي شرح لهم أن الأمر له علاقة بنا نحن! وأنهم هم القتلة والغافرون في الوقت نفسه، وأننا نحن الموتى المهجرون والمعتذرون، من وزع الأدوار بيننا بهذا الشكل؟. أنا أخبرك.. الشخص ذاته الذي لم يرَ سلاح الأسد موجهاً نحو صدورنا عندما صدحت حناجرنا حرية، ولا في سماءنا عندما ألقى براميله الجوفاء فوق رؤوسنا لكنه ركز نظره نحو تفجيرات مدروسة لم يكن لفاعلها اسم صريح فتباكى عليها وألحق بنا اللعنات، هو ذاته الذي يرى بكل موت يمسهم جرماً وبكل موت يصيبنا مهما تعدد شكله انتصاراً، هم ذاتهم اللائمون على حقدنا يبادلوننا مع كل مصيبة سخرية تفوقهم حجماً..

نحن لم نعد ننتمي لشيء، نهبتم الوطن وقلوبنا، حتى القبور التي زرعنا عليها وردنا وودعناها بعودة ونصر، جفت في انتظارنا الطويل، أنتم حولتم الوطن الذي أحببناه دائماً لغصة لا ننتهي منها مهما اغتربنا وابتعدنا، نحن الذين لازلنا نحاول النجاة من ذاكرتنا فيعيدنا اشتباه بجنسيتنا لأصل كل شيء نهرب منه، أنتم أصبحتم الصورة الأسوأ للوطن والتي بتنا نخاف أن نعلقها في مكان واحد بجانب التي حملناها معنا في مواطن الاغتراب. أخاف على الذين لا يزالون بينكم يحاربون كرهكم وسوادكم عن قرب صامتين، لأنكم مع كل ديمقراطيتكم تحاربون كلمتنا كوحوش ضارية تعتقلون وتغتصبون وتسرقون حتى ولو كان مجرد حلم في عقل شاب مسّت الثورة قلبه ذات فجر. كل الذين أرادوا منا أن نبحث عن سوريا منذ أيام تحت لباسها المسوّد احمراراً لم يعرفوا كم كان الأمر متعباً، عندما تجد نفسك خالياً حتى من حقك في أن تهتف لوطن، بعد أن تقاسم الوطن معك جرحاً أكبر منك ومن شوقك ومن حاجتك، وجع لونه بلون الدم، فلم تستطع أن تنسى..

نحن بعيدون جداً، ونحاول ممارسة الحياة تماماً مثلما تفعلون ونعجز، الحياة التي تظنون أنها الخير لأننا خارج دائرة عذابكم وكأننا منحنا الجنة خارج الوطن، ونغرق بالنعيم ونرمي عليكم وزر اغترابنا. تتناسون كم كنا تحت العذاب بينما نعمتم أنتم بالمسيرات التي يُرمى عليكم بها ورد ورز وسط دمشق، وسط عاصمتنا، في قلبنا نحن الذين كان الرصاص هو شريك ساحاتنا. نحن لن نصل لنتيجة معكم هذا الأمر حتمي، دفاعكم عن رغبتكم بالعيش هو ذاته دفاعنا عن ذاكرتنا التي تلونت بكل ما مرت به فأصبحت بلا لون، دفاعكم عن صوتكم الذي تريدونه أن يكون حراً وللجميع، يشبه دفاعنا عن اسمنا متى ربطتموه في الخيانة واللاوطنية، دفاعكم عن حزن سوريا بسببنا، هو ذاته دفاعنا عن حلمنا بسوريا أفضل، بينما تنعمون أنتم بكل ما يؤمنه لكم نظامكم الباسل من فرص للحياة، نغرق نحن بؤساً بمتابعة كل موت يمس أطراف البلاد، ذاتها البلاد التي يقطن فيها الخارجون عنكم والتي تعتبرونها هامش موت تصلحونه بانتصار زائف وتزرعون فيه حياة تشبهككم لاحقاً ..

كل آمالنا اليوم صارت سوداء ونحن نحارب العالم أجمع هذا عذاب ضعف الذي عشتموه وأنتم تمثلون المقاومة، ونحن هنا نحارب ونقاوم ونحاول.. حتى أجل النهاية!. لا حياتكم لنا .. ولا نرغب بها .. وكل ما بقي لنا في هذا العالم المقيت مجرد ذاكرة ثقيلة جداً كانت تحلم ذات رغبة بوطن..

Advertisements

في طريق العودة..

يفتح الحرّاس باب القلعة الضخم جداً حيث يستعينون بعشر بنادق، وطائرتان وثلاثة صواريخ وبرميل محشو بالديناميت لفتحه، صوت احتكاك الباب بأرضية الدم يصدر صوتاً مزعجاً لكن أحداً لا ينتبه لذلك، فالقادمون الكُثر يريدون الوصول إلى الداخل وحسب، يريدون وضع أمتعتهم المرتبة في المكان المنتظر، فالخارج كان متعباً ولا يكف عن لفظهم وطردهم متى تثنى له الأمر، لم يصدق أحد خارج أسوار القلعة أنهم مهددون وأن هناك عشرات الجيوش تريد الانقضاض على قلعتهم الجميلة، وآخرون لم يصدقهم العالم خارج الأسوار رغم عاشوا تحت ظل ذلك الظلم سنيناً ليدركوا أن هناك يداً داخلية تبطش بالجميع باسم الاعتداء الخارجي.  أخبرتهم بعض الرسائل التي وصلت على أرجل الحمام الزاجل أن هناك بعض الخراب داخل أسوار القلعة وذلك نظراً للهجوم الشرس الذي تعرضت له من أعدائها الكثر، ولكنها بقيت صامدة متينة تقاوم كل أشكال الموت الذي لا يحلق فوقها بكل الإمكانيات اللازمة، فأصبحت تلقي الخطب الكثيرة عن طريق رجال القصر الملكي، وتتبعه ببعض التصريحات التي تُنزلها في جريدتها اليومية وتوزعها على عوام الشعب، أصبحت تزرع فرقاً موسيقية على كل شارع رئيسي لتغني لمجد الصمود، سمحت بالضحك، وخصصت جوائز لكل مصفق يصدر صوتاً أعلى بيديه، قامت بالاحتفالات الكثيرة وأطعمت أهلها الذين أثروا البقاء فيها على محاولة الهرب، وأصبحوا مواطنين شرفاء فلم توصمهم بدرجة مواطن ثاني. كانت القلعة صامدة كما يبدو لجدرانها العالية والمتينة، لكنها استخدمت سياسة رد العدوان بضعفه، ولأن منجنيقاتها كانت محلية الصنع وحديثة، ولأن بعض أصدقائها الذين تكرموا عليها بفضل المقاومة ورد العدوان الغاشم، أهدوها الكثير من الحجارة المتينة التي تشتعل ناراً متى انطلقت، لم يجد الجناح العسكري للقلعة بداً من تجريب الأسلحة قصيرة المدى داخل القلعة ليختبر فاعليتها، فأصبح ينهال بها على رؤوس أهل المدينة من الداخل، ويستمع لعويل موتهم ليتأكد من نوعية أسلحته، كان هذا الأمر المكرر يجعله مؤمناً بأنه سيغزو العالم عندما يقرر الخروج خارج أسوار القلعة، لكنه بالطبع لم يفعل.

عندما دخل المواطنون “درجة ثانية” وهم الذين توقعوا أن الأمر برمته قد انتهى، وأن الحياة ستعود لتقاسمهم خبزهم بدل الموت، تنبهوا للخراب الكثير الذي يشكل الجزء الأكبر مما وراء سور القلعة، الخراب الذي ضم منازلهم وبعض أهلهم الذين تركوهم خلفهم، على الجانب المقابل كان هناك مظاهر حياة لم تصبها أذية، مشهد مقتطع من عالمين مختلفين تماماً، كانت وجوه الناس في الداخل سوداء قاتمة تعلوها غشاوة سوداء من الخيبة، أحداقهم جافة ونظراتهم باردة، بادئ الأمر ظنوا أنهم قد أخذوا كل السوء الممكن مما شاهدوا وأن الأمر لا يتعدى أنه مقاومة المرارة وسينتهي بانتهائها وتعود الأمور لمجاريها، اقتنعوا أنه بإمكانهم تغيير المعادلة، بالطبع سيعملون ليعيدوا لهذه القلعة العظيمة حياتها، تم اعتقالهم بتهمة التفكير، وحبسوا في الأقبية المخصصة للخونة، تسأل أحد الشبان “أولم تقولوا أننا بحاجة لنعيد بناء بلادنا لماذا رميتمونا في السجن؟”، أحدهم أخبره هامساً “أن شرط العودة كان الصمت، ما كان عليك أن تتحدث بصوت مرتفع يا صديقي”، كان السجان الذي يشرب الخمر ويقهقه مع زميله الآخر على المقبرة الجماعية التي تقع عند سور القلعة الخلفي، كان يشرح له وضعيات الأشخاص الذين قام برميهم هناك، لم يستمع لصوت الشاب فهو كان يتحدث في نقطة أكثر أهمية، كيف سيبنون على تلك المقابر الكثيرة أبنية الحقبة الجديدة، حقبة انتصارهم المزيف!

كل الراكضين إلى ما خلف القلعة العظيمة تعثروا ببقايا الجثث التي امتلأت بها الطرقات، والتي لم تكن عميقة بما يكفي كي لا تخرج من تحت الأرض، لم يتمكن أحد من معرفة أين موضع قدمه بالضبط هل مس رأس ضحية، أم قلبه، أو أنه قام دون علم منه بالضغط على إصبعه الذي رفعه مقاوماً جندياً حقيراً وجه نحو صدره رصاصة. كان الراكضون إلى حضن البلاد كما أرادوا أن يعتقدوا دوماً يظنون أنهم عادوا إلى مكانهم الآمن والخاص، لم يدرِ أحد منهم أنه وقّع بالدم في أول خطوة خطاها على تراب الوطن المليء بجثث الصامدين المذبوحين بأن القاتل الذي كذب في حمايته لصرح القلعة العظيم كان اليد الأولى في كل الخراب الذي آلت إليه، وأنهم بكل صمت جديد سيمارسونه غصباً أو جهلاً سيحفرون قبوراً جماعية لهم أيضاً وسيتكفل هو حينها بتسمية الموت الذي سيُصب عليهم باسم جديد “الإرهاب _ الخيانة _ التفكير _ التمرد _ الجرثمة _ الاندساس” فالقائد هنا خبير برد الاعتداءات الخارجية بإغراق شعبه في الداخل بالدم!

مرّ وقت طويل ولكن!

لا أحد يمنح عنقه امتدادًا إضافيًا لتتسع رؤيته كما يظن حتى وإن شاء ذلك، تعال نرتب الأمر معًا، تبدو الحياة بعد ست سنين من الثورة فارغةتمامًا بعدما تحولت كل الأشياء المحببة إلى صور وبقيت الحقيقة الكاملة هي السواد الذي يبتلع الحلم الصغير ويبدده..
التوزع الجغرافي الذي بات منحصرًا في زوايا البلاد اليتيمة، والذي يزداد ضيقًا على ضيق، ويتحول من محَرر لنمارس فيه ثورتنا في البلاد كما نشاء إلى ثقل يجثم على صدورنا بكثرة الموت فيه وتوزع الرؤوس والسلطات.. إن فكرنا بالأمر على أنه أحقية اجتماعية أقصد أننا نتحدث عن مجتمع كامل بكل توجهاته ومغالطاته وتعقيداته هذا الأمر لا يقلل أبدًا من صعوبة الأمر منذ بدايته، لا يمكنك أن تكون ابنًا لهذا الحراك إن لم تصادف هذه النماذج بشكل مصغر في طريقك.. لم تكن تشكل محورًا ربما ولكنها اليوم تتمركز على حدود ملكك وثورتك وحلمك!
الوقت اليوم متأخر جدًا، متأخر لتحلم.. لتفكر.. لتثور.. لتصنع فرقًا، مؤسف أن تكون ولدت ثائرًا بعمر صغير جدًا بخبرات قليلة وبرفاق قلة، تجوب الشوارع المحتلة خائفًا لا تملك خطة ولا تتمكن من اصطناع فرصة ضئيلة لتزرع وردة حرية في دربك المعجون بالرهبة في مدينتك الأم التي تتحول مع الوقت إلى “زوجة أب ظالمة”، يبدو الفرق كبيرًا عندما تفتح عينيك الآن على كل هذا، عمرك الذي مضى والطريق الذي كان أخضرًا وتنوعت شعابه وألوانه، تفتحها على أحلامك الصغيرة التي نضجت الآن بتأنٍ ووحدة، وبمخزونك الفقدي العظيم!
مر وقت طويل جدًا ولم تعد الخيارات هي ذاتها، لم يعد إثبات الأمر ضروريًا لقد أصبحت محسوبًا على هذا الطريق ولو كنتَ بخيلًا فيه أو مجرد عابر عاجز، مر وقت طويل جدًا ولم تكن حجرة أساس ربما، أو أنك لم تكن موجودًا أصلًا، فقط صورة تمر في خيال العابرين في ذلك الطريق، عمر صغير كما ظننته فتح عينيك على عمرك الكبير الآن، الشوارع التي أحببتها وأحبتك وغنيت لها وفيها والتي أصبحت اليوم أسيرة تحت سلطة السلاح.. لا تدري أي سلاح بالضبط لكنه موجه نحو صدرك وحلمك بأحقية اقتلاعك من أرضك، أصدقاؤك الذين كانوا أجبن من أن تستند عليهم في أول الدرب وتركوك لكل ما هب في وجهك عاصفًا تصنف خياراتك وأفكارك وحيدًا، وأولئك الذين كانوا أجبن من أن يشاركوك الحرية بصوت مرتفع، فكان صوتك الوحيد ظاهرًا وواضحًا ومحروسًا بقدرة قادر! .. الطريقة التي رتبت فيها أولويات الوجع وشخوصه عندما كان الدرب هينًا جدًا ومحدودًا جدًا، لا داعي أن تفكر كثيرًا هي ميتة واحدة في سبيل واحد وإيمان واحد، كان هذا قبل أن يمر زمان القحط الطويل هذا، قبل أن تختنق بكل براميل الموت والكذب والإدعاء، قبل أن يصبح موتك مسببًا ومبررًا لتفكر ألف مرة، هل تغيّر الطريق حقًا أم أنني تائه وحسب؟
رغم كل الرومانسية المفرطة التي تعاملنا بها بادئ الأمر، والتي كبرت معنا منذ كنا صغارًا ونضجت اليوم كفكرة عظيمة مضيئة حقيقية رغم كل هذا الزيف، الثورة التي لا يمكن لنا أن نحيد عنها بعد أن صنعت منا هذا الشخص الذي لا يعرف أن يتبع أحدًا سوى إيمانه، الإيمان الذي أبقانا على قيد الكرامة طوال هذه السنين، الفكرة وحسب بأن التعب الذي يمسنا منها يدفعنا للهرب وقد يظن البعض أن هذا الهرب هو أصل التخلي عنها، لكنه في الحقيقة هرب من أنفسنا الحالمة إلى الأنفس البناءة التي تسعى لتغيرَ شيئًا على الأرض لا التي تتباكى على الأطلال ثم تغفو من جديد! .. الأنفس التي كانت صغيرة جدًا في بداية الحلم ولم تجد مركبًا ينقلها إلى الدرب بكامل اندفاعها، لكنها اليوم صنعت فُلكًا جديدًا يليق بهذا الحلم متوازنًا أكثر.. مسؤولًا أكثر.. حقيقيًا أكثر.. لا يشوبه تزييف ولا كذب .. أي أننا في توازن الأمر كي لا نكرر سقطاتنا واحدة تلو الأخرى، كي لا يصير ماضينا قليل الخبرة هو حاضرنا وغدنا، كي نخلق فرصاً جديدة بإمكانيات يمكن صنعها في هذه السنوات التي مرت وتمر دون أن نتباكى لألف يوم آخر، علينا أن لا ننسى ثأرنا الماضي ولا قسوة الذي مرّ، علينا أن لا نُضيع وجوه الشهداء والغائبين الحالمين، لكن نحن في معركة كسب ذواتنا اليوم فإما أن نكون على قدرها أمام كل هذه الرِماح الموجهة نحونا، أو نبقى محصورين في أماكننا الضيقة نوجه أنظارنا للماضي نعيد رسم يومنا بذات الطريقة وننتظر مستقبلاً مخالفاً .. وهذا والله أسوأ ما قد نفعله كثائرين!

ستسقط كل الوجوه التي ركبت على الثورة كما سقطت أعتى الديكتاتوريات والواجهات التي ادعت صلاحها وحكمتها وخيرها على مر سنين الصمت والقمع، سيسقط كل شيء وتبقى الفكرة الأصل أننا باقون هنا ولأحلامنا بقية ولا فناء لثائر ولا نهاية لثورة مهما طال الأمد فلنكن على قدر إيماننا بما يليق بها!

خرجت ولم تعد..

يغلقُ أحدهم القضبان بمئة جنزير ومفتاح وقفل .. كأن الروح التي تقف خلفه تبدو قادرة على الهرب أو حتى محاولة تجاوز كل أولئك القتلة المؤقتين لتنجو ..

في الحقيقة لا يبدو أنها راغبة بالنجاة ..

خارج القضبان تبدو الحياة مألوفة .. حياة طبيعية جدًا .. يشتري الناس حاجياتهم .. يبيع آخرون .. يلعب الأطفال في أغلب حارات المدينة .. يتجادل سائق التاكسي مع الركاب .. يحكي الحلاق حكاية الخاتم العجيب في فم السمكة للمرة المليون .. تسير امرأة حامل في الطريق فيساعدها أحد الرجال في جرّ عربة ابنها .. تسمع صوتًا حادًا يطلقه أحد الأطفال المتذمرين داخل الحديقة في وجه أمه التي تخبره أن الوقت قد انتهى .. الأطفال جميعهم لا يفهمون لعبة الزمن مبكرًا ..
كانت طفلة ذات يوم .. وكانت لا تعرف عن الزمن شيئًا .. خلف هذه القضبان الباردة تعلمت أن تنسى ذلك الذي يسمى وقتًا كي يكف عن حرقها كلما مر .. حاولت أن تعود طفلة .. طفلة لا تدرك من زمنها شيئًا .. لكنَّ وجعًا ما .. وجع لم ولن يبرأ في جسدها يذكرها في كل مرة أنها تجاوزت ذلك الوقت .. أنها كبرت أكثر من اللازم .. وأن الساعات ستبقى سجنها حتى وإن رأت السماء مجددًا ..

تغفو ..

تبقى أصوات الأقدام في الخارج تدق ناقوس الخطر فوق رأسها .. هنا تعلمت أن تلعب لعبة الاكتشاف مع تلك الأصوات، هذا رجل غاضب يحاول تجاوز زوجته .. وهذه خطى زوجته الصغيرة المتململة .. هذا طفل يمشي حديثًا وأمه تركض خلفه كي لا تسرقه سيارة مسرعة … هذه خطوات عاشقَين يبدو أنهما يمتلكان وقتًا كافيًا للحب وعمرًا يكفي ليسيرا في كل شوارع الشام معًا … تذكرت أنها ذات يوم امتلكت مثل هذا الوقت معه، قبل أن تبتلعهما العتمة …      هي لا تدري إن كانت تسمع الأصوات حقًا أم أنها تهذي.. لكنها تعلم جيدًا أن هذه اللعبة أنقذتها من خطر الوقت وحسابه .. تُكمل حديثها مع نفسها .. تُحصي السيارات المارة فوقها .. كيف يمكن أن تكون الحياة جحيمًا وجنة في ذات البقعة يفصلهما خط أرض واحدة إلى هذه الدرجة؟!
يدخل السجان يوقظها من نومها .. تذهب للتحقيق .. ثم تعود .. هي لا تعود كاملة كانت تدرك أنها بعد كل رحلة تحقيق وتعذيب تمر بها تنقص جزءًا .. هكذا حتى تنتهي كلها هذا ما تعزي نفسها به دائمًا عندما تسخر من مصيرها: “وزني مو كتير كبير .. هانت لاخلص” .. ثم يعود لها ذلك الوجع في موضع ما .. في حرقة ما .. يفتح داخل روحها موتًا أحمرًا وهي على قيد الحياة ..
هذا السجن كان الفاصل الوحيد بينها .. وبين حلمها .. روحها .. صورته الجميلة في عينيها … صورتهما معًا .. عائلتها .. مستقبلها .. أخيها الصغير الذي أراد أن يصبح خالًا لأبنائها منذ كان في الخامسة من عمره .. بينها وبين آخر الأمنيات في حياتها أن ترى السماء للمرة الأخيرة كما أحبتها دائمًا .. قد يجبرُ هذا المشهد كل أيام العذاب التي مرت بها… هكذا تتخيل!
تغفو مجددًا .. يدخل السجان بعد ساعتين .. يناديها .. يركلها .. يرش الماء البارد عليها .. كانت قد اتخذت قرارها في أن تكسر هذه القضبان .. خرجت بروحها نحو ذلك العالم الذي لم يعد يعرفها والذي لم ينتبه لغيابها يومًا  .. خرجت لترى إن كانت الحياة تبدو مُنصفة بين جحيمها وجنتهم .. خرجت ولم تعد .. ولن تفعل!

في ذكرى المجزرة..هل تحولنا إلى مجرمين حقًا؟

في العودة إلى البداية عندما انقسم المجتمع السوري إلى شريحتين، المؤيد والمعارض، كانت الغاية انحصار الكيان الثوري على تقديم أبلغ الصور والتوجهات السلمية لعرض الثورة كسبيل للتغيير والعدالة في الوطن المُبتغى، تحت مظلة واحدة وكيان مشترك يجمعنا جميعًا بكلا التوجهين المدنيين، لكن حينها مارست قيادة الطرف الأخر بسطوة النظام وأسلحته وهمجيته جميع الأساليب الممكنة لإخراس الصوت، من الاعتقال والخطف والتعذيب وصولًا إلى الموت. الفئة الأكبر من المؤيدين كانت تتعامل معنا لا كوننا طرف آخر، بل كعدو آخر.. جميعنا مُورس عليه الإرهاب المصغر من أقربائنا وأصدقائنا، وجميعنا حاولنا تحاشيه كي نحافظ على كياننا الهاتف “الشعب السوري واحد”.  يأتي السؤال الحقيقي هنا.. هل كان الشعب السوري منذ ذلك الوقت وحتى الآن واحدًا فعلًا؟.. بالطبع لا.. كل الصور والأحداث والتبعات التي أنتجتها الثورة أكدت أننا لم نكن يومًا كذلك، وبعضنا فقط من أدرك أن الحقيقة أوسع من فكرة طائفة أو دين أو ثورة، الأمر نابع من أشخاص عاديين عاشوا بيننا ومعنا وقتًا طويلًا، وتحولوا إلى مسوخ ينتظرون موتنا، أو يطلبونه أو يرموننا نحوه، سواء كانوا جبناء أو مستفيدين، لكنهم في الحالتين كانوا حاقدين جدًا..

في كل مرة توضع الثورة أمام خيار إثبات فضيلتها كانت تنجح، عند كل مجزرة تدك مناطق النظام كانت أصوات المعارضين الرافضين أعلى من أصوات المؤيدين النادبين، كنت تجد الرفض والشجب والاستنكار يفوق أي ردة فعل تخبرهم أن هذا الأمر يقع في نصف الكرة الأخرى، النصف الذي يهبط الموت عليكم منه كل يوم وكل ليلة، ورغم ذلك كانت المشاعر الثورية تقف خجلة أمام الظلم، وهي تعرف أن الموت لا يجب أن يسقط بين الجميع وأن هناك حتمًا مدنيين لا يستحقون الموت وأن أخلاقنا الثورية لم تخرج لهذا، المناطق المحررة تضم في غالبيتها النسبة الأكبر من المدنيين كانت تُدّك يوميًا بمئات البراميل ولم يصدر صوت شجب واحد من أهالي المناطق التي تقع تحت سلطة الأسد، بعض الأشخاص يقفون في الحياد المميت هناك لخوف أو رهبة أو لا مبالاة، لكنك تسمع صوت الشامت والناقم والمستهزئ يعلو على جثثنا دائمًا، كان الأمر جليًا في كل المجازر التي سميناها والتي لم نسمها، آخرها كان في مجزرة خان شيخون..

وتزامنًا معها بعد قرار المدن الأربع الذي تم على إثره استبدال أهل الأرض بغير أهلها، حدث تفجير أودى بحياة أطفال ومدنيين وأفراد تابعين لجيش الأسد أثناء إتمام الاتفاق، كان إعلاميو الثورة وثوارها على مقربة من المشهد لكنهم لم يكتفوا بدور المتفرج أو الشامت، الجميع اتجه لينقذ الضحايا، الكثير من المسعفون في الدفاع المدني الذي يعتبره النظام ومؤيدوه جزءًا من منظومة المستحقين للموت اتجهوا لإنقاذ الضحايا، أحد المسعفين كان يمسح جراح طفل صغير فسأله الطفل: “عمو أنتو بتدبحوا بس ما رح تدبحونا ما هيك؟”.. المسعف الذي لا يزال أثر غاز خان شيخون في حلقه مختنقًا تحدث عن ذلك قائلًا: “لربما ضمدت جرح من سيأتي ليقتلني غدًا”..

نحن كنا هكذا أمام كل اختبارات الثورة الحقيقية تتفوق أخلاقنا عليهم، سواء في محافل إثبات الفرق بين الجزار والمدني والفصل بينهما، أو في تبرير كافة المشاهد والتصورات التي يقوم بها بعض القاطنين تحت سلطته، كنا نضمد جرح قاتلنا ونحمله بعيدًا عن الموت، ندعو له بالنجاة، نربت على مواجعه إن لمسناها.. وفي الطرف المقابل يربي هذا الأخير ابنه أن كيف سيقتلنا عندما يكبر، وكيف سيوجه نصل سكينه إلى صدورنا كي لا نهتف مرة أخرى “يسقط الأسد” وربما كان يفعل ذلك قبل أن نهتف بهذا أصلًا.. كل ذلك الموت العظيم، كل الحكايات التي ضغطت علينا لتجعل منا مسوخًا كانت تبوء بالفشل.. لكن حتى نكون صادقين تمامًا كثير منا تشوه الإنسان داخله، وكثير منا أصبح يعاصر الحقد ويعيشه على أنه الشعور الأكثر أحقية له أمام كل الذي حدث له وكل ما سيحدث.. لم يعد من الممكن أن تتقبل علَمًا للطرف الآخر في أرضك تمامًا كما يعتبر الآخر رايتك كفرًا أكبر، لم يعد من الممكن أن تدخل في نقاش مع شخص بالنسبة لك منذ البداية باطل وربما يكون مشاركًا بالدم الذي نزفته حتى.. بعد أن تأكدت أن القاتل وتابعه موقِنان بضرورة موتك ليتابعوا حياتهم، بينما كنت تبحث أنت دائمًا عن جدوى لحياة مشتركة لكما معًا في وطن واحد. أخيرًا ستوقن أن هذا الوطن لن يكون واحدًا يومًا وأن الست سنوات المنصرمة أثبتت بالدم والظلم والنار أن لا حق يجمع القتلى مع الجرحى والشهداء تحت سماء واحدة..

هل حولتنا الثورة إلى وحوش؟ أم أننا لم نستطع أن نحافظ على إنسانيتنا بشكل تام أمام كل هذا الكم من الحقد والموت المصبوب علينا؟ هل يقيننا أننا وحدنا وأن الحق هو أن يكون الطريق والسبيل عالمًا لا يشاركنا به أولئك الذين عاشوا على موتنا حياة زاهدة قابلين بفتاتها على أن نشاركهم بعضها هو الصواب؟!..

في الحقيقة نحن لسنا وحوشًا لكننا متخمون بالجراح والصبر وفي قاموسنا الثوري لا مغفرة لقاتل..

أن تجدّف غارقًا..

افتح مغاوير قلبك المغلقة، ومارس سخطك بصوت مرتفع، جراحُك التي تفتحها أصغر الأشياء التي تحدث حولك، صور قديمة لمدينتك بعد أن أصبحت باهتة جدًا، الماضي الممتلئ بصور الغائبين، الحياة الحقيقية حولك والتي تعد في الحقيقة قطعة من حجر جهنم لا تنفك عن محاولة ابتلاعه صبرًا واحتسابًا بعد أن كنت تأمل برميه في وادٍ سحيق عندما كنت تفكر بالهرب.. الآن أنت تخاف الخارج..

لماذا أتحدث بصيغة المخاطب؟

أنا من أخاف الخارج يا أبي، أنا التي لا أعرف إن كنت قادرة على المشي مرة أخرى بلا تعثر، أخاف إن جازفت بالخروج كما كنت أريد سابقًا..  أن أسقط، كما كنتُ أسقط بخطواتي المبكرة جدًا عندما كنتَ تمسك بيدي وتبتسم لي، لقد سقطت كثيرًا في الفترة الأخيرة لكني دائمًا ما سقطت وحدي، كانت يدك بعيدة جدًا، وكنتُ أنا مزروعة في الغياب كوردة تذبل رغم أنها تحمي جذورها جيدًا، كنتم تربة الأرض التي حاولت حمايتي، لكن لا ماء يسقيني هاهنا، لذلك جففت سريعًا وربما مت، أعلم أنني لا زلت أبتسم..  في النهاية الموت لا يعني أن يكف الشخص عن خلق فرص عيش له كالأشخاص العاديين، إنه فكرة منفصلة، مثل أن أحبك بصمت دائمًا، كأنك تسمعني.. مثل أن ينفرط قلبي في جوفي لألف قطعة وأعجز عن لملمتها بينما يظن الناس أن الصوت الذي صدر عن ذلك محض شيء عابر في الخارج.. كل الحكايات التي تتضخم لتصير جزءًا من كوابيسي هي قبور في الذاكرة، كنتُ أظن نفسي ذكية عندما استحدثتها هناك، باتت القبور ظلامًا ضخمًا يبتلعني كلما مر وقت أطول..

الليل في دمشق.. أو لنتحدث عن كل الطرق التي أسلكها عائدة نحو دمشق وتبدو مبللة، الدمع الذي أعجز عن استحضاره في حياتي اليومية، يغرق دروبي العائدة نحوها دائمًا، أمشي داخلها بينما تبادلني هي ذات البرود المخيف الذي تمارسه عليَّ هذه المدينة، فأصغر فيها كطفلة تربكها الخطوات دون يد أمها، في تلك الزاوية التي كنت أفضلها في شوراع دمشق القديمة، حيث يقف بائع اللوحات مقابلًا لها، هناك في العتمة أكمل منامي مرتجفة، عندما أعرف تمامًا أن أغلب الأشياء في عقلي محض وهم، وهم بكل ما كنت أحبه قبل هذا العصر، ووهم آخر يجعلني أكرر تأجيل كل ما أرغب بفعله لحياة أخرى، الحياة التي لا يعرفها أحد سواي..

في دمشق تعرف أن الحب هو أقدس الأشياء التي ستعيشها هناك، وما إن تحمل معك قلبًا دمشقيًا في حقيبة سفرك، ستعرف أنك ستبقى تائهًا فيه ودونها للأبد، بينما تبحث عن الشوارع التي لم تمشِ بها يومًا لتتخيلها في محولة معافاة روحك الهشة… بينما تبقى تعزي نفسك بعودة.. أخيرًا يا عزيزي أنت لن تقع بالحب بشكله التام والمكتمل… هناك شيء ناقص دومًا ستثق أنك لن تحب دونها قط..

دمشق المنزل الذي هُدّم فوق رأسك ولا تزال تصنع من حجارته الصغيرة خيمة!

أنا صاحبة الذاكرة المريضة، التي تنقلت بين محطات هذا العالم ما بين ثورة .. وموت .. نزوح .. فهجرة ثم عجز عظيم لا ينفك يحطم كل ما أحاول تجاوزه ويعيدني لنقطة الصفر دومًا، أنا التي لم أعش ربع حياة قبل الثورة، ثم عندما حاولت العيش أغرقتني الخطايا وسحبتني موجة الحرية معها حيث ذهبت، لم أكن كبيرة حينها سبعة عشرَ عامًا لن تكون كافية لترسم صورة كاملة عن أحلام فتاة أو رغباتها أو حتى عن الفتاة نفسها، لكني اليوم وكلما أطلت حياة عادية ورتيبة جدًا حولي لآخرين أتساءل كيف كنت أعيش قبل هذا؟ هل كنت أملك وسطًا مشابهًا وعائلة وأصدقاء وروحًا فعلًا؟.   في الحقيقة يا أبي لقد أصبحنا مشوهين أكثر من اللازم، نحن نسينا كيف كانت الحياة ولا نعرف كيف سنعيش الحياة التي قد تكون لنا لاحقًا .. حتى فرصنا بالنجاة أصبحت محض كذبة.. لقد غارَ البحر ونحن نجدّف سفينتنا في التراب فقط!

 

عائدٌ من المعركة ..

كنت أمسك يدك بقوة وكأني أخاف أن تفلت مني مجددًا.. أي أذية أخرى أكبر من أن أفقدك بين غبار المعارك من جديد؟.. أمسكتها رغم أنك كنت تقف خلف الباب لم ألمح وجهك.. بدأت أنادي على عائلتي فرداً فرداً أبشرهم بعودتك.. كان يكفيني أن تكون يدك سليمة .. تلك اليد نفسها التي أدماها الرصاص سابقاً وأغرقتها الدماء .. لم أكترث عندما أصبح لون يدي أحمراً .. لم أفكر في غسلها حتى .. كان يكفيني دمك لأطمئن أن ما أراه ليس حلماً .. كنت أشعر بك!

دموع أمي تكفي لتغرقنا وتغسل يدك ويدي وعمرينا معاً .. تكفي لتجعل مدينتنا المدمرة تزهر من دمعها المالح .. لم يكن يعنيني أن يسقط السقف المتهالك فوقنا .. كانت القذيفة التي سقطت عليه كما يبدو مائلة .. إنه يميل يساراً كقلبي الذي يحتويك .. كنتُ أستند عليك ولم يكن يعني لي سقوط المنزل فوقنا أي شيء .. كان وجودك هو الفرح الوحيد الذي يستحق التضحية .. حتى ولو بعمري ..

كنتَ تبتسم .. كأن وجهك لم يتغصن تعباً .. كأن المسافة لم تؤذك بنا يوماً .. كأن صوتك لم تبدده ساحة حرب ولا هرب من موت موشك .. كأنك أنت .. لم تتغير أبداً .. وكأن كل الذي مضى منذ رحلت هو الحلم .. وجودك الآن ويدك بين يدي هو الحقيقة الوحيدة في هذا العالم .. نسيتُ صوتي .. لم أكن أرغب بالتحدث أصلاً .. كنت أسكرُ بصوتك وأحلّق معه .. بسماواتي الوحيدة .. بعيداً عن أعين الجميع المتعطشين لأخبارك .. أنا لم أكن أبحث فيك عن أي خبر … أنت هنا .. أريد أن أسمعك تقول فقط “هذي البلاد لنا .. كما أنكِ لي .. ولن نمضي” …

ابتعدت عني مسافة صغيرة حتى بدأت أدرك أن صوتي أصبح صراخاً: “كم جرحاً فُتح في جسدك؟ كم رصاصة سقطت في روحك؟ كم شهيداً دفنت وأنت تبكي نجاتك من الموت؟ كم مرة تذكرتني في طريقك الترابي وأشعلت ناراً لتشعر ببعض الدفء؟ كم كانت المساحات الشاسعة درعاً واهياً؟ وكم كان الموت ملتصقاً قريباً منك؟ … لماذا لم تعد تجيب؟ لماذا بدأت ملامحك تختفي هكذا؟ لماذا تهرب ابتسامتك مني؟ أين أنت؟ ما هذا السواد العقيم الذي أغرق به؟ لماذا لم يعد المنزل موجوداً؟  أنت!!”

أستيقظ من كابوسي مجدداً بذات الهيئة المرتجفة الخائفة .. هل هو كابوس فعلاً؟ .. أعرف هذا السقف .. وهذا الصوت المزعج الذي يصدره التكييف فوق رأسي .. لقد عدتُ أهذي من جديد .. لا أحد هنا .. لن يعود هنا أيضاً .. لم نملك بلاداً يوماً ولا حباً ولن نملك أبداً … كل شيء تفلت منا على طريق الرحيل .. نحن وحدنا كما كنا دائماً .. وبيننا المسافات يا عزيزي .. والموت ..

نحن المسافة والرحيل .. نحن كل الموت .. كله!