أن تجدّف غارقًا..

افتح مغاوير قلبك المغلقة، ومارس سخطك بصوت مرتفع، جراحُك التي تفتحها أصغر الأشياء التي تحدث حولك، صور قديمة لمدينتك بعد أن أصبحت باهتة جدًا، الماضي الممتلئ بصور الغائبين، الحياة الحقيقية حولك والتي تعد في الحقيقة قطعة من حجر جهنم لا تنفك عن محاولة ابتلاعه صبرًا واحتسابًا بعد أن كنت تأمل برميه في وادٍ سحيق عندما كنت تفكر بالهرب.. الآن أنت تخاف الخارج..

لماذا أتحدث بصيغة المخاطب؟

أنا من أخاف الخارج يا أبي، أنا التي لا أعرف إن كنت قادرة على المشي مرة أخرى بلا تعثر، أخاف إن جازفت بالخروج كما كنت أريد سابقًا..  أن أسقط، كما كنتُ أسقط بخطواتي المبكرة جدًا عندما كنتَ تمسك بيدي وتبتسم لي، لقد سقطت كثيرًا في الفترة الأخيرة لكني دائمًا ما سقطت وحدي، كانت يدك بعيدة جدًا، وكنتُ أنا مزروعة في الغياب كوردة تذبل رغم أنها تحمي جذورها جيدًا، كنتم تربة الأرض التي حاولت حمايتي، لكن لا ماء يسقيني هاهنا، لذلك جففت سريعًا وربما مت، أعلم أنني لا زلت أبتسم..  في النهاية الموت لا يعني أن يكف الشخص عن خلق فرص عيش له كالأشخاص العاديين، إنه فكرة منفصلة، مثل أن أحبك بصمت دائمًا، كأنك تسمعني.. مثل أن ينفرط قلبي في جوفي لألف قطعة وأعجز عن لملمتها بينما يظن الناس أن الصوت الذي صدر عن ذلك محض شيء عابر في الخارج.. كل الحكايات التي تتضخم لتصير جزءًا من كوابيسي هي قبور في الذاكرة، كنتُ أظن نفسي ذكية عندما استحدثتها هناك، باتت القبور ظلامًا ضخمًا يبتلعني كلما مر وقت أطول..

الليل في دمشق.. أو لنتحدث عن كل الطرق التي أسلكها عائدة نحو دمشق وتبدو مبللة، الدمع الذي أعجز عن استحضاره في حياتي اليومية، يغرق دروبي العائدة نحوها دائمًا، أمشي داخلها بينما تبادلني هي ذات البرود المخيف الذي تمارسه عليَّ هذه المدينة، فأصغر فيها كطفلة تربكها الخطوات دون يد أمها، في تلك الزاوية التي كنت أفضلها في شوراع دمشق القديمة، حيث يقف بائع اللوحات مقابلًا لها، هناك في العتمة أكمل منامي مرتجفة، عندما أعرف تمامًا أن أغلب الأشياء في عقلي محض وهم، وهم بكل ما كنت أحبه قبل هذا العصر، ووهم آخر يجعلني أكرر تأجيل كل ما أرغب بفعله لحياة أخرى، الحياة التي لا يعرفها أحد سواي..

في دمشق تعرف أن الحب هو أقدس الأشياء التي ستعيشها هناك، وما إن تحمل معك قلبًا دمشقيًا في حقيبة سفرك، ستعرف أنك ستبقى تائهًا فيه ودونها للأبد، بينما تبحث عن الشوارع التي لم تمشِ بها يومًا لتتخيلها في محولة معافاة روحك الهشة… بينما تبقى تعزي نفسك بعودة.. أخيرًا يا عزيزي أنت لن تقع بالحب بشكله التام والمكتمل… هناك شيء ناقص دومًا ستثق أنك لن تحب دونها قط..

دمشق المنزل الذي هُدّم فوق رأسك ولا تزال تصنع من حجارته الصغيرة خيمة!

أنا صاحبة الذاكرة المريضة، التي تنقلت بين محطات هذا العالم ما بين ثورة .. وموت .. نزوح .. فهجرة ثم عجز عظيم لا ينفك يحطم كل ما أحاول تجاوزه ويعيدني لنقطة الصفر دومًا، أنا التي لم أعش ربع حياة قبل الثورة، ثم عندما حاولت العيش أغرقتني الخطايا وسحبتني موجة الحرية معها حيث ذهبت، لم أكن كبيرة حينها سبعة عشرَ عامًا لن تكون كافية لترسم صورة كاملة عن أحلام فتاة أو رغباتها أو حتى عن الفتاة نفسها، لكني اليوم وكلما أطلت حياة عادية ورتيبة جدًا حولي لآخرين أتساءل كيف كنت أعيش قبل هذا؟ هل كنت أملك وسطًا مشابهًا وعائلة وأصدقاء وروحًا فعلًا؟.   في الحقيقة يا أبي لقد أصبحنا مشوهين أكثر من اللازم، نحن نسينا كيف كانت الحياة ولا نعرف كيف سنعيش الحياة التي قد تكون لنا لاحقًا .. حتى فرصنا بالنجاة أصبحت محض كذبة.. لقد غارَ البحر ونحن نجدّف سفينتنا في التراب فقط!

 

Advertisements

محاولة عابثة ..

أكتب لك.. لا لشيء سوى أنك اكتمال كل الرغبات في عقلي، وأنا إن توقفت يوماً عن الكتابة لك سأموت، سأموت بسبب التخمة التي ستصيبني من الكلمات، وأنا أكره التخمة وكل الكيلوغرامات الزائدة والكلمات الزائدة والألحان والعلاقات والصور الزائدة، أكره كل الفائض في الحياة وأكرهك كلما فضت داخلي واتسعت ..

أكتب لك.. لأن صديقتي تُصر أنني يجب أن أكتب لشخص ما، ولأن أختي لا تنفك تظن نفسها المقصودة في رسائل الحب تلك، ولدي صديق آخر يعيش وهم أنني أحب رجلاً فينزوي في آخر العالم يبكي فرصته المفقودة كما يعتقد بفتاة مثلي، أما أحد المتابعين لجنوني الانترنتي دائماً فيظن نفسه المقصود ويمطرني بالقلوب البنفسجية على الرسائل لأنتبه لاسمه، بالمناسبة أنا لم أجرب مرة أن أقرأ اسمه، قد يكون ذلك لأني أحفظ الأشياء بسرعة عند قراءتها ولا يهمني أن يصير محفوظاً في ذاكرتي ..

لنعد إذن .. لماذا أكتب لك؟! ..  أكتب لأنني أرى الحياة هنا رتيبة بشكل مزعج، والحياة في وطني صاخبة بشكل مميت، لا أريد أن أخبر العالم أنني أترقب سماء دمشق كل يوم لتمطر موتاً على عائلتي، الناس لا يهمهم الأمر جداً، وأنا لا أفهم لماذا عليهم أن يحاربوني باهتماماتي أصلاً!!.   أنا أحب دمشق .. وإن كانت دمشق المدينة التي لا تعرف الحب، والتي تبخل على الناس اليوم بالحياة، وإن كانت المدينة التي خطفها منا مستبد أحمق يظن أنه إله الخير في هذا العالم، وهو يرسل الشرور فينا وحولنا متى تمكن من ذلك ..

أحب دمشق، كما أحبك بالضبط وأخشى منكما وعليكما بذات اللهفة، أعرف أنني تحت لعنة الاغتراب أحمل فقط قلباً صغيراً جداً، لا يستطيع وضع السماء داخله، فيحتفظ ببعض الصور عنها كما فعل معك ومع دمشق، أعرف أنني خرجت بجسد لا يقوى على معاندة الحياة كثيراً وكلما خيّرته الدنيا أمراً جديداً تكاسل هرباً وعاد للبحث في طرق الانتحار، أفهم معنى أن تصغر روحي فتصبح داخل كف العفريت الذي يرجُ دمشق بقسوة، ويبصق على الريف قذائفه النتنة ليسكتها.. أعرف أن كل هذا العالم يتفق أن مدينتنا تستحق كل شيء، ونحن وحدنا من نعرف أنها المدينة التي تسقط، لا كما يعتقد الحالمون أنها لا تموت أبداً، بل لأننا نوقن أنها حالما تسقط سيؤذينا دوّي سقوطها نحن أبناءها الغرباء وحدنا..

أكتب لك، لأنك الوحيد الذي لا تملك الوقت في هذا العالم لتقرأ هرائي، أو لتسمع شتائمي المتكررة على الحياة، آخر شخص في هذا العالم سيفهم وحدتي وتقبلي الأخير للحياة الميتة حولي، وتوقف رغبتي في الرحيل لأي مكان..   وحدك ستعلم أنني لست أحداً مهماً، وأنني لا أعرف صياغة الكلمات جيداً، لأنني مليئة بالبؤس والحل الوحيد برأيك أن أترك هذا العالم للجادين أمثالك .. أكتب لك، لأن جرح الشام داخلي يخرسه ألف سبب أخجل من البوح بهم، ويضغط عليه كل وجوه الذين أحبهم ويقبعون تحت الخطر هناك.. أكتب لك لأخبرك أن هذا العالم لا يتسع لنا أبداً ونحن لا نريد التضاؤل للانكماش فيه ..

أكتب لك .. لأنني أحتاج حضنك الآن .. أو لأنني أحتاج كل شيء سواك!

دمشق وظلها في الذاكرة ..

أشفقُ على من سرقته الغربة مبكراً ولم يعرف بلاده كما عرفتها أنا ..
أشفق على من لم يستيقظ يوماً ليعافر التعب في انتظار الميكرو الصباحي .. وعجقة النزق التي تجبر جميع المتأخرين للتململ … بينما يُقدمني أحد الموظفين عنه للركوب لأنني طالبة وحسابي علامات أما هو فيستطيع النفاذ بريشه متأخراً هذا اليوم ..
أشفق على من لم يعرف الصباح في الشام … هادئا .. عسيراً .. ممتلئاً ما بين صوت عبد الباسط عبد الصمد وفيروز تغني “حبيتك بالصيف حبيتك بالشتي” .. وكلاهما على مسافة موقف واحد بين باصي ‘جوبر زملكا عربين’ عند المخفر ..
أشفق فعلاً علي من لم تحتضنه سماءها وحيداً بينما كان يمارس عادة الهرب من محاضراته أو من مسؤولية ما .. ومن لم يلتقط عيون العاشقين في الشارع يحتالون على المارة ليتمكنوا من اللقاء بشكل ووقت أسرع .. من لم يمشي في الحارات التي تغرقها المجنونات والياسمين بتحدٍ بينهما حيث تجلس النساء الجميلات على شرفات منازلهن يشربن القهوة ويطالعن العابرين ليختلقن لهم الحكايا ..
أشفق على من لم يعرف الجمال الذي تبعثه دمشق في الروح .. ولا كم الأمان الذي تغرقك به كل ما احتضنتك .. أشفق على من لم يسمع صوت مظاهرة صادقة مؤمنة هناك .. ولم يبتل وجهه بالعرق والدمع والإيمان حينها … أشفق على من لم يسمع أذان جوامعها الدافئ والحنون .. ومن لا يميز أجراس كنائسها .. من لا يعرف بائع الذرة المشوية .. ولا صوت بائع الغاز المزعج الذي نشتاق له الآن .. ولا سيارة مي بقين التي تمر في كل حارات دمشق .. وضحكات الأطفال وهم يلحقون بها مقلدين صوت الرجل فيها بشقاوة ..
أشفق على من لم يعرف عتمتها الشاردة .. ولم يسمع في حاراتها القديمة ليلاً صوت الزهر على الطاولة وضحكات الرجال .. أشفق على من لم يجرب مرة أن يضيع فيها حتى يصل سالماً لمقصده فقط لأنها تعرفه كما يعرفها! ..
في الحقيقة .. أشفق على من عرفها أكثر .. من مشى فيها طويلاً .. ومن جرب البكاء في حاراتها الضيقة .. ومن رسم أمنياته على أبوابها .. فكل هذا بالنسبة له حمل ثقيل لا خلاص منه .. كل هذا هو وجع يخبئه في روحه حتى لا يمسه نسيان ما .. يحتفظ بكل الصور في ذاكرته كي لا يصحُ ذات غربة على فجوة مؤلمة في روحه تُسمي الشامَ نسيانا …
وهكذا ..
#جنونيات_بنفسجية ..
#دمشق ..

يا دمشق سلاماً..

دائماً ما كنا نظن أن الحرائق التي حملناها معنا ونحن نشد الرحال بعيداً عنك ستنطفئ بعد عبورنا الحدود لأول مرة، وعند أول عسكري يسمم جواز سفرنا المكنى بك بختمه الأسود وابتسامته الشامتة ربما، لكن تلك الحرائق اتسعت وباتت تبتلعنا من الداخل أكثر وأكثر، بعض نيرانها تتصدر وجوهنا المنهكة، وبعضها الأخر يستمر في حرقنا وإفنائنا. لطالما أخبرتهم أن المرض الكثير هذا الذي يمر بي ليس “عين حاسد” كما يظنون، وليس ناتجاً عن تغير الهواء حولي كما كانت تقول أمي دائماً، هو فقط حاجة لأوكسجينك، الشيء الذي منحني رغم الموت حياة ثانية ذات يوم..

كل الطرق لم تؤدِ لسواكِ، كل الشوارع والحكايات لم تختم إلا بكِ، كل القضايا والمعارك والهتافات لا تحسم إلا باسمك، أنتِ البوصلة ونحن دونك تائهون شاردون لا مرتع لقلوبنا الحزينة إلاكِ!

يُقال أن المدن التي تحتضر عندما يغادرها أبناؤها تصمت حكاياتها مع الوقت، وكل العشاق يختارون  طرقاً جديدة، بادئ الأمر .. يُشبِّهونَ مدنهم الأخيرة بمدينتهم الأم، ولا يلبثوا أن تصبح الذاكرة مثقلة بالمدينة القديمة أمام كمية الجمال والأمان اللذين تمنحهم إياه المدن الجديدة، وهكذا يتخلصون من لعنة مدنهم الحقيقية. كل تلك المدن التي مررت بها حاولت سرقتي منك، وكل تلك المحاولات لم تحظَ إلا بالتفاتة بسيطة، تليها ومضة تشبهك، فسفر إليك، والكثير من الدموع..

أعرف كم تغيرتي، أعرف كم قتل ذلك الموت في روحك، وكم عبث ذلك المجرم في ذاكرتك وأهلك، وكم بدد كل صبح خُلق لأجلك بهالة من السواد، أعرف كم تغيرتي وأعلم أنك لا تشبهين نفسك الآن، ولكني أشتاقك كما كنتِ وكما عرفتك دوماً، وكل لومي لك لا يتعدى أن يكون “عتب محبين” لا أستطيع كبحه أو تجاوزه. تلاحقني بركتك إلى هنا، أذكر أنني بكيت كثيراً عندما فارقتك، وبكيت أكثر عندما خرجت من بيروت لأنني شعرت أن المسافة بيننا تتسع، ولا أحد يلملم تلك الكيلومترات اللعينة ويجمعني بك، ظلالك تحرسني هنا، وأول حب لمس قلبي باركه صبحك الذي أطل معه دون دراية مني، حروفي المثقلة بالموت رغماً عني، وتعلقي المحكوم بسبعة ألاف أمل بك وبعودتي، وكل الأذى الذي يلامسني من ذلك، أمتن له كل صباح فلا شيء يشعرني أنني على قيدك سواه.

أعرف أن هذا اللوم لن يجدي، أنا وأنتِ نعرف تماماً أن هذا البحر العظيم من الموت يبتلعنا جميعاً، وأننا لن نلبث نعتاد ملحه حتى يزيد من مرارته فينا، خمس سنوات يا أمي،  خمس سنوات مر فيها حلمنا الأخضر ولم نلتقطه، خمس سنوات ونحن نكبر لتمضي الأيام فقط، لا لنغيرها، نحن الذين حاربنا رصاصهم الحي في أجسادنا لنصرخ باسمك “حرية” لتبقي ونبقى، كانت طعنات الجلاد في أجسادنا كثيرة جداً، ولم تعافِها ضماداتنا الحالمة، سماؤك وأرضك، قاسيونك الكبير وشوارعك العتيقة، كلها ساندته ذات يوم، لقد أرسل الموت منك إلينا، ليشعرنا أن كل طريق أخضر رسمناه باسمك سيقتلنا..

كل ما في الوجع الذي في خاطري، أن حكايتنا التي بدأناه معك يا عزيزتي حتى هذا اليوم، تُحكى بضمير الغائب وينسب الموت الذي مسنا لمصدر “مجهول” وتسمى المسميات كلها باسم يشبه اسم القاتل، ولكن بكناية خجولة، فيصبح المظلوم أو الضحية في نفس مرتبة الظالم والقاتل. أنت تعلمين تماماً أنها لم تكن حرباً، وأن الدم الذي نزفه حبيبي في إحدى حاراتك ذات يوم، كان دم هاربٍ من سطوة قتلهم، وأنتِ من حماه حينها.  لماذا سمحتي لهم بأن يخلقوا في جوفك عتمة سوداء تدفن داخلها كل أصوات الحرية التي أحببناها يوماً؟. لماذا لم تحرسي حلمنا العظيم فيك وقتلتي باسم أمنك منا الكثير؟ ..

أنتِ لا تشبهين نفسك الأن، لكن في الحقيقة كلنا دونك لا نشبهنا، ليت اسمك يولد الحياة فينا بعودة، نحن هنا يتامى يا أمي، يتامى لا نملك إلا الدمع والحزن ولعن المسافات.

يا دمشقُ بلغ الشوق بنا مبلغه، باركينا حتى نقول باسمك ولأجلك ألف مرة: “يا دمشق سلاماً”.

غريب عن دمشق !

كيف نختبرُ الألم هكذا دفعة واحدة ؟. وكيف نعيد تكراره كلما عدنا لذلك اليوم الذي شعرنا به للمرة الأولى؟.
كل ما تذكرت آخر نظرة ألقيتها على الشام من اتستراد المزة، وكانت روحي تصارع آخر ذرة في جسدي لتتركها، أفهم معنى أن تموت..
أن تُحدِث الحياة في قلبك ثقباً لا يرممه وجودٌ ولا حضور، أن يبقى هذا الثقب مفتوحاً حتى تتسلل منه كل أحلامك الجميلة وضحكاتك العالية، ودمعاتك أيضاً ! أن تبقى تتنهد كلما شعرتَ به داخلك، وتحاول التأقلم على وجوده..
دونكِ الحياة أكثر قسوة، والشوارع لا تحمل دفئك، صوتُك الذي أخبرني ذات يوم بائس أن أخرجَ ولا أعود لا يزال يتردد داخلي ويحرقني.
كيف كنتِ أماً ورميتني في هذا البرد وحدي؟!
كيف كانت دموعك تغلبك وأنت تقولين لي: لا تعودي الآن!!
أنا وحيدة في هذه المدينة، وحدي أشق طريقي، أبكي ليلاً وحدي، أمشي في شوارع هذه المدن وأحاول أن أحدثها عنك علّها تحاول أن تشبهك..
أنظر على بقعة صغيرة تحيط بي فقط وأربطها بأحد شوارعك، ليكف قلبي عن البكاء.
لا أعرف الحياة جيداً صدقيني، وأشعر بوجع يعتصرني، أتنهد ويخرج الهواء مؤلماً من ذلك الثقب داخلي.
اعتدت وضع العلم الأخضر على كتفي وفي يدي، لأشعرَ فقط أن شيئاً ما منك يشاركني هذه الغربة السوداء، وهذا الوجع المقيت الذي لا ينتهي ..
كيف يتوقف الشوق؟!..
وكيف أستطيع أن أوقف شعور الاقتلاع المؤلم هذا من روحي ؟!

#دمشق
#جنونيات_بنفسجية 💜

قاسيون ..

عن قاسيون ..

ذات يوم .. لم يكن قاسيون بالنسبة لطفلة السماء سوى جبلاً عظيماً تمرُ به في دمشق حيثما ذهبت أو تراه يحرسها وتبتسم لذلك الشيء في طفولة مبالغ بها …
“أنا يحرسني القاسيون الكبير هذا متى غاب عن سماء مدينتي القمرُ..”
كلما اقتربت منه كانت تظن أنها تقترب من السماء وتلامسها وتجلس على غيمتها المرتفعة ..أليس هو مفتاحها الأقرب والأعظم؟!
كانت غيوم الشام تستريح عليه كل صباح … تنام حتى توقظها الشمس لتظلل دمشق ..
وتهرب قبل أن يحاول الناس ملامستها ذات صبح ..
“بابا بنقدر نطلع الطلعة مشي ؟!” ..
محضُ حلم متعب ..
حتى منزل صديق أبي الذي كان جزءاً من متعتي الطفولية .. يقعُ ما قبل قمة قاسيون بقليل في تلك المنازل المتربعة على الجبل والتي كانت تضيء بعد المغرب بلوحة مذهلة جداً يعرفها كل الدمشقيون وزوارها .. لطالما كنت هناك في ذلك الوقت أرى الشام .. وتراني .. أرى سحرها عندما تزين العتمة شوارعها .. وتضيء بعض قناديلها ..
وأفكر .. ماذا لو استطعت أن أنزل “متزحلقة” من هذا المكان المرتفع جداً إلى دمشق مرة واحدة .. في أي حارة سأكون؟!
هل سأصل لقبر جدي في مقبرة الشيخ محي الدين ؟!
أم أريد الوصول لأبعد نقطة في دمشق .. وأقربها منه ؟! …
شارعاً جديداً لا يعرف ابنة السماء .. فتحدثه دمشقُ عني متى أصل له ..
وألعب بضفيرتيّ خجلاً أمامهما .. 💜
لطالما شكلت السيارة بعجلاتها الأربعة عبئاً مزعجاً لي يكسر رغبتي الجميلة بالوصول أو المشي نحو ذلك الشيء الضخم جمالاً وشموخاً ..
عندما كبرتُ قليلاً كنت دائماً ما أصل لقمة قاسيون وأمشي، لا أذكر أني كنت أجلس إلا لبضع دقائق فقط وأمضي بقية الوقت من هنا إلى هناك نزولاً صعوداً ركضاً …
قاسيون الوالد الحنون لدمشق .. هو ذاته الذي زرع القاتل ذات يوم على جبينه الكثير من المدافع ووجهها نحو ابنته الجميلة .. متوعداً إغراقها بالدم تماماً كما يفعل اليوم بكل بقعة من البلاد الكبيرة .. وكما فعل بغوطتها ..
قاسيون وقصة طفولتي المشوّبة ببعض الأحلام الطفولية والرغبات المجنونة .. التي ما اكتملت من ملامحها سوى ليلة بدر ما كان يظلل دمشق احتضني وأنا أحاول الركض طويلاً طويلاً نزولاً من قاسيون ..
ولم تلبث تلك العلبة بعجلاتها الأربعة أن لحقت بي ..
قاسيون .. لك في القلب كل ما كان لك منذ الطفولة .. وكل ما كبر شوقاً في هذا البعد ..
ستبقى كما هي دمشق .. مفتاح الابتسامة في عتمة هذه الغربة التي لا تريد الموت ..
لا تريد !! 💜
‫#‏دمشق‬
‫#‏قاسيون‬
‫#‏جنونيات_بنفسجية‬

في دمشق !!!

 

صورة

اشتهائي لوحةٌ فنية مُكتملة الهيئة لمدينة تستحق البكاء والحزن … 
لمدينة كـ دمشق .. يعصف الشوق داخلي فيُخرب ما رتبت من زينتي منذ ذلك الزمن البعيد جداً ….
يحرضني لأبتسم مكسورة الخاطر لمدينة قد لا تعرفني بعد غربة عام ونصف … 
بين حروف القصيدة التي لا يكتمل لبيتها وزن ولا يرقص إيقاعها على بحور الشعر .. 
تقف كلماتي .. منتحبة مهزومة لا تنتصر … 
قالت فيروز عني _أظنها تقصدني _ : “عشرون عاماً وأنا أحترف الحزن والانتظار”
ماذا يغير الوقت من دواخلنا .. حينما يمضي بعيدا عنا تاركاً في ردهة مظلمة بقايا أرواحنا المتعبة ..
ماذا يحق لي أن أقول بعد أن نطقت فيروز _تي_ بكل شيء ..
حينما تنوح الأيام على تجاعيد الزمن المهترئ على وجنتي ستبتسم وتخبرني “فزعانة يا قلبي اكبر بهالغربة وما تعرفني بلادي” …
أي خوف عميق مؤلم يسكننا …حينما نغترب .. وتصبح أحلامنا مستباحة للسرقة والتنكيل والإحباط ..
قوارب النجاة الصغيرة لن تنفذ بأمنياتنا نحو شاطئ المعجزات …..
ثمة أمر آخر سيقيدنا ….
وجع الوطن الذي لا انفلات منه ..
ولا يمكننا التحرر منه نهائياً …
يصعب عليك في هذا الزمن أن تكون إنسانا وقد أصبح أغلب البشريين حيوانات مفترسة تفترس الأقدار والأرواح …
من الصعب أن تكون إنساناً وعاشقاً في الوقت نفسه .. الأمر يفوق التحمل ويخل بالتوازن المفروض حولك !!!
سطوة الألم تخلق منك ذاتك التي قد تستحق الحياة أو يكون الموت جديراً بالتهامها !!!