آخر النفق..

كنا جمعاً ثائراً قررنا حينها أن نحارب على دمنا كل الأشياء معاً، وأن نقاوم رغم كل ذاك الوقت والخراب بثقة البداية نفسها، سقط بعضنا في أول الطريق ورحل آخرون في العتمة، وكُتِب على البقية الذين لم ينل منهم موت ولا غياب أن يحاربوا العالم، وأن ينتقلوا من صرخة في الشارع للمطالبة بالكرامة والحرية إلى نداء بإحقاق قليل عدل لهم في الأروقة الصماء، بصوت يكاد لا يزلزل ركناً صغيراً في هذا العالم الهادئ..

كلما جربت الهرب من كل هذا أعود غصباً، أعدد أسماء المختفين هناك بين اعتقال واحتياط وموت، أسمع صوت طفلة يمزقها الجوع في مدينتي، وأدرك خطى العابرين وتصعقني كثرتهم، فلا أحد هناك يقاوم الموت، الكل يركل أهله بقدمه ليتابع سيره، لا أحد يريد أن يمسه الخطر الذي نغرق فيه نحن، نحن الذين لم نعرف أن نصافح قاتل، أو أن نصالح على دمنا. في شارع المدينة المعتم ينام صبيان أمام فندق يكاد يفرغ إلا من جيوب الأغنياء، يحاولون إبعادهم عن الطريق كي لا يتشوه المنظر الحضاري للمدينة، أم تشتري لأبناءها طعاماً تستر عورة المال بابتسامتها لهم عندما يأكلون بعد جوع، رجل يخفي هويته في جيبه الخلفي كي لا يتذكر أنه من المدينة المغضوب عليها، يكفيه أن يتذكر ذلك عند كل حاجز لعين، غالباً ما يفضل قطع المسافات مشياً، فالموت الفردي في هذا العالم أكثر مصداقية..

لم نعد نريد أن نكون جزءاً من كل هذا، حتى من محاولة النجاة الضئيلة التي تخنقك خياراتها وتحددك متطلباتها، وتسمع فيها ما يهدد أمنك واستقرارك اللحظي في كل مرة، حيث لطالما رُدد عنك بالخفاء “كان الأولى تحترمك بلدك قبلنا”، لا يمكنك المحاججة بظلم، أنت ابن الظلم الأكبر، الشبح الأسود الذي ابتلع ماضيك وحاضرك وغدك، كيف تريد من الآخرين أن يمنحوك عدلاً؟ ، أو جزءاً من حقيقة كونك الشارد الضائع في ظل الظالم، تحاول كل يوم أن تنجو بروحك من كل هذا الموت المقيت، تحاول في كل مرة أن تمنح نفسك تبريراً واحداً لمنطقية البقاء محاصراً بكل هذا البطش، فلا تجد!

كل هذا العالم تحول إلى سجن، من أصغر بقعة تعتقل أجساد من نحبهم وتكيل بهم كل أنواع العذاب والظلم، لأكبر بقعة جغرافية يعيش فيها حاملو الجواز الكحلي مع القليل من الأمان، وكثير من الوجع والتعب وبقايا الحلم.. كل وقت يمر يؤكد لك كم يجعلك الحزن ناقصاً وكم يجعلك الفقد فارغاً إلا من صور الراحلين وأصواتهم، بينما تطوف روحك في كل الأماكن التي خلفتها في مدينتك وفي المدن التي زرتها مهاجراً مسافراً وأنت تظن أن بعض الموت سيتضاءل أو أنك ستنجو ربما، والمرارة أن لا نجاة طالما أن قلبك لا يرى المسافة بينه وبين كل أولئك المحزونين إلا عجزاً وقهراً.. نحن أبناء اللعنة التي تجعلنا نكفر بكل هذا الظلم الذي يلحق بنا، ونحن نثق ألف مرة أن لا مفر من كل هذا .. لا مفر! .. ولا زالت الوداعات هي سبيلنا الأسود بين موت واختفاء ومتاريس حدود.. وأحبة ننادي اسمهم في الفراغ ولا يجيبنا إلا رد الصدى أن “لا نجاة لكم ..لا نجاة منهم!” ..

Advertisements

كيف تصافح الموت في الغربة!

يأتي عادة خبر الموت المفجع في هذه البلاد على شكل صدمة خرساء، تتبادلها مع أهلك بينما يحاول كل منكم تخبأة ما يفكر به وحده، صباح أمس أيقظتني أمي من كابوسي الذي يأتي إلي كل يوم بحلة جديدة وقبل أن أفرح بذلك أخبرتني بأنه “مشي الحال” توفيت، تفاجأت كأني لم أكن أحاول تهيئة قلبي منذ أول سنة في الغربة على هذا الأمر، كأني أريد أن تبقى كل الأشياء والأشخاص وحتى أعمار من فارقتهم كما هي في مكانها، جامدة في ذات النقطة التي ودعتهم فيها، بقيت سنين عمرهم السريعة تصدمني وكأني لم أكن أكبر هنا، وكأني لم أتجاوز العشرين بثلاث مراحل وأنتظر الرابعة وما خرجت من هناك إلا ابنة تسعة عشر، لكن حقيقة حتى لو كنتُ على يقين أنني سأفقدهم تباعًا فقد كان الأمر ثقيلًا كما كل مرة .. فقد أصبحت المدينة التي أحبها مليئة بالنعوات وبقبورهم المتفرقة على امتداد البلاد أو المنافي..

ليست الغربة أنك غادرت مدينتك وحسب، ولا أنك تقطن في منفى أقل ما يوصف بأنه موتك الحتمي الذي لم تعرف كيف تفِر منه حتى عندما أسقطك في الهاوية، الغربة كانت تلك الوداعات التي أطلقتها سريعًا وأنت تسافر مع الريح متعبًا ومجبرًا تلوح بيدك للمدينة وأهلها تعِدُهم بعودة قريبة، ثم تمر بك السنين في مكان واحد تحت نافذة مشرّعة على الريح تسرق منك عمرًا وأحلامًا أو ما يزيد..

الجميع على حافة الموت هناك، عقلي لا يصدق أنه سيعود يومًا إلى هناك ولا يجدهم، هناك حقيقة أخرى لا يصدقها عقلي “أنني لن أعود أصلًا” لا يهم، مؤخرًا لم يعد يعنيني شيء بالفعل حاولت التمسك بقشة النجاة الأخيرة وفشلت، مثل كل محاولات السنين الماضية، الآن أحاول تقبل فكرة أن أدفن في مقبرة أخرى غير مقبرة الشيخ محي الدين التي لطالما شعرت أنها جزء مني منذ ضمت جسد أسامة وجدتي وجدي وآخرين، ومنذ كانت صباح كل الأعياد في دمشق.. الآن أشعر أن جسدي متناثر على شكل شظايا متفرقة كما عائلتنا الواحدة التي أصبحت في كل منافي العالم، في كل بلد توجد مني قطعة، يجمعنا اسم وصوت أحيانًا وقلمّا تجمعنا صورة واحدة أو يد تتمكن من احتضان الشوق لحصر المسافة بيننا. كثيرًا ما يراودني شعور بأني أتوهم لا يمكن أن يكون العالم دنيئًا لتصبح كل تلك الوجوه التي اعتدتها جزءًا من يومي مجرد شاشة الكترونية في هاتفي، ثم أتذكر لقد مر وقت طويل بما يكفي لأتجاوز هذا الشعور .. يجب علي ذلك!

أنا هنا .. في هذا المكان .. الذي لا فرصة لدي لأحبه وأعلم يقينًا أنه لن يحبني قط .. لكني بكامل السلام والرضا أبادله كرهي صامتةً.. وأتابع ما يتعلق ببلادي بكل موتها وخرابها وحزنها .. وأحبها أكثر ..

من هذا المنفى .. من هذا الموت الحتمي .. هنا دمشق حيث أسماء الراحلين في قلبي .. حيثما شوقهم.. أودعهم وأكتب النعوات.. أقيم مجالس التعزية ثم أعزي روحي وصورهم داخلي وأشكر سعيّ، أخيرًا أغلق رأسي على كل هذا وأحاول النوم مكرهة!

المجزرة التي أبقتنا أحياءًا!

من الصعب أن تكتب عن ما تفكر به دائماً ويبدو الأمر أعقد مما يتصور أولئك الذين ينعتونك بـ “كاتب” إن أرادوا تضخيم استهزائهم بك، أو الضحك بصوت مرتفع على جملك المتقطعة التي تقول فيها: “أنا مالي كاتب، أنا بكتب ع قدي بس” .. هم يجدون فكرة التواضع بحد ذاتها تستحق الاستهزاء، المشكلة أنك لا تتواضع أنت فقط لا تحب الجلوس على غيمة ليست مطوّبة باسمك!

من يعرفني عن قرب يحفظ كل سردياتي عن الموت، دعواتي، لعناتي على الحياة، تضخم فكرة الانتحار في رأسي وهوسي غير المعتاد بها قراءة ومعرفة، وقليلون جداً من يعرفون عن محاولاتي أو عن مراحل الاكتئاب العقيمة التي مررت بها.. أحد أصدقائي المقربين جداً بعد استنفازه لكل الفرص الممكنة بإمكانية جعلي أحيد عن طريقة الكلام هذه، قرر قراراً جنونياً أن يجعلني أعيش لحظة الموت الأخيرة، حيث أنه سيرسل من يقتلني بينما يراقبني هو خلف عين الموت تماماً، يتساءل عن تلك اللحظة، هل سيضحك المجنون الميت داخلي أم أن الخوف سيتملكني وأرقد باكية أرجوه أن يمنحني بضع أيام أخرى؟

هذا التخيل بحد ذاته فتح داخلي ألف باب ومئة ألف تساؤل، وأعادني لدويستوفسكي العائد للحياة قبل لحظات إعدامه المحتمة بثواني بعد وصول ورقة العفو عن الإعدام باسمه، والتي قال بعدها عن الحياة: “حين أنظر إلى الماضي، إلى السنوات التي أضعتها عبثا وخطأ، ينزف قلبي ألمًا، الحياة هبة.. كل دقيقة فيها يمكن أن تكون حياة أبدية مِن السعادة! فقط لو يعرف الأحياء هذا، الآن ستتغيّر حياتي، الآن سأبدأ من جديد”.

وأنا هل يمكن أن أحب الحياة في تلك اللحظة؟ أقصد إن واجهت الموت بشكل مباشر هكذا؟

على كل حال لقد جربت الأمر مسبقاً، في الخامس من آب في العام 2012 عندما كنت في منزلي صادفت الموت لأول مرة، رأيت شبحه الضخم بشكل يشابه حجم إله الموت في Death note  كان ذلك اليوم هو أكثر الأيام التصاقاً بذاكرتي بكل تفاصيله، منذ تمركز الجيش الحر في حارتنا، وحتى وقوفهم للصلاة في الكراج المخصص لسيارتنا، وحتى اللحظة التي وجهوا الآر بي جي نحو الدبابة القادمة والتي ستمر بشارعنا الفارغ، كان الاستنفار الأمني مهيب، والموت وقتها كان مهيباً أيضاً إذ أن الجثث بقيت في مكانها منذ الظهيرة وحتى المساء أي بعد أذان المغرب في رمضان البائس ذاك.. كان رد الدبابة على تلك الضربة حينها أن وجهت سبطانتها نحو حارتنا وضربت ضربتين سقطا في منزل جارنا الأرضي، ووقعت الشظايا في منازلنا، في ذلك اليوم بالذات مع كل الغبار المتكاثف الذي نُفخ في وجوهنا، رأيت شبح الموت يتجسد داخله وينطلق نحوي بسرعة مدهشة، ثم ينعطف نحو عائلتي الكبيرة والمرتجفة أمامي.. أذكر أنني في أيامنا التي قضيناها تحت الموت أو منذ بداية الثورة لم أبكِ إلا فيما ندر، وكانت هذه المرة الأولى التي أبكي فيها لأجلي أي لأمر قريب من عائلتي لهذه الدرجة، الخوف الذي سيطر علي من المشهد حينها هو أن الموت حتماً اختطف أحدأ منهم، بحثت في الوجوه، ابن عمي بنات عمي حولي سالمون، ركضت لمنزل عائلتي صادفت أبناء عمي الآخر في وجهي على قيد الحياة أيضاً، دخلت المنزل كان الجميع يقف هناك ليتأكد من سلامتي، عددت وجوههم لم أعرف العدد بالضبط لكني كنت أرتجف وأنتقض، نظرت لعيني أمي وسألتها: حدا مات؟ قالت لي: لا لا لا.. وبكت قبل أن تكمل سؤالها “أنتو مناح؟”.. وقعتُ على الأرض وبكيت معها ثم ارتفع صوت الجميع بالنحيب، قالت زوجة ابن خالتي النازحة مع العائلة كلها عندنا: إذا راما بكيت يا الله!..  لم أستطع أن أشرح لهم وقتها أني صادفت الموت، وأنه هددني بوجوههم جميعاً. بعد أيام قليلة استشهدت ابنة جيراننا التي شاركتنا تلك اللحظة بانفجار عبوات الغاز في إحدى حارات دمشق..

المسألة إذن ليست خوفاً من الموت، بل على العكس، الموت يخيفنا لأنه لا يمسنا نحن، لأنه يقترب من كل أولئك الذين نحبهم، ويجعلنا ننزوي عجزاً مع أرواحنا، يقضي اليوم مئة شهيد في خان شيخون حتفهم بعد أن ألقى الأسد عليهم غاز السارين، موتٌ صامت بلا ضجيج، بأجساد كاملة ودون مشاهد الدم المؤذية، هم يمتلكون “عيوناً شاخصة” فقط كما تقول صديقتي. ينتحب كل سوري في هذا العالم على ذلك، نختنق بقلة الأوكسجين رغم وفرته في المنافي، ثم نعود للتنفس الطبيعي، حتى تحدث مجزرة أخرى، نبكي مجدداً وفي كل مرة نتمنى أن نشاركهم الموت، إما لنتخلص من عذاب الضمير الذي بقي حياً فينا، أو يأساً من مواجهة كل هذا الجنون المحتمل في هذا العالم!

صديقي المفضل يوبخني كلما ذكرت له الموت مازحة ويقول: “الموت ليس حلاً وليس مهرباً لطيفاً”، وفي كل مرة أخشى أن أخبره أنني أعرف أنه اللعبة المفضلة في هذا العالم الأسود وأنني أتحمل ذنب الهرب نحوه مدعية رغبتي بالخلاص، وأنا أحمل داخلي نهراً كاملاً من الدموع تبكي المجازر السابقة واللاحقة في تلك البلاد، وتعرف كيف تنتحب وهي تنظر من شباكها على امتدادات لا يصب فيها دخان السارين غضبه، ولا يضخ فيها الموت حقده.. أخشى أن أخبره أنني أكره النجاة فعلاً وأن كل الشهداء أحبوا الحياة أكثر مني، وأنني إن قاومت كل هذه الأيام فهي كي لا أخجل من عيونهم الآن ولا في يوم القيامة!

 

الخالد رغم دمائنا..

لا يمنحنا الشهيد بعض الوقت قبل أن يرحل، حتى أنه لا يلوح لنا بيده، لا يوصينا بأرضه وحلمه، لا يطلب منا أن نعود نحن البعيدون جداً عن أرض المعركة، لا يمسك بيدنا ليخبرنا أن هذا الطريق لنا جميعاً، ولا أنه سينتظرنا في آخره. بعد رحيلهم تبقى رسائلنا الأخيرة في بريد الشهداء كما هي، نُطل عليها كل يوم، نطمئن لو رأوها، ننتظر بفارغ الصبر ردهم، وينتهي الصبر.

عندما تسمع نبأ استشهاد من انتظرت عودته، لن تستطيع كل محاولاتك المجنونة بتكذيب الخبر أن تجدي، صراخك دموعك ابتهالاتك، أسئلتك للسماء، حزنك الذي قد يتسع لكل هذا العالم في تلك اللحظة، لن تغير شيئاً، ارتقى الشهيد عالياً، ونحن هنا نحاول أن نجبر الكسر فينا بدعوة ودمعة، في كل مرة نفارق روحاً جديداً نودع شيئاً ما فينا، وفي كل مرة نظن أننا وصلنا لآخر الوجع في أرواحنا، لكننا عند أي وداع أو كسرة جديدة تجدنا نعود أدراجنا نحو حزن وخيبة وقهر كأننا نمارسها جميعها للمرة الأولى.

“حينما فقدت أخي وحبيبي طراد أصابتني حالة من اليأس كادت أن تقتلني فطراد كان وسيبقى أغلى علي من روحي.. لكني كنت أعلم أيضاً في قرارة نفسي أن الله سيعوضني ولن يتركني وحيدا..
إلى أن عملت مع خالد ذاك الشاب الذي لم يعتذر يوماً ما عن تصوير اقتحام أو قصف رغم معرفته بخطورة ما نواجهه … 
رحل طراد فعوضني الله بخالد والذي هو الآن كنزي وسندي..”

ما كتبه هادي ذلك اليوم جعلنا جميعاً نضع أيدينا على قلبنا، تذكرنا وداع طراد وابتسمنا لأن هناك ما ربت على الوجع داخله قليلاً، وجودك وصوتك وكاميرتك، بعد أيام قليلة تعرضتما لإصابة إثر القصف، وفي الفيديوهات كان هادي يناديك وحدك “خالد أنا انصبت، خالد أنت منيح؟” .. أخمن أنه كان يشعر بمرارة فقدك قبل أن يحدث ذلك. ثم حدث أن تعرضتما سوياً للاغتيال، وكان القاتل يعرفكما جيداً، لكنه أجبن من أن ينظر لعيونكم، كان يخشى أن تبتلعه الثورة الصادقة فيكم. قرأت رسائل أمك الأخيرة، أتابع دهشتها وخوفها، اطمئنانها وأملها الكبير بعودتك، كان يشبه أمل كل أولئك الذين انتظروك لتعود، وكنتُ منهم. هل انتظرت في لقاءك الأخير معها أن تجالسها فقط لترحل مطمئناً بعد ذلك؟ هل انتظرت أن تمسحَ  على رأسك وتحدثك بكل الذي تعانيه في انتظارك وحلمها لتعود؟. أكنت تسمعها جيداً؟!. لقد فعلها عمار قبلك، بعد وداع والدته بيوم قضى شهيداً إثر شظية في الرأس أيضاً وكان إخراجه من الريف الدمشقي صعباً آنذاك.. نفس الحكايات في دربنا، نفس الابتسامة، نفس الإيمان بالثورة، ولكن كل في مكانه، والمجرم واحد، ذاك الدرب الذي أحببتَه دائماً يزداد عتمة ويزداد ضيقاً ويزداد وحشة!

كنت أتساءل اليوم هل تُفطرنا الدموع يا خالد؟. هل يكون الانتحاب سبيلنا الوحيد أمام إيماننا بالأخضر؟. هل سنبقى هكذا والمسافة بيننا نظراتكم المؤنبة وشظايا القذائف؟!. حدثت مجزرة جديدة في القوريّة اليوم، أنت كنت عيننا في تلك الأرض، وتعرف معنى المجزرة، أتذكر صور حلب الأخيرة وأنت تقول موت في كل مكان هذا كل ما في الأمر؟!، الدماء اليوم تغرق دير الزور كما أغرقت البلاد دائماً. ما الذي سيحدث لو وجد الموت مكاناً أوسع من قلوبنا؟. لو استطعنا رتق كل جراحنا ونحن نبتسم معكم دون أن نودعكم!. لماذا صار هذا العالم ضيقاً علينا لتلك الدرجة؟. فتقتلك يد غدر أرادت إخراس صوتك وحسب، لماذا أنت؟!. لماذا نبقى نحن إذن؟!.

بعد إصابتك وعندما كنت أرى صورك ودعوات الأصدقاء، أصابني هاجس، أن وجهك يشبه وجوه الراحلين، لك نفس ضحكتهم، نفس السلام في عينيك، ونفس الحلم. تشبه الوطن الذي فارقنا وقد دعوتَ لنا ذات يوم بأن يصبرنا الله على فراقه، كنت أسكت قلبي دائماً، سيعيش خالد سيعيش لأننا ننتظره ولأن الحلم لم ينتهي، كنت أرفق دعواتي في كل ساعة باسمك، أترحم على شهداءنا في سوريا يومياً، ومع كل دعوة يطل اسمك فأصلي لأجلك، أحصي الجرحى والقصف في كل مكان، وأفتقد صورك الأخيرة، فأدعو لك، اليوم على الإفطار لم تكن هناك دعوة باسمك يا خالد، كانت على هيئة رحمة وغصة وحسب،  طُهر الابتسامة المودعة يكسر الظهر يا صديقي، يكسر الظهر!.

من سيبرد قلوبنا اليوم عليكم ونحن لا نلبث نودعكم فقط؟، وتطاردنا في غربتنا كل الأحلام التي تركناها بين أيديكم، فتزهر في قلوبنا موتاً باسمكم جميعاً، لا أحد ينقذنا منه!.  الموت واسع للغاية، ليحتضننا جميعاً، الأرض وأهلها ينكراننا، والسماء لا تلبث تمنحنا فيزاً نحوها، كم امتلأت بمن نحبهم!!، وكم أمطرت علينا قهراً!!، سلم على الراحلين يا خالد، سلم على من لا أسماء لهم، سلم على من خذلناهم، يا شهيدنا واسمهم جميعاً.

رقصة الطائر الأخيرة..

شاب عشريني طموح يبحث عن عمل..

فلاش باك..

الشاب الطموح نفسه في عالمه الخاص مع أحلامه الكثيرة ونجاحاته ..

ومضة..

ضياع في أزقة مدينة غريبة، وحدة، تعب، تحطم!

ومضة أخيرة..

سقوط..

هناك سقط وهو يرقص على آخر الدماء رقصته الأخيرة، تعثر بجثة رمت بها السماء وهي ترتب أسماء الشهداء، كانت جثة قاتل!
أما هو عندما أغرقه الدم جيداً ابتسم ابتسامة ولادته الأولى، عندما أخذته الحياة نحو حلمه، نحو دربه الذي يشبهه، وقبل أن تكسر على ظهره كل ذلك العمر المتخم بالموت الذي مضى..
كانت صرخته الأخيرة ساخطة، لكن هذا العالم لم يستمع لها جيداً، لقد لعن كل حكامه، وكل قتلته، ثم شارك الضحايا مصيرهم ورحل!
كان يعرف عدد اللعنات التي ستصيب اسمه لكنه لم يكترث، فأحداً من أولئك اللاعنين لم يمارس حياته يوماً، ولن يهبط من أعلى برجه ليكون مكانه حتى،  ولم يصلِ له ذات يوم بينما كانت شوارع الغربة تقتلع روحه رويداً رويداً..
الراقص الأخير على أرضنا ليس أول الراكضين نحو الموت أملاً، ولن يكون آخرهم..

الفكرة ليست في السقوط من أعلى شرفة ما، الفكرة هي التوجه نحو الخلاص، الخلاص الذي يحث الشباب السوري اليوم بمجمله بالتفكير به، أو التوجه نحوه حتى، أكثر الشباب الذين أخذهم التفكير لهذا الطريق بينهم وبين القفز من أعلى مكان مسه حلمهم يقع على مسافة خطوة فقط. بعد أن كانت الحياة حلماً ورغبة ودرباً متقاطعاً وشائكاً لكنه ممتلئ بروح الشخص نفسه، تحولت إلى حياة يسعى فيها الشاب بائساً ليأكل ويبحث عن مأوى ما، في أرض أتاها خطأ واستنزفته عن آخره، أو بقي فيها وتكفلت هي بقتله مراراً رغم أنه لم يزل يمشي على قدميه.

الفترة الأخيرة شهدت ارتفاعاً بأرقام الانتحار في فئة الشباب السوري، في الداخل السوري وفي كل دول اللجوء حوله أو البعيدة عنه، حتى لو تعددت التصاريح والأقاويل حول ذلك، لكن كل شيء في الحقيقة يعود لطريق واحد، لفكرة واحدة، هي الخذلان والعجز وفقدان الحيلة، الخسارات المتتابعة، الشتات والوحدة، الشعور بأن هذا العالم المتسع جداً يجثم على صدورنا المتعبة، والأنفاس التي نلتقطها عبثاً.

لن تصل مع شاب سوري في حديثك لنقطة إلا سيتبعها بجملة لاعنة ساخطة كارهة، وإن لم يصرح لك برغبته في الانتحار مباشرة، فحديثه وعينيه كفيلتين بشرح واسع وكامل لك عن آخر الطريق الذي يراه هو، الكل يبحث عن نهاية لكل هذه المرارة والقسوة، من تبقى يحرس الوطن في الداخل وكل الموت المرفق بحلمنا، أو من رمته الأقدار في دول الجوار الشاحبة بؤساً وتعباً وعجزاً، جميعهم مع الثورة المحزونة اليوم التي يتآمر الجميع عليها، والتي نحاول نحن أبناؤها المؤمنون بها الإمساك بكل شيء فيها كي لا تسقط، مع أننا معرضون للسقوط دائماً..
الانتحار ليس القرار الأكثر صعوبة في الحياة، لربما الاستمرار في هذه الحياة في ظل كل الخسارات والموت المتراكم والضياع والوحدة هو القسوة بحد ذاتها.

حسن سقط ليبقى آخرون يتاجرون باسمنا وموتنا ودمنا، وخالد وهادي أوقعتهم عبوة خائنة أرادت إخراس صوتهم، وشهداء كثر وجرحى كذلك تحاكمهم يد الموت بألف حجة ابتدعها العالم ليقتلنا، بين ضياع الحلم ووحدته، وهوة الموت التي تطال أرواح كل الذين نحبهم وأرواحنا، لازلنا هناك نقف كسوريين بحثاً عن فرصة حياة أو عن طريقة لموت ما، ولا يزال الأحياء يتشدقون على أكتافنا باسم الأمل والحلم والحياة، إن لم تقتلنا يدهم وحدها قتلنا حالنا وعذابنا..
سحقاً لكل هذا، طائرنا الأخير سقط .. ونحن نتفتت!

هذا العالم لن يحبنا قط ..

تواعدنا وما التقينا !

لم أنثر يوماً على جراحي ورداً ولا ملأتُ نعشَ الشهيدِ بالياسمين ..

لم أُغني يوماً بؤساً ولم يعلو صوتي بالنحيب ..

لكني في ذلك الوقت عندما انقلب صفاء الدنيا سواداً بَكيت !! ..

بكيت دون أن يكونَ لتلك الدموعِ صدى مرتفع .. كنت عاجزة عن ذلك ..

رغم اشتهائي أن أبكي وأن أصرخ وألعن كل شيء حولي وكل ما ومن يرمينا في هذا الخندق .. لكني لم أفعل !

كان في السماءِ لنا متسعٌ فعلاً فقد كانت مليئة بأحبائنا .. كلما تاهت خطواتُنا هنا ، رفعنا رأسنا ولوّحنا لهم ..

وهم يردونَ التحية لا شوقاً لنا وإنما إشفاقاً ، يشفقونَ على بقائنا هنا وصراعنا الذي وُلِدَ بعد موتهم وتمدد !! ..

يشفقونُ على ما نحمله في قلوبنا ، وما تحملهُ الحياة لنا ..

هناك سمعتُ صوتك آلاف المرات لكني تجاهلته ، لم أكن قادرة على الإنصات ، سأشعر بالذنب أعرف ذلك ،وهذا الشعور يرافقني منذ وقت طويل جداً …

أشعر بالذنب اتجاه كل شيء أصادفُهُ ، أطفالُ المخيمات وذويهم المحاصرون في تلك الأرض ، المرضى والجرحى ، والمرابطون ، والحالمون ، والفاقدون ، كلهم يشعرونَني بالذنب ..

يشعرونني بحقيقة عجزي وخذلاني لهم ، يشعرونني بأني لست أنا على الأقل !!

وصوتك القادمُ من البرزخ يشعرني بذلك ، لا أقوى أنا على عتابك ولا على مواساتك حتى ..

لم أطلب منك شيئاً فكفَ عن اللحاق بي على الأقل امنحني بعض الوقت لأتماسك …

أنت تلاشيت عن هذه الأرض ورحلت بلا عودة !

وأخذت معك ” كُلّي” واليوم روحي تسافر إلى أرضِ الشتات لتجمع مني ما تبقى !

لست وحدي أعلم ذلك ، نحن كُثر ، لكن لم تنصفنا الحياة وأبعدتنا الأيام عن طريق ثورتنا الخضراء بالتتابع دون أن نعي ذلك ..

أصبحنا نحصي غبار الغربة على أنه السُم البالغ القدمِ فينا والذي نتجرعه غصباً .. واعتدنا ذلك يا صديقي اطمئن !

مرة وأخرى وكثير من المرات ، لم تعد المصادفة ولا الأقدار ولا الرغبات حتى تأخذني حيثما أشاء …

كثيراً ما أشتهي وصالك في السماء .. لربما قبلة مجنونة خجولة أسرقها على غفلة من ذلك القمر !

أي شيء يسد رمقي على الحياة ويمنحني القليل لأستمر !

تُرى ما الفائدة إن كنتَ تراني كل يوم من السماء ولا تقوى على المكوث بجانبي ؟!

ما الفائدة أن تبقى الحياة واقفة عند صورتك العالقة في ذهني التي تحمل ابتسامتك وذاك الشريط الأسود جانبها ؟!!

بدأت أسمع صوت ضربات قلبي ، سريعة رتيبةً تحملني نحو كل شيء رحل عند رحيلك ..

هل يصل ندائي كل مساء إليك ؟!

إذاً أنصفني بابتسامة أو لقاء أو نيزك يقتلع أحلامي من هذه الأرض البور ويسحبني نحوك !!

#جنونيات_بنفسجية

لنا رب في السماء يرانا !

كان ينقصنا القفص فقط يا سيدي ليبكوا علينا !! كانت عيونهم مليئة بالتشفي القذر وهم يذبحوننا جهراً !

كنا نحاول جاهدين أن نبحث عنك آنذاك لكن دونما جدوى ! فأنت العدل ولا عدلَ هنا !!

كنا عند كل اصطدامة مع الموت نصرخ بملء قلوبنا المهملة  ” الله أكبر ” ..

وبعضهم اليوم باسمك يقتلنا .. ويقول أنه يحق الحق باسمك .. ونحن لا نزال عاجزين عن رؤيتك هنا !

على الرغم أننا لا نقطن خلف قضبان حديدية … ولا يحيط بنا ذلك السياج المبتكر إلا أننا لم نخرج من السجن الكبير !

حصار الجوع كان يغلبنا .. وحصار الحياة .. الموت الذي كنا ننتظره كل يوم لم يكن غريباً لكنه أتى قاسياً أكثر ! وموجعاً أكثر ! ..

أما أنا : فـ لم أكن موعوداً يا سيدي بأكثر من ذلك .. لكني كنت أطمع بالرحمة لا أكثر ! كنت راغباً بموتٍ أكثر هدوءاً !

مللت ضجيج الحياة في الأيام الأخيرة وكنت أطمح براحة هادئة مُنصفة !

نار الأرض تخرج من قبورنا لتلتقفنا وتهبط بنا إلى السحيق ! لم أنظر لأبنائي .. لم أستطع أن ألمح جلودهم الذائبة !

أنا أبكي على كل الموتى في العالم .. لكن لا أحد يبكي لأجلي !! ولا لأجل وطني المنفي ،  ولا لأجل أبنائي !

وأنا قسماً أريدُ أن أراك .. لا شيء آخر .. أريد أن أراكَ لا متجلياً على هذه الأرض !
بل موجوداً هاهنا .. تؤجل هذا الامتلاء العظيم حولنا بالظلم لأجيالٍ أخرى .. وتمنحنا القليل القليل من رحمتك !
عسى أن تهبط رحمة جديدة من واسع الرحمات عندك فوقنا !!
نحن يا سيدي لن نحتاج الرحمة في ظل القيامة غداً وأنت العدل ، لكن هذه الأرض لا شيء فيها يشبُهك !
صدقني لستُ أبحثُ عن الجنة هنا ، ولكني أحاول أن أرى آخر الطريق إلى أين سيُوصلنا !
تَجلى يا ربَ السماء .. حيثما شئت وكيفما شئت .. فـ هذه الأرض لا طائل لبقائها وقتاً أطول قابعةً تحت رحمةِ الجلادين !
تجلى على أوجاعنا المركونة في طرقاتِ العالمِ عبثاً وإن لم ترد نفخ الروح فيها فـ أرح أصحابها وأمسكها ، نحن بعد اليوم يا خالقي بعضٌ من الموت الذي لم نشبع منهُ بعد كفيلٌ بإنقاذنا !
نحنُ هنا بائسون لتلك الدرجة التي جعلتنا نُضيعك دون أن ندري .. وعندما يبدأ الناسُ بتكفيرنا نبكي بحرقة !
لأنك في القلب والروح لكن أوجاعنا تنطق عنا دائماً وباسمك أغلبَ الوقتِ !
والخطيئة الحمقاء ملونة بسوادنا وتشاؤمنا !!