خوف ناضج..

أنتَ لم تعد أنت.. هذا ما يبدو عليه الأمر في البداية، حتى تعي تماماً أن تلك البداية كانت خاتمة لمرحلة ضخمة في حياتك. حسناً من أول السطر الذي لم ينتهِ رغم كل هذه الأيام التي مرت، يرقد شبح الكوابيس مجدداً فوق رأسي، ويلقي بظله الفارغ تحت عيني، أبتسم لحلاوة الأمر بعد أن اعتدته، أحدهم أخبرني أن عيون الباندا هذه جميلة للغاية، “التعب اللذيذ” كما تقول قرينتي..

البؤرة التي تفتح عينك فيها سوداء للغاية، عفن ربما، أو تراكم لخيبات وانكسارات وراحلين وخاذلين وجثث كثيرة إحداها تخص حبيبك الذي يهرب كل ليلة إلى زاوية النسيان فيكِ وتعيدينه حياً.. وضجيج وعزلة وهرب إلخ….

خوف يسيطر عليك، هذا بالذات هو الاكتمال الوحيد الذي منحتك إياه “أزمة” بلادك كما يريدون لها أن تُسمى، والتي تُصر أن تعاندهم قائلاً أن “ثورتك” المقدسة كسرت ميزان الخوف ذلك فيك.. تتساءل علقة الإصبع الجالسة في صدرك، “لحظة عن أي خوف تتحدث؟ أقصد أي ثورة؟”

تداخلت المفاهيم تماماً، يحلو للبعض اليوم تسميتها بالاسم الأكثر شيوعاً والأكثر منطقية، “الحرب” لا نرجع لخلفياتها ولا لمسبباتها ولا لأي شيء يمت بصلة حقيقية معها، هي حرب وحسب، حرب تبتلع أخضر البلاد ويابسها وتنهش في طريقها أحلامك وعمرك وأصدقاءك، وهنا علينا أن نعود لمنطق الخوف الذي تزرعه داخلك بتأني..

لا أذكر أنني خفت هناك، أقصد عندما كنت في سوريا، كان الأمر سوريالياً بطريقة غريبة، كانت ضحكاتنا تتسابق مع أصوات القذائف لتغلبها، كنا نمارس كل الجنون تحت زخات رصاص القناص المجنون، آخر ليلة قضيتها في منزلي وكان الطيران يحلق فوقنا كذبابة ثقيلة الظل تزعجك بزنها ولا تستطيع ضربها بيدك لتخرس، حملنا الدف حينها وأصبحنا ننشد ونهتف ونغني حتى منتصف الليل. لم أكن أدرك أن الخوف كان طفلاً صغيراً داخلي لم يكبر بعد، طفلاً أحب اللعب مع الحجارة المؤذية في الحارة، ولم تردعه ضربات أمه المتكررة على يده، لم أكن أخاف، أو ربما كنت أبلغ من التحدي والحقد ما يجعلني أكره أن أُكسر هناك، أو عندما كنت هناك..

في الفترة الأخيرة تماماً بدأت أرى نضوج الطفل ذاك جيداً، بدأت أشعر به يمسك بيدي كلما أقدمت على تصرف مجنون، أصبحت أحس بتوسلاته لي ممسكاً بطرف فستاني القديم جداً ليجعلني أغير رأياً أعمل عليه منذ أيام، لقد أصبح ذلك الخوّاف الشبح الذي يؤرق ليلي، وصرت أنا المنزوية في طرف هذا العالم أراقب كل ما يخصني خاضعاً لسلطته هو، خوفي الناضج!

العالم الذي كان ملعباً صغيراً بالنسبة لي، “ما بينخاف عليك، وين ما زتيناك بتجي واقفة، قدها وقدود، قوية وأخت رجال” كل تلك الألقاب أصبحت عبارة فقط عن خلفية صوتية في عقلي التائه جداً، تكرر نفسها كلما تقدمت لأفعل شيئاً وتراجعت مترددة عنه. “ربما لم أعد كذلك!”.. صحيح يقولون أني عندما أنخرط بالحديث عن سوريا تلمع عيناي جداً وأن “عيوني بتحكي وقتها” هذا الأمر يربت على كتفي أحياناً كي أقنع أن هناك شيئاً مني بقي صامداً ولم يتغير بعد. صديقتي التقطت لي خلسة صورة أثناء حوار ما، لم أعرفني فيها.. بقيت شاردة وقتاً طويلاً. ربما لم تُضعني الحرب كما يقولون،  قد تكون الغربة أو هذه البلاد، أو ربما أضاعتني تلك الانخراطات النفسية التي جعلتني متيبسة هناك وقتاً طويلاً، قبل أن أدرك تماماً أن الطائرات التي تحلق فوق رأسنا هنا، طائرات مسالمة أي أنها لا تنتمي لسرب العدو ولن تمطرنا بالموت، وأن الأصوات التي تفزعني كل فترة ما هي إلا “طق فتيش” وألعاب نارية للتسلية، وأن الوهم الذي يعشعش في قلوبنا ما هو إلا ذاكرة رفضت أن تخرج من حدود تلك البلاد اليوم..

“ألم تنتهوا بعد؟ ما جدوى كل الذي فعلتموه إلا دماراً وتشرداً وموتاً لاحقكم وأنتم شرذمات هنا وهناك!”

تسألني إحداهن، أجيبها مبتسمة: “مو نحنا صحاب الخطوة الأولى”، وكما يجب عليك كعاقل أن تدرك أنك مضيت في الثورة عندما وضعت تحت نارين إما أن تكون في صف المجرم أو أن تكون في صف العدالة، اخترنا العدالة كصيحة للحرية وهتفنا بها، آمنا بها كما آمنا بأمهاتنا ساعة ولادتنا، وكما نؤمن دائماً أن الحياة التي زرعنا بها قد لا تثمر بين أيدينا، ولكن على الأقل كي لا نلعن أرواحنا عندما نحتضر يوماً ونقول تخلينا عندما ترك الجميع أيدينا. نحن تغربلنا حقاً لم يبقَ إلا قلة تمسك بالعهد وتوفي به، وهذا الأمر ليس بطولة بل موتاً، لأنك مدرك تماماً أن حلمك صار قهراً عظيماً وأنك وحيد .. بعيد .. منفي، وأن كل وجوه الشر تجتمع لتحيل حلمك سراباً كأنه لم يكن وأنت لا زلت تمسك به، تتحدث عنه، تبث فيه الحياة وسط كل هذا الموت.. وأنك ولو عادت بك الكرة لاخترتها بكامل الحب والتضحية والرغبة، وما اخترت سواها سبيلاً!

هل ندمنا؟

قط!

رغم أن كل ما حصلناه من بؤس وتعب في طريقنا الطويل هذا يفضي لنهاية مماثلة ومغفورة أيضاً، لكن الأمر لا يرتبط بما أُريدَ له أن يكون، بل بما تريده أنت أن يكون، على الأقل في داخلك. كل التشوهات والصعوبات والأشياء تحملك لتكون شيئاً واحداً في هذا الزمن إن لم تستطع أن تصنع نصراً على الأقل لا تسمح بأن يصبح كل ما مررت به نسياً منسياً، وتسمح للقتلة أن يركضوا فوق قبور من نحبهم مختالين بتغلبهم على ذاكرتنا الخجلى، لا تسمح لأن تصبح الصورة التي دفعنا لأجلها جُل ما نملك غصباً وربما طوعاً أن تصير هامشاً تخجل أن تحدث عنه ابنك..

نسيت.. أنا مصابة بزهايمر جبان..

سأعود لمحطة الخوف قليلاً، على طاولتي خمس أوراق تنتظر البت فيها، وحياة جديدة ربما، ومفترقات طرق وعرة وضرورية، وبيني وبينها ابني ذو السبعة أعوام يقف متلصصاً على اختياراتي، ينتظرني أن أقرر ليبكي مجدداً وينوح في وجهي “لاء يا ماما لاء ما تعملي هيك” وأنا أراقب الدمع الملتمع خلف الجفنين، وأتنحى!

 

Advertisements

خرجت ولم تعد..

يغلقُ أحدهم القضبان بمئة جنزير ومفتاح وقفل .. كأن الروح التي تقف خلفه تبدو قادرة على الهرب أو حتى محاولة تجاوز كل أولئك القتلة المؤقتين لتنجو ..

في الحقيقة لا يبدو أنها راغبة بالنجاة ..

خارج القضبان تبدو الحياة مألوفة .. حياة طبيعية جدًا .. يشتري الناس حاجياتهم .. يبيع آخرون .. يلعب الأطفال في أغلب حارات المدينة .. يتجادل سائق التاكسي مع الركاب .. يحكي الحلاق حكاية الخاتم العجيب في فم السمكة للمرة المليون .. تسير امرأة حامل في الطريق فيساعدها أحد الرجال في جرّ عربة ابنها .. تسمع صوتًا حادًا يطلقه أحد الأطفال المتذمرين داخل الحديقة في وجه أمه التي تخبره أن الوقت قد انتهى .. الأطفال جميعهم لا يفهمون لعبة الزمن مبكرًا ..
كانت طفلة ذات يوم .. وكانت لا تعرف عن الزمن شيئًا .. خلف هذه القضبان الباردة تعلمت أن تنسى ذلك الذي يسمى وقتًا كي يكف عن حرقها كلما مر .. حاولت أن تعود طفلة .. طفلة لا تدرك من زمنها شيئًا .. لكنَّ وجعًا ما .. وجع لم ولن يبرأ في جسدها يذكرها في كل مرة أنها تجاوزت ذلك الوقت .. أنها كبرت أكثر من اللازم .. وأن الساعات ستبقى سجنها حتى وإن رأت السماء مجددًا ..

تغفو ..

تبقى أصوات الأقدام في الخارج تدق ناقوس الخطر فوق رأسها .. هنا تعلمت أن تلعب لعبة الاكتشاف مع تلك الأصوات، هذا رجل غاضب يحاول تجاوز زوجته .. وهذه خطى زوجته الصغيرة المتململة .. هذا طفل يمشي حديثًا وأمه تركض خلفه كي لا تسرقه سيارة مسرعة … هذه خطوات عاشقَين يبدو أنهما يمتلكان وقتًا كافيًا للحب وعمرًا يكفي ليسيرا في كل شوارع الشام معًا … تذكرت أنها ذات يوم امتلكت مثل هذا الوقت معه، قبل أن تبتلعهما العتمة …      هي لا تدري إن كانت تسمع الأصوات حقًا أم أنها تهذي.. لكنها تعلم جيدًا أن هذه اللعبة أنقذتها من خطر الوقت وحسابه .. تُكمل حديثها مع نفسها .. تُحصي السيارات المارة فوقها .. كيف يمكن أن تكون الحياة جحيمًا وجنة في ذات البقعة يفصلهما خط أرض واحدة إلى هذه الدرجة؟!
يدخل السجان يوقظها من نومها .. تذهب للتحقيق .. ثم تعود .. هي لا تعود كاملة كانت تدرك أنها بعد كل رحلة تحقيق وتعذيب تمر بها تنقص جزءًا .. هكذا حتى تنتهي كلها هذا ما تعزي نفسها به دائمًا عندما تسخر من مصيرها: “وزني مو كتير كبير .. هانت لاخلص” .. ثم يعود لها ذلك الوجع في موضع ما .. في حرقة ما .. يفتح داخل روحها موتًا أحمرًا وهي على قيد الحياة ..
هذا السجن كان الفاصل الوحيد بينها .. وبين حلمها .. روحها .. صورته الجميلة في عينيها … صورتهما معًا .. عائلتها .. مستقبلها .. أخيها الصغير الذي أراد أن يصبح خالًا لأبنائها منذ كان في الخامسة من عمره .. بينها وبين آخر الأمنيات في حياتها أن ترى السماء للمرة الأخيرة كما أحبتها دائمًا .. قد يجبرُ هذا المشهد كل أيام العذاب التي مرت بها… هكذا تتخيل!
تغفو مجددًا .. يدخل السجان بعد ساعتين .. يناديها .. يركلها .. يرش الماء البارد عليها .. كانت قد اتخذت قرارها في أن تكسر هذه القضبان .. خرجت بروحها نحو ذلك العالم الذي لم يعد يعرفها والذي لم ينتبه لغيابها يومًا  .. خرجت لترى إن كانت الحياة تبدو مُنصفة بين جحيمها وجنتهم .. خرجت ولم تعد .. ولن تفعل!

أن تجدّف غارقًا..

افتح مغاوير قلبك المغلقة، ومارس سخطك بصوت مرتفع، جراحُك التي تفتحها أصغر الأشياء التي تحدث حولك، صور قديمة لمدينتك بعد أن أصبحت باهتة جدًا، الماضي الممتلئ بصور الغائبين، الحياة الحقيقية حولك والتي تعد في الحقيقة قطعة من حجر جهنم لا تنفك عن محاولة ابتلاعه صبرًا واحتسابًا بعد أن كنت تأمل برميه في وادٍ سحيق عندما كنت تفكر بالهرب.. الآن أنت تخاف الخارج..

لماذا أتحدث بصيغة المخاطب؟

أنا من أخاف الخارج يا أبي، أنا التي لا أعرف إن كنت قادرة على المشي مرة أخرى بلا تعثر، أخاف إن جازفت بالخروج كما كنت أريد سابقًا..  أن أسقط، كما كنتُ أسقط بخطواتي المبكرة جدًا عندما كنتَ تمسك بيدي وتبتسم لي، لقد سقطت كثيرًا في الفترة الأخيرة لكني دائمًا ما سقطت وحدي، كانت يدك بعيدة جدًا، وكنتُ أنا مزروعة في الغياب كوردة تذبل رغم أنها تحمي جذورها جيدًا، كنتم تربة الأرض التي حاولت حمايتي، لكن لا ماء يسقيني هاهنا، لذلك جففت سريعًا وربما مت، أعلم أنني لا زلت أبتسم..  في النهاية الموت لا يعني أن يكف الشخص عن خلق فرص عيش له كالأشخاص العاديين، إنه فكرة منفصلة، مثل أن أحبك بصمت دائمًا، كأنك تسمعني.. مثل أن ينفرط قلبي في جوفي لألف قطعة وأعجز عن لملمتها بينما يظن الناس أن الصوت الذي صدر عن ذلك محض شيء عابر في الخارج.. كل الحكايات التي تتضخم لتصير جزءًا من كوابيسي هي قبور في الذاكرة، كنتُ أظن نفسي ذكية عندما استحدثتها هناك، باتت القبور ظلامًا ضخمًا يبتلعني كلما مر وقت أطول..

الليل في دمشق.. أو لنتحدث عن كل الطرق التي أسلكها عائدة نحو دمشق وتبدو مبللة، الدمع الذي أعجز عن استحضاره في حياتي اليومية، يغرق دروبي العائدة نحوها دائمًا، أمشي داخلها بينما تبادلني هي ذات البرود المخيف الذي تمارسه عليَّ هذه المدينة، فأصغر فيها كطفلة تربكها الخطوات دون يد أمها، في تلك الزاوية التي كنت أفضلها في شوراع دمشق القديمة، حيث يقف بائع اللوحات مقابلًا لها، هناك في العتمة أكمل منامي مرتجفة، عندما أعرف تمامًا أن أغلب الأشياء في عقلي محض وهم، وهم بكل ما كنت أحبه قبل هذا العصر، ووهم آخر يجعلني أكرر تأجيل كل ما أرغب بفعله لحياة أخرى، الحياة التي لا يعرفها أحد سواي..

في دمشق تعرف أن الحب هو أقدس الأشياء التي ستعيشها هناك، وما إن تحمل معك قلبًا دمشقيًا في حقيبة سفرك، ستعرف أنك ستبقى تائهًا فيه ودونها للأبد، بينما تبحث عن الشوارع التي لم تمشِ بها يومًا لتتخيلها في محولة معافاة روحك الهشة… بينما تبقى تعزي نفسك بعودة.. أخيرًا يا عزيزي أنت لن تقع بالحب بشكله التام والمكتمل… هناك شيء ناقص دومًا ستثق أنك لن تحب دونها قط..

دمشق المنزل الذي هُدّم فوق رأسك ولا تزال تصنع من حجارته الصغيرة خيمة!

أنا صاحبة الذاكرة المريضة، التي تنقلت بين محطات هذا العالم ما بين ثورة .. وموت .. نزوح .. فهجرة ثم عجز عظيم لا ينفك يحطم كل ما أحاول تجاوزه ويعيدني لنقطة الصفر دومًا، أنا التي لم أعش ربع حياة قبل الثورة، ثم عندما حاولت العيش أغرقتني الخطايا وسحبتني موجة الحرية معها حيث ذهبت، لم أكن كبيرة حينها سبعة عشرَ عامًا لن تكون كافية لترسم صورة كاملة عن أحلام فتاة أو رغباتها أو حتى عن الفتاة نفسها، لكني اليوم وكلما أطلت حياة عادية ورتيبة جدًا حولي لآخرين أتساءل كيف كنت أعيش قبل هذا؟ هل كنت أملك وسطًا مشابهًا وعائلة وأصدقاء وروحًا فعلًا؟.   في الحقيقة يا أبي لقد أصبحنا مشوهين أكثر من اللازم، نحن نسينا كيف كانت الحياة ولا نعرف كيف سنعيش الحياة التي قد تكون لنا لاحقًا .. حتى فرصنا بالنجاة أصبحت محض كذبة.. لقد غارَ البحر ونحن نجدّف سفينتنا في التراب فقط!

 

سجن انفرادي..

لم تكن تتصور أن تعيش طويلًا هنا.. لا تذكر أنها ارتكبت جرمًا حقيقيًا في حياتها.. لكن شاء القدر أن تكون هنا في هذا المكان الضيق مما يزيد على أربعة أعوام… العتمة هنا تكرر نفسها.. حتى أشعة الشمس التي تغرق غرفتها الصغيرة جداً بوهجها تحافظ على موعدها في القدوم.. لكنها تتباطأ بالرحيل دائماً.. ساعات النهار تتضاعف كما كانت تحلم خارج هذا المكان وبالشكل الذي أصبحت تكره هنا أكثر.. كل الظروف هنا اجتمعت لتؤكد لها صعوبة مرور الوقت عندما تكون وحيدًا.. الغرفة صغيرة جدًا.. تبدو للوهلة الأولى قبرًا لكنها في الحقيقة تمتلك منفذًا كبيرًا في سقفها لتستطيع ابتلاع الشمس كاملة من كبد السماء.. لا تطل إلى على الفراغ.. باردة وموحشة دائمًا.. لكنها قد تقتلك حَرًا .. جدرانها ضخمة لكنها تستطيع أن تجثم على صدرك كلما حاولت أن تلتقط نفَسًا عابرًا … أضيق من أن تتسع لشخص يملك حلمًا .. وأوسع من أن تحمل قلبًا يبحث عن نهاية ما في هذا العالم..

أربع سنين .. استطاعت أن تدفن عطرها في هذا المكان.. مع مرور كل هذا الوقت وبحثها الدائم في كل صبح يزعج نومها الكثير منبّئًا بيوم جديد عن مسبب واحد للاستمرار هنا .. أو عن شيء واحد قد يفعله المحتجز في مكان مماثل … أو عن مرآة تعكس صورة وجهها بكل هذا الأرق! … دون جدوى .. لم تعرف أن كل هذا الوقت قد يمر بالفراغ هكذا .. وأنه سيمضي فقط لأن لا شيء يمكن أن يحدث سوى ذلك .. كانت تكبر .. وحيدة في العتمة تحت الشمس .. يتمدد جسدها بالحرارة .. وتتقلص أحلامها ومشاعرها ورغباتها بالبرودة … تسكب السماء عليها مطرها .. وتجفف الرياح العابرة شغفها .. مع كل هذه الساعات الكثيفة .. وخطؤها الدائم والمكرر والمقصود باحتساب الوقت .. وجدت أنه لا بد من أن يتوقف هذا الدوران حول العالم بلا جدوى .. قررت أن تكف عن أداء دور الناقم الكاره .. واتخذت لنفسها زاوية من هذا المكان الضيق .. تراقب فيه كل ما يحصل حولها دون أن تحاول أن تكون ظلاً للحكاية التي تمر بها ..

من تلك الزاوية .. مارست موتها الأول .. وقد فقدت كل حيلها في اختلاق عيش ما في هذا السجن .. رأت بعد ذلك أن الشمس لا تلقي بثقلها عليها قاصدة .. بل هي تفعل ذلك على كل النوافذ المشرّعة لها .. وأن الهواء لا يبحث عنها لينسفها بل هو يمر بكل من يقف في طريقه .. القمر .. لا يقف عند نافذتها الوحيدة حبًا بل هي دورته الكونية وحسب .. عرفت أن النجوم لا تزين السماء لتبدد وحشة الوحدة عن قلبها .. بل لأن المدينة أطفأت قناديلها المضاءة فقط! .. لا شيء في هذا العالم الكبير خارج سجنها الصغير يقصدها بما يفعل … وحده العالم المتسع الذي سكن خيالها ذات يوم كان ينتظرها .. ووحدها من كفت عن البحث عنه .. ثم تابعت مراقبة هذا العالم الصغير الذي يكفيها .. كي تُسقط رأسها في ليلة السنة الأخيرة من شباك غرفتها نحو الأرض بحبل معقود جيدًا على رقبة الرغبة التي لم تعش إلا عشرين عامًا ثم ماتت!….

من منا أنا؟

أدركت أننا إن أفلتنا يدنا وكففنا عن التمسك بالأشياء التي نحبها سنستطيع أن نكون بخير أكثر.. وهذا ما حاولت فعله مؤخراً .. أنا أبتعد عن كل الأشياء التي أحبها.. لقد مر وقت طويل منذ أن حاولت القيام بشيء أحبه .. أو حاولت الدفاع عن رغبتي بشيء أحبه .. أنا حرة الآن .. هذا صحيح لكنني متعبة من هذا!

الوحدة تسحبك للأسفل كلما حاولت أن تلتقط نفساً جماعياً من الآخرين .. سحبتك نحوها بشدة .. أنا أسمع صوته الذي أحبه كلما غرقت إلى الأسفل .. هذا الشيء يدفعني أن أكف عن محاولاتي بالتفكير في الهرب ..

الحياة في الوطن باتت تشبه كل الصور عداها .. هناك رصاصات كثيرة تبحث عن أجساد سالمة لتسقط فيها .. هناك أحبة لا يزالون على قيدها وقذائف تبحث عنهم لتسرق أرواحهم .. هناك عشاق يقفون على حافة الأمل ليلتقوا .. فيسقط بينهم برميل .. يحولهما إلى أشلاء ستجمع أخيراً في قبر جماعي واحد .. هل هكذا يبدو وجه اللقاء الأخير؟! ..

تحدثنا آخر مرة عن الأمل .. فوعدني أن يكون بجانبي في الأيام المقبلة .. أنا اتخذت المنافي سبيلاً مجبراً .. وهو اختار تربة الأرض منزلاً ..

كتف أخي امتلأ بالأشواك منذ آخر احتضان بيننا في دمشق .. بعدها لم أعد أجد ملاذي داخله ..

كل الأشخاص حولي يمتلكون صوتاً مرتفعاً … وأنا وحدي أبحث عن صوتي في حناجرهم ..

الذاكرة تعيدني اليوم نحو حلب .. وأنا أحمل وزر كل تلك الأيام .. أنا أتعب من ثقل هذه الذاكرة التي لا ينخفض وزنها بمرور الوقت .. بل تصبح أكثر فتكاً بي ..

أحب دمشق .. وتقتلني دمشق ..

لم يأخذ الموت هدنة في بلادي حتى اللحظة .. كل وعوده بفعل ذلك تبوء بالفشل .. إنه يسرق أحبة الآخرين هذه الليلة ..

هذا المنفى .. صقيعه يحولني إلى صبارة جافة .. تحترق في لهيب الشمس وجذورها مُقتلعة منذ أيام …

من أنا؟!

محاولة عابثة ..

أكتب لك.. لا لشيء سوى أنك اكتمال كل الرغبات في عقلي، وأنا إن توقفت يوماً عن الكتابة لك سأموت، سأموت بسبب التخمة التي ستصيبني من الكلمات، وأنا أكره التخمة وكل الكيلوغرامات الزائدة والكلمات الزائدة والألحان والعلاقات والصور الزائدة، أكره كل الفائض في الحياة وأكرهك كلما فضت داخلي واتسعت ..

أكتب لك.. لأن صديقتي تُصر أنني يجب أن أكتب لشخص ما، ولأن أختي لا تنفك تظن نفسها المقصودة في رسائل الحب تلك، ولدي صديق آخر يعيش وهم أنني أحب رجلاً فينزوي في آخر العالم يبكي فرصته المفقودة كما يعتقد بفتاة مثلي، أما أحد المتابعين لجنوني الانترنتي دائماً فيظن نفسه المقصود ويمطرني بالقلوب البنفسجية على الرسائل لأنتبه لاسمه، بالمناسبة أنا لم أجرب مرة أن أقرأ اسمه، قد يكون ذلك لأني أحفظ الأشياء بسرعة عند قراءتها ولا يهمني أن يصير محفوظاً في ذاكرتي ..

لنعد إذن .. لماذا أكتب لك؟! ..  أكتب لأنني أرى الحياة هنا رتيبة بشكل مزعج، والحياة في وطني صاخبة بشكل مميت، لا أريد أن أخبر العالم أنني أترقب سماء دمشق كل يوم لتمطر موتاً على عائلتي، الناس لا يهمهم الأمر جداً، وأنا لا أفهم لماذا عليهم أن يحاربوني باهتماماتي أصلاً!!.   أنا أحب دمشق .. وإن كانت دمشق المدينة التي لا تعرف الحب، والتي تبخل على الناس اليوم بالحياة، وإن كانت المدينة التي خطفها منا مستبد أحمق يظن أنه إله الخير في هذا العالم، وهو يرسل الشرور فينا وحولنا متى تمكن من ذلك ..

أحب دمشق، كما أحبك بالضبط وأخشى منكما وعليكما بذات اللهفة، أعرف أنني تحت لعنة الاغتراب أحمل فقط قلباً صغيراً جداً، لا يستطيع وضع السماء داخله، فيحتفظ ببعض الصور عنها كما فعل معك ومع دمشق، أعرف أنني خرجت بجسد لا يقوى على معاندة الحياة كثيراً وكلما خيّرته الدنيا أمراً جديداً تكاسل هرباً وعاد للبحث في طرق الانتحار، أفهم معنى أن تصغر روحي فتصبح داخل كف العفريت الذي يرجُ دمشق بقسوة، ويبصق على الريف قذائفه النتنة ليسكتها.. أعرف أن كل هذا العالم يتفق أن مدينتنا تستحق كل شيء، ونحن وحدنا من نعرف أنها المدينة التي تسقط، لا كما يعتقد الحالمون أنها لا تموت أبداً، بل لأننا نوقن أنها حالما تسقط سيؤذينا دوّي سقوطها نحن أبناءها الغرباء وحدنا..

أكتب لك، لأنك الوحيد الذي لا تملك الوقت في هذا العالم لتقرأ هرائي، أو لتسمع شتائمي المتكررة على الحياة، آخر شخص في هذا العالم سيفهم وحدتي وتقبلي الأخير للحياة الميتة حولي، وتوقف رغبتي في الرحيل لأي مكان..   وحدك ستعلم أنني لست أحداً مهماً، وأنني لا أعرف صياغة الكلمات جيداً، لأنني مليئة بالبؤس والحل الوحيد برأيك أن أترك هذا العالم للجادين أمثالك .. أكتب لك، لأن جرح الشام داخلي يخرسه ألف سبب أخجل من البوح بهم، ويضغط عليه كل وجوه الذين أحبهم ويقبعون تحت الخطر هناك.. أكتب لك لأخبرك أن هذا العالم لا يتسع لنا أبداً ونحن لا نريد التضاؤل للانكماش فيه ..

أكتب لك .. لأنني أحتاج حضنك الآن .. أو لأنني أحتاج كل شيء سواك!

عندما تقاتل العالم.. وحدك!

لا أحد يستطيع الذهاب للامتحان دون أن يفتح الكتاب لمرة واحدة فيفلح كما أفعل غالباً .. أختي فعلت ذلك منذ أيام وعادت تشتمني من امتحانها الذي لا تعرف ماذا كتبت فيه..

أنا كل ليلة أحلم بأن أستيقظ لأجد شبحاً ضخماً ابتلع العالم، وجعل كوخي الصغير على مقربة من فمه الضخم، ذلك فقط كمنحة خاصة لي لأنني بكيت طويلاً في الليلة نفسها..

أستطيع رؤية ركن العالم الهادئ كلما تثاءب الشبح..  في خيالي كان يتثاءب كثيراُ بالمناسبة ..

أصبحت أتقن ردات الفعل والنقاشات وإبداء الاختلاف والدخول في مشاحنات مع الآخرين صامتة …

كل يوم أقرر أن ألملم أغراضي كاملة وأمضي لمكان بعيد جداً، وفي كل صبح أرى عيون أمي وأبي أعود لأرتب أشيائي في الخزانة مرة أخرى، بقيت أكرر الأمر ثلاث سنين وحتى اللحظة لم أفلح في الهرب..

أحببت رجلاً كان يكذب بكل وعوده التي أطلقها، ولأني أكره الكذب جداً كرهته وتعلمت أن أكذب ..

الجانب السلبي داخلي تحول إلى جانب أخرس، لا صوت له أبداً، وزاويتي الإيجابية باتت تثبت نفسها جداً لكثرة ما أبتسم ..

أصدقائي يصادفونني في الأوقات الحرجة وغالباً ما يتفاجأون من هزالي أو السواد تحت عيني أو تهالك صوتي ..

الواقع الافتراضي أكثر ثقلاً من الواقع بمراحل، وكلما قررت هجره أعادني الحنين لصوت أحدهم ..

كل المدن موحشة، ولا أمر بغربة إلا أشعر بصلابة الوقت متحجراً في روحي .. أشعر أنني بت أحمل داخلي جبلاً لكثرة المدن التي مرت بي ..

صوته حنون جداً، لكنه لا يستطيع أن يكون جاداً في الحب أبداً ..

لم أعد أمتلك ورقة بيضاء واحدة ..

يدي كما يقول الطبيب لن تعمّر معي كما يبدو ..

وجهي سيصبح نصف وجه قريباً ..

تخليت عن ظلي في مقايضة مع بائع أحلام ..

روحي بقيت عند باب دمشق الثالث تنتظرني، وعدتها بالعودة بعد أن أشتري القليل من العمر .. ولم أعد بعد!

أخي .. بعيد مثل الوطن تماماً ..

الثورة لا تزال طفلتنا المدللة ..

أعترف كوني لا أفهم بالمعارك مثلما أضيع في مباريات كرة القدم تماماً ..

أخاف أن يسفك نقطة دم واحدة ظلماً ..

يؤلمني مشهد التهجير الذي يحصل كأنني أعيشه مرة أخرى ..

كل القذائف والصواريخ التي تستهدف الوطن تسقط في قلبي ..

كل الصرخات والدموع والأحزان التي تستوطن قلوب السوريين في العالم تكرر نفسها في رأسي يومياً ..

دمشق .. آخر زفراتي المشتاقة والملتاعة والحزينة ..

هو … أنا .. وكلانا شبه كائن موجود ..