آخر النفق..

كنا جمعاً ثائراً قررنا حينها أن نحارب على دمنا كل الأشياء معاً، وأن نقاوم رغم كل ذاك الوقت والخراب بثقة البداية نفسها، سقط بعضنا في أول الطريق ورحل آخرون في العتمة، وكُتِب على البقية الذين لم ينل منهم موت ولا غياب أن يحاربوا العالم، وأن ينتقلوا من صرخة في الشارع للمطالبة بالكرامة والحرية إلى نداء بإحقاق قليل عدل لهم في الأروقة الصماء، بصوت يكاد لا يزلزل ركناً صغيراً في هذا العالم الهادئ..

كلما جربت الهرب من كل هذا أعود غصباً، أعدد أسماء المختفين هناك بين اعتقال واحتياط وموت، أسمع صوت طفلة يمزقها الجوع في مدينتي، وأدرك خطى العابرين وتصعقني كثرتهم، فلا أحد هناك يقاوم الموت، الكل يركل أهله بقدمه ليتابع سيره، لا أحد يريد أن يمسه الخطر الذي نغرق فيه نحن، نحن الذين لم نعرف أن نصافح قاتل، أو أن نصالح على دمنا. في شارع المدينة المعتم ينام صبيان أمام فندق يكاد يفرغ إلا من جيوب الأغنياء، يحاولون إبعادهم عن الطريق كي لا يتشوه المنظر الحضاري للمدينة، أم تشتري لأبناءها طعاماً تستر عورة المال بابتسامتها لهم عندما يأكلون بعد جوع، رجل يخفي هويته في جيبه الخلفي كي لا يتذكر أنه من المدينة المغضوب عليها، يكفيه أن يتذكر ذلك عند كل حاجز لعين، غالباً ما يفضل قطع المسافات مشياً، فالموت الفردي في هذا العالم أكثر مصداقية..

لم نعد نريد أن نكون جزءاً من كل هذا، حتى من محاولة النجاة الضئيلة التي تخنقك خياراتها وتحددك متطلباتها، وتسمع فيها ما يهدد أمنك واستقرارك اللحظي في كل مرة، حيث لطالما رُدد عنك بالخفاء “كان الأولى تحترمك بلدك قبلنا”، لا يمكنك المحاججة بظلم، أنت ابن الظلم الأكبر، الشبح الأسود الذي ابتلع ماضيك وحاضرك وغدك، كيف تريد من الآخرين أن يمنحوك عدلاً؟ ، أو جزءاً من حقيقة كونك الشارد الضائع في ظل الظالم، تحاول كل يوم أن تنجو بروحك من كل هذا الموت المقيت، تحاول في كل مرة أن تمنح نفسك تبريراً واحداً لمنطقية البقاء محاصراً بكل هذا البطش، فلا تجد!

كل هذا العالم تحول إلى سجن، من أصغر بقعة تعتقل أجساد من نحبهم وتكيل بهم كل أنواع العذاب والظلم، لأكبر بقعة جغرافية يعيش فيها حاملو الجواز الكحلي مع القليل من الأمان، وكثير من الوجع والتعب وبقايا الحلم.. كل وقت يمر يؤكد لك كم يجعلك الحزن ناقصاً وكم يجعلك الفقد فارغاً إلا من صور الراحلين وأصواتهم، بينما تطوف روحك في كل الأماكن التي خلفتها في مدينتك وفي المدن التي زرتها مهاجراً مسافراً وأنت تظن أن بعض الموت سيتضاءل أو أنك ستنجو ربما، والمرارة أن لا نجاة طالما أن قلبك لا يرى المسافة بينه وبين كل أولئك المحزونين إلا عجزاً وقهراً.. نحن أبناء اللعنة التي تجعلنا نكفر بكل هذا الظلم الذي يلحق بنا، ونحن نثق ألف مرة أن لا مفر من كل هذا .. لا مفر! .. ولا زالت الوداعات هي سبيلنا الأسود بين موت واختفاء ومتاريس حدود.. وأحبة ننادي اسمهم في الفراغ ولا يجيبنا إلا رد الصدى أن “لا نجاة لكم ..لا نجاة منهم!” ..

Advertisements

خرجت ولم تعد..

يغلقُ أحدهم القضبان بمئة جنزير ومفتاح وقفل .. كأن الروح التي تقف خلفه تبدو قادرة على الهرب أو حتى محاولة تجاوز كل أولئك القتلة المؤقتين لتنجو ..

في الحقيقة لا يبدو أنها راغبة بالنجاة ..

خارج القضبان تبدو الحياة مألوفة .. حياة طبيعية جدًا .. يشتري الناس حاجياتهم .. يبيع آخرون .. يلعب الأطفال في أغلب حارات المدينة .. يتجادل سائق التاكسي مع الركاب .. يحكي الحلاق حكاية الخاتم العجيب في فم السمكة للمرة المليون .. تسير امرأة حامل في الطريق فيساعدها أحد الرجال في جرّ عربة ابنها .. تسمع صوتًا حادًا يطلقه أحد الأطفال المتذمرين داخل الحديقة في وجه أمه التي تخبره أن الوقت قد انتهى .. الأطفال جميعهم لا يفهمون لعبة الزمن مبكرًا ..
كانت طفلة ذات يوم .. وكانت لا تعرف عن الزمن شيئًا .. خلف هذه القضبان الباردة تعلمت أن تنسى ذلك الذي يسمى وقتًا كي يكف عن حرقها كلما مر .. حاولت أن تعود طفلة .. طفلة لا تدرك من زمنها شيئًا .. لكنَّ وجعًا ما .. وجع لم ولن يبرأ في جسدها يذكرها في كل مرة أنها تجاوزت ذلك الوقت .. أنها كبرت أكثر من اللازم .. وأن الساعات ستبقى سجنها حتى وإن رأت السماء مجددًا ..

تغفو ..

تبقى أصوات الأقدام في الخارج تدق ناقوس الخطر فوق رأسها .. هنا تعلمت أن تلعب لعبة الاكتشاف مع تلك الأصوات، هذا رجل غاضب يحاول تجاوز زوجته .. وهذه خطى زوجته الصغيرة المتململة .. هذا طفل يمشي حديثًا وأمه تركض خلفه كي لا تسرقه سيارة مسرعة … هذه خطوات عاشقَين يبدو أنهما يمتلكان وقتًا كافيًا للحب وعمرًا يكفي ليسيرا في كل شوارع الشام معًا … تذكرت أنها ذات يوم امتلكت مثل هذا الوقت معه، قبل أن تبتلعهما العتمة …      هي لا تدري إن كانت تسمع الأصوات حقًا أم أنها تهذي.. لكنها تعلم جيدًا أن هذه اللعبة أنقذتها من خطر الوقت وحسابه .. تُكمل حديثها مع نفسها .. تُحصي السيارات المارة فوقها .. كيف يمكن أن تكون الحياة جحيمًا وجنة في ذات البقعة يفصلهما خط أرض واحدة إلى هذه الدرجة؟!
يدخل السجان يوقظها من نومها .. تذهب للتحقيق .. ثم تعود .. هي لا تعود كاملة كانت تدرك أنها بعد كل رحلة تحقيق وتعذيب تمر بها تنقص جزءًا .. هكذا حتى تنتهي كلها هذا ما تعزي نفسها به دائمًا عندما تسخر من مصيرها: “وزني مو كتير كبير .. هانت لاخلص” .. ثم يعود لها ذلك الوجع في موضع ما .. في حرقة ما .. يفتح داخل روحها موتًا أحمرًا وهي على قيد الحياة ..
هذا السجن كان الفاصل الوحيد بينها .. وبين حلمها .. روحها .. صورته الجميلة في عينيها … صورتهما معًا .. عائلتها .. مستقبلها .. أخيها الصغير الذي أراد أن يصبح خالًا لأبنائها منذ كان في الخامسة من عمره .. بينها وبين آخر الأمنيات في حياتها أن ترى السماء للمرة الأخيرة كما أحبتها دائمًا .. قد يجبرُ هذا المشهد كل أيام العذاب التي مرت بها… هكذا تتخيل!
تغفو مجددًا .. يدخل السجان بعد ساعتين .. يناديها .. يركلها .. يرش الماء البارد عليها .. كانت قد اتخذت قرارها في أن تكسر هذه القضبان .. خرجت بروحها نحو ذلك العالم الذي لم يعد يعرفها والذي لم ينتبه لغيابها يومًا  .. خرجت لترى إن كانت الحياة تبدو مُنصفة بين جحيمها وجنتهم .. خرجت ولم تعد .. ولن تفعل!

صوتك الذي يمزقني ..

نرتكب حماقة العيش برضا تام بينما نمارس سخطنا نحوه كل صبح .. وكل يوم …نرتكبها بخوفنا من التوجه نحو النهاية .. بإدعائنا أننا أقوياء جداً .. وأننا ضد الخلاص ودونه ..

نرتكب حماقة الابتسامة وكأن الذي ندفنه داخلنا لا يسمى وجعاً .. بل شيئاً عابراً لا مرفأ له على هذه الأرض السعيدة التي لا نرَ منها إلا قبحها .. نمارسه بحجم خيباتنا ومواجعنا  … بحجم كل الارتجافات التي نمارسها وحدنا والدموع التي تغرقنا ليلاً .. والآهات والتنهدات التي يبتلعها صدرنا كي لا يسمعها المارون بنا .. فيبادلوننا لوماً أو وجعاً ..

نعم نحن نهرب منا .. نحونا .. نهرب من كل الخطوط التي توصلنا لنقطة الوجع تلك .. وفي ذات الوقت .. نرسمها .. نرسمها بريشتنا النازفة من دمائنا ..

لم يمر في خاطري يوماً أن أكره الشام .. أو أن أشعر بسخط عابر نحوها إلا حين أتذكر المعتقلين فيها ..وأذكر أنني قاسمتهم ذات المكان أعلاه بينما هم يلوكون الموت الذي لا يتقدم نحوهم بخطوة سلام أخمص قدمي .. دون أن تؤنبني ذاكرتي .. ودون أن تشتعل قدماي من ضرب الـ “كرباج” السافل الذي يفتت أعصابهم وأقدامهم .. دون أن أتحسس وجهي وأمسح دمائهم .. دون أن تتعبني أعصاب يدي مجدداً من محاولة “شبح” ما .. دون أن تؤلمني أذني من كم التدنيس والتحقير الذي يصبه المحقق وأمثاله فيها .. ودون أن أتفقد عيني .. يدي .. قدمي .. وقلبي!

يعاندني صديقي الجميل الديري الذي لم يزر الشام إلا مجبراً وكانت زيارة مقيتة إلى سراديبها المعتمة والعفنة في سردتي عن الكره الذي أمارسه على الشام كلما فاض بي وجع يشابههم .. فيقول لي: “الشام هي الشام”.. ولا مبرر لكرهها أو لعنها أياً يكن السبب.. أما عنادي الذي قد يطول لساعات كثيرة في محاولتي لإخباره أنها مؤذية .. مؤذية عندما سكتت عن مواجعهم وآلامهم وصرخاتهم وآناتهم .. مؤذية بينما كانت تدفعنا لممارسة الحياة والموت يشاركهم قوت يومهم ولحمهم .. فلن يجدي .. لن يجدي مع من يعرف أن الوطن لا باع له بكل هذا الموت .. لا يد له بكل هذا القهر .. لكننا  باسمه نُذبح ونغتصب ونُقتل ونُهان .. ونُنفى في أصقاع بعيدة جداً لا تعرفنا .. ولا نعرفها ..

البلاد التي حاربنا باسمها بأصواتنا الضعيفة الهشة والخائفة .. أصواتنا التي كانت وحيدة بادئ الأمر ..مرتجفة من تمردها على حاكم الأربعين موت ومجزرة في البلاد .. أصواتنا التي حاول أهلنا دائماً أن لا تتجاوزنا وأن يزرعوا فينا “الحيطان الها آذان”  … كانت مرتفعة وهزت مضجعه .. حتى استشاط غضباً وأحرقنا كما أحرق الوطن الذي دفعنا لأجله ولم نزل ندفع كل ما فينا وكل ما نحب!

أنا في الحقيقة لم أختبر شعور أن أتحسس جدران موت من سبقوني .. ولم أعرف أن تخثر الدم على جدار الزنزانة يعني تاريخاً طويلاً .. وأنني عندما أتلمسه سأسمع صرخات مؤلمة ذابحة في أذني .. وأن قلبي لن يكف عن الارتجاف كحاله الآن … أنا لم أجرب كيف يتمكن أحد منهم التنفس جيداً في غرفة لا تتسع لي ولا لصوتي .. ويمارس أحدهم عقوبة التعتيم كما يشاء لا بناء على رغبتي بحب ذلك .. لم أفهم معنى أن تكره في الداخل كل ما أحببته بنفسك .. وكلما تم إيذاؤك فيه لتتحقق سادية سجانك الذي سيطربه صوت ألمك … لم أجرب أن أحفظ الأصوات والوجوه لأختبر ذاكرتي .. آخر ما قد يعول عليه في حرب الموت والتعذيب هناك .. وكل ما يتم حرقك به .. ذاكرتك .. بشخوصها .. ومواقفها .. بأحبائك .. ولحظاتك ..وأحلامك .. بثورتك التي تحاول حمايتها من سياطهم ودناءتهم ..

إلا أنني جربت أن أعيش بين كلماتهم لتؤنسني في عجزي وبعدي وشتاتي .. حتى تجعلني ألعن الحياة طويلاً ..وطويلاً جداً !  .. وأكره تذمري ورغباتي وكلماتي وحروفي .. أكره كل شيء لا يشبه حجم الذي عاشوه .. أكره رفاهيتي في العيش .. أكره قدرتي على الضحك ولو كان صوتي خافتاً .. أكره هذا الوجع الذي يصب في روحي تقصيراً وعجزاً ..

..أكره كل هذه الحياة التي سُمِيَت عليّ كلعنة …

لنقول مجدداً كأن قولنا لم يزل في أوجه #المعتقلون_أولاً  ولنكن نحن آخر الواصلين لدربنا ..

صدى ثورة ..

“كان العبء أن تنجو وأن تكون بخير دائماً” ..

هذا ما كنا نردده دوماً .. الخروج من المعتقل يعني الخروج للحياة من جديد .. كما الخروج من تحت الأنقاض بعد صاروخ أسقط كل الموت على رأسك لكنك بقيت حياً .. أو النفاذ من موت محتم قد يمر بجانبك ..

بعد هذه الصدف تخرج لتمارس التمسك بحبال الضوء اليومية للشمس .. تحاول الاستناد على جدران المدن اليتيمة دون أهلها .. الدافئة عليهم رغم كل شيء .. الاغتسال بماء نظيف .. التنفس بشهيق عظيم جداً وتليه زفرة وتنهيدة تتسع لكل الأرض .. التحرر من قيد موجع … الرقص في الشارع دون أن يمس روحك كرباج مميت .. هي هكذا في قلوب الناجين يا عزيزي .. لكن على الرغم من ذلك فكثيرون يخرجون من هناك وقد تيبست أرواحهم ..  أو لنقل كثر بعد تلك الأرض وما يمر بهم فيها يعجزون عن تقبل الحياة مجدداً!

في المعتقل مثلاً .. يكون الموت قريباً لدرجة مخيفة .. وبعيداً بدرجة مربكة .. في العتمة يتآمر الموت مع جلادك .. فلا ينال منك بسهولة .. ولا يأتيك مع أول صرخة من روحك تلامس السماء طلباً للفرج .. يتركك لوقت طويل وقد يمر بك وقد لا يفعل .. هنا تكون النجاة على شكل حظ .. حظ عاثر أو ملوث بحقدهم ربما!

أغلب مناماتي كانت في المعتقل .. أكثر الحكايات التي كنت أقرأها حينذاك هي عن المعتقل وبشاعته .. كثيراً ما كان التهديد القائم حولي: “إذا اعتقلتي شو بنعمل نحنا وقتها، بكفي جنان!” .. حينها وفي كل مرة كنت أخرج من البيت كنت أسلم هذه الروح مطمئنة لباريها .. متيقنة أن الطريق الذي اخترته لا مآل له سوى الموت أو الاعتقال وكنت راضية بكليهما على قسوتهما لأن اختياري للثورة كان حتمياً .. كانت الولادة التي سأدفع عمري كاملاً لأحرسها .. فما بالك بصوتي وكلمتي وروحي؟!.

في الحقيقة .. كان يأخذ حيزاً من تفكيري كثيراً .. وازدادت تلك الرهبة على إثر التهديدين اللذين تعرضت لهما في المعهد خاصتي .. وبعد تهديد صديقتَي بتسليمي للفرع القريب من منزل جدي في الخطيب .. “لأني أتطاول على القائد المبجل حارس الوطن” .. وبعد خروجي بعلم الثورة على يدي في منتصف دمشق بجرأة حمقاء كما يقول أخي .. كان الأمر متعلقاً بصوت وحيد أحاول إيصاله .. أنا ابنة هذه الثورة .. ولا أحد هنا معي .. وحدي تماماً أحرسها .. ولا طريق أخر .. ولا أحد يقف بجانبي .. كنت وحدي في كل ذلك الطريق المضيء والمخيف في دمشق .. وحدي!

كان العجز يدفعني لكل الطرق التي قد أصل بها إلى طريق لا يلوّنه إلا الأخضر .. تمرير الأدوية الممنوعة في الريف تحت ملابسنا .. إسعاف جرحى المظاهرات في الصيدلية أو المنزل .. نقل ما يحدث حولي للتنسيقية .. مراقبة التشييعات ومحاولة يتيمة لتوثيق الذي حصل حولنا والكثير من الحكايات التي لم تنتهي يوماً .. تعداد المعتقلين .. قصص الأمهات .. شباب الجيش الحر وحكاياتهم وحمايتهم لنا .. المشكلات التي حدثت بين الثوار بالقرب منا .. الأخطاء التي شوّهت صورتها وصورتنا .. وكل ذلك .. كنت به وحدي ..

ما هي الفكرة من كل هذا الحديث؟!

أكثر ما كان يُتعِب ثورتي في دمشق هي هذه الوحدة .. هي صوتي المختنق بأني لا أستطيع العمل مع مجموعة ثورية منظمة .. الخطأ كان مني ربما أو من المجموعات السرية والتي كان لها الحق الكامل بهذا .. لربما جعلني هذا الشيء دوماً أفكر بمشاريع شخصية أحاول فيها جعل صوت الثورة عالياً .. وصوتاً آخر للمعتقلين الذين خرجوا لحياة جديدة لم يعهدوها قبلاً .. وربما اسماً للشهداء الذين يرحلون وتُدفن قصصهم معهم ..

كمية الإحباط التي مرت بي في فترة ما والتي جعلتني أصل لمرحلة متقدمة من الاكتئاب والذي عانيت معه ومنه طويلاً .. ولم أستطع كما يبدو لي التخلص منه كاملاً .. كانت أذيته لي متعددة الجوانب .. ولكن توصلت بعده لنقاط جديدة أعمل بها ولأجلها .. بدأت بكتابة مجموعة قصص لأشخاص لا اسم لهم على مواقع التواصل .. أشخاص بسيطين آمنوا بالثورة ضد الظلم وأصابهم منها بطش كالآخرين .. كانت هذه مرحلتي الأولية بعد ضياع كل أوراق التوثيق خاصتي والقصص المكتوبة في منزلي .. وضياع الكثير من ذاكرتي مع زهايمر الاكتئاب ..

وبعد سلسلة إحباط طويلة .. بدأت أنشغل بالتدوين النفسي .. كلمات .. كلمات .. كلمات .. قيدي وحريتي .. سجني وسمائي كما دائماً .. ثم قررت افتتاح تدوين صوتي .. وحدي .. لربما كان هذه الوحدة العظيمة سبباً في شيء ما لكنها غالباً ارتبطت بالإحباط الموجه والذي لا أدري كيف كافحته .. أحييني .. كافحته متأخرة جداً مع ذلك بتأجيل كل هذه الأمور لما يقارب سنتين كاملتين ..

اقترحت مشروع “صدى ثورة ” على صديقتي .. وبدأنا به .. ولم أزل أشعر نحوه بالامتنان .. طفلي الأول الذي يخرج بصوت مرتفع للحياة .. فبعد خروجي من سوريا لم أكن أسمع صوتي .. أخافه وأهرب منه غالباً .. أصبحت صامتة أكثر من اللازم .. ومنطوية كذلك .. عندما سمعته يحكي عن قاسيون في نهاية 2015 بصوت مرتفع أمنت به من جديد .. ربما هذا هو الطريق الوحيد في غربتي هذه .. صدى .. واختيار الاسم كان حتى يُسمعَ أكثر ..

لا أدري ما الجدوى من كل هذا الكلام .. لكني دوماً ما أتحدث عن نقمة وحدتي في تلك الفترة .. الوحدة التي جعلتني هامشاً في أغلب الأحيان وبددت طاقتي .. ولكني في نفس الوقت أتحدث عن وحدة أنجبت صدى .. صدى الذي سيحكي عن كل الذي مر بخاطر الوجع فينا .. وبكل قهر دوّن على شكل قصة .. صدى هو صوت الثورة الذي لم يرد الموت .. صوت المعتقل الذي اختار الحياة التي أرادها قبل العتمة .. وعمل لأجلها .. صوت الشهيد الذي أوصانا بها قبل رحيله .. صوت المكلومات واليتامى على تلك الأرض .. صوتي .. وصوت كل من أراد الحياة لأجل تلك الأرض ولأجل ثورتها وأبنائها ..

وهكذا!!

#جنونيات_بنفسجية

رواية القوقعة ..

” لغتي الخاصة بالتواصل مع الناس .. مفقودة .. ميتة .. والأكثر من ذلك ليس لدي الرغبة بالمطلق في إيجاد لغة تواصل جديدة أو إحياء القديمة ”

كتب هذا وقد كان خارجاً من ذلك الفراغ نحو الحرية وهو يروي حكاياته المخلوطة بكل أنواع القهر والظلم ..

شاب مسيحي قضى في سجون النظام السوري اثنا عشر عاماً بتهمة التعاون مع الإخوان المسلمين أنذاك المجموعة التي قضّت مضاجع النظام ..

والتي حولت الثمانيات لذكريات مليئة بالمأسي ..

مصطفى كان أحد تلك القصص المترامية .. التي عانت من ظلم ومرارة داخل الأقبية المظلمة لأعوام طويلة دون أن تفهم السبب ..

الرواية تروي الكثير من التفاصيل الموجعة والمُذلة والحقيقية والتي نستيطع تصنيفها أنها أكثر لطفاً مما يحدث اليوم في الأقبية السوداء

عندما تقرأ هذه الرواية لا يساورك أدنى شعور بتكذيب ما تقرأ .. فـ في أعماقنا نحن السوريون أصبحنا نفهم تماماً أن “بيت الخالة” هو بيت الموت وليس فيه أي شيء مستحيل …

حتى استباحة الموت والتعذيب بالطرق التي يرغبها الرقيب أو المساعد في السجون .. أو أساليبهم الدنيئة بإذلال الشخص نفسياً أو التعرض لشرفه وعائلته دون أن يتمكن من الدفاع عن اسمه .. بل يصمت ، خانعاً مضطراً مكسوراً !!

في قالب حزين جداً يروي مصطفى واقعية ما عاناه في السجن من ناحيتين ..

أولهما في داخل الزنزانة مع المسجونين من جماعات وانتماءات وديانات أخرى ..

وثانيهما خارجها مع الكثيرين من السفاحين الشامتين والذين يُنقبون على أساليب تخصهم تماماً لإلحاق الأذى بالمعتقلين والتفنن بإذلالهم بشتى الطرق …

ستقرأ في هذه الرواية جانب الظلم الذي يزيدك حنقاً وكرهاً لكل ما يمت للحياة التي يسكن بها أمثال هؤلاء من صلة ..

المتكاثرين جداً في هذه الأيام وهذه الأحداث .. لا أحد ينسى كم الجرائم التي تم ارتكابها في الثمانينات والقتل والاعتقال والجنون الذي أطبق على النظام حينها فبدأ يضرب يميناً وشمالاً دون أن يعي حجم الخراب الذي يسببه أو توابع ذلك الإجرام التي بقيت في الذاكرة إلى ما بعد ثلاثين عاماً  ..

اليوم نتأكد أنه كان ولا زال جزءاً لا يتجزأ من منظومة الإجرام لا الفساد فقط ..

مشهد أبو أسعد في الصفحات الأخيرة من الرواية كان ذابحاً رغم كل المواجع التي تحكيها الرواية وأسالبيب التعذيب والبطش والظلم .. إلا أن أبو أسعد كان له الحصة الأكبر في إخناقي .. أبو أسعد ذلك الرجل السبيعيني الذي يقضي في السجن مع أبنائه الثلاثة ..
وفي صباح يوم بائس كان قد صدرَ قرار إعدام أبنائه جميعاً في اليوم نفسه .. لم يتحمل عقله تلك الصدمة وما بين لحظة الحقيقة ولحظة الجنون بدأ الأخير يتأرجح ..

لم يكن يلوم الله أو يكفر به .. لكنه كان يبحث عن إجابة واحدة فقط .. لماذا يا رب العباد تنصر الظالمين علينا ؟ لماذا تقف في صفهم ونحن لا حول ولا قوة لنا إلا بك ؟!

للحظة شعرت أنني أواجهه بألمه ذاك … أجلس مكان مصطفى وأنظر إليه مدهوشة مسحورة متألمة … أختنق بكلماته وأنا أبتلع مرارة الظلم التي أعيشها .. أصدقه بكل كلمة .. أنظر إلى السماء وأبتهل إلى الله أن يُرينا يوماً أسوداً بهم وأن لا يجعله بعيداً !!

اليوم يا عمي نتساءل أي مرار نعيشه نحن في كنف هذا النظام حتى اليوم وبعد كل تلك الأعوام وهو لا يزال يتلذذ بموتنا والتنكيل بنا بلا أي وجه حق ؟! وإلى متى ؟! ..

كثيرون هناك يشبهون سعد وسعيد وأسعد يموتون سوياً فقط لأنهم تحت رحمة الجلاد ..

وكثيرون يشبهونك اليوم يبكون أبناءهم وبناتهم الواحد تلو الأخر ..

لقد علمتنا هذه الحرب أن نصرخ كثيراً وأن تمتلئ قلوبنا بالحقد دون الحب .. تعلمنا أن نصبح أقسى وهذا الوجع يزداد كل يوم !!

الظلم العظيم يودي بالإنسان إما للجنون أو الارتياب بكل ما يقطن قلبه حتى معتقداته ، ونهاية الطريق هذا جنون أيضاً …

ذاك الظلم الذي ابتلعناه مراراً يأخذ في أجسادنا زوايا يتربع بها .. ونحن نلمح في الفجر بقايا حلم يريد أن يتحقق !!

ولا أفقَ يحتضن ذلك الحلم …

#أنقذوا_البقية

ونهرب من صوتهم ..

ونحن نرتقي سلم أجسادهم ستخنقنا رائحة الموت لكننا لن نكترث فالمثل القائل ” الحي أبقى من الميت ” عالق في أذاننا جيداً .. سنتعثر بأيديهم التي ترفع شارة النصر كثيراً .. نظراً لأنهم لم ييأسوا حتى بعد رحيلهم عن هذه الأرض الطاهرة .. سننزل أصابعهم برفق حتى لا نسقط على رؤوسنا لأسفل تلك الخرابة ..
ونتابع .. مزاودة وصراخاً ودفاعاً هارباً ..
سنرمي للجائعين قضمات من حروف القضية .. ونبشرهم بحل قادم بالقريب العاجل .. فنحن أصحاب الحناجر والأقلام العاجزون تماماً أمام البندقية..
سنصل لتلك القمة .. على أجسادهم وبقاياهم … على ذكريات المعتقلين وأحلامهم .. على طفولة مركونة ضائعة للاجئين في بلاد الجوار الذين يعانون كل أنواع القهر .. على صورة الجوع الذي يخرج من المخيم والغوطة اليوم ” ما حدا بموت من الجوع ” هاك مثلٌ آخر له حظه العظيم في حياتنا البائسة ..
نحن نتقن الخيانة جداً ونعرف كيف نزرع الشوك في أجسادنا ونحتار في اقتلاعه .. نحن يائسون لتلك الدرجة التي نعرف تماماً أننا نخذلهم وندهس أمنياتهم بذلك الوطن سابقاً قبل أن تسبقهم رصاصة الغدر وتقطع لهم الطريق .. نحن في هذه الأيام نعيش فقط لنهرب من زياراتهم المفاجئة لنا وهم يسألوننا عن حال الوطن الذي تركوه على قيد الحياة !!!
وأجوبتنا دائماً تتلعثم بالحقيقة المُرة : لقد فقدناه !!!

معتقلة سابقة !!

معتقلة سابقة .. أول ما يتيادر لذهنك عند سماع هذه الكلمة هو العار الذي تحمله صاحبتها .. والدنس الذي رافقها وسيرافقها في حياتها القادمة .. كأن الدخول لذلك المستنقع العفن يوصمها بالعار أكثر مما يَصمه هو … كأن ما عاشته وقاسته في الداخل تختصره كلمة الشرف التي يصدعون رؤوسنا بها ..

لطالما كانت كلمة معتقلة تلاحقني لربما لأنها كانت جزءاً من حياتي الأخيرة في سوريا وقد كانت الخوف الكبير الذي يسيطر على عائلتي من جنوني البائس وغير المبرر _ من وجهة نظرهم_ ..
بعد خروج إحدى المعتقلات من سجون النظام قيل لها في إحدى المقابلات التي صادفتها كونها ناشطة في الحراك الثوري وفي أول سؤال يوجه لها : كم مرة اغتصبت ؟ ..  دون أي تردد لن أقول خجلاً .. تُرى ما وقع هذا الوجع في صدر فتاة فتحت عيونها على الثورة ووجدت نفسها منصاعة لها وقد خدرتها أوجاع الإنسانية حولها فكانت جزءاً من هذا الوطن تحمل هم ألمه وصرخته وحريته ؟! ..

لم يكن منها إلا أن ابتسمت وقالت : ” ما في بنت بتفوت لجوا ما بتغتصب ! ”
وكعادة شعوبنا الفارغة ألحقوا بها وبابتسامتها أفظع الشتائم فقط لأنها لم تختبئ خلف سؤال حاول تعريتها .. لم تجفف اسمها وتعلقه على الحائط وتنزوي في غرفتها تغتسل كل يوم من عار ألُصق بها .. غصباً !!!
هي ما كانت إلا فتاة كسرت قوقعة المجتمع السخيف وخرجت بحثاً عن وطنها المنسي في النور البعيد الذي لا تزال تراه منبعثاً من وجعها !
نحاسبها بعارنا .. بعجزنا عن حمايتها من الغدر الذي أصيبت به نلومها إن تحدثت عن كيفية اغتصابها واجترارها للموت البطيء .. نعاتبها لأنها خرجت بقوة لا تشبه انكسارنا ونيأس لأن ذلك الوجع لم يكسرها !
نحن أنانيون جداً .. نتجاهل آثار الموت المحيط بوجهها .. ونتجاهل الزرقة التي خطت حدوداً جديدة في جسدها ونلحق ذلك العار .. وتلك القضية التي تُحسب عليها هي ويُغفر لفاعلها .. نحن من نجز بفتياتنا في المعتقلات ونحن من نحاسبهن على ما يحدث معهن ..
لا أنسى قصص الانتحار الغريبة التي سمعتها في سوريا بعد بداية الحراك بوقت قصير .. ناشطات ينتحرن بعد اعتقالهن بأيام قليلة ..
” المجتمع يعتبرنا عاهرات وقد تخلى عنا في الوقت الذي دفعنا لأجله أغلى ما نملك ” هكذا كتبت قبل انتحارها ..
الغريب في الأمر أنها دُفنت فعلا كـ عاهرة يُستر علي شرفها .. لم تُحمل على الأكتاف بصفتها بطلة دخلت المعتقل لأنها صدحت بحريتها وبحثت عن حقها وحق أبنائها في الحياة القادمة … نحاسبها علي الظلم الذي نعيشه بدل أن نقف بجانبها .. كثيرات يخرجن دون أن يتحدثوا عن مواجعهم لأن ما عاشوه لا يُحكى وهن يعلمن تماماً أن ما سيعلق في رأس هذا المجتمع هو قضية الاغتصاب الغامضة .. التي ستتبعها نظرة احتقار لشخصها ستتجدد عند كل لقاء ..
أنت سجينة الحرية التي أوقدت من نار ذعرنا أملاً لنحيا .. أنت الورقة التي سُحبت من بيننا لتدفع ثمن أصواتنا المكتومة .. أنت نحن جميعاً .. ومصابك مصابنا وليخرس المجتمع عن تفاهته السخيفة !