عائدٌ من المعركة ..

كنت أمسك يدك بقوة وكأني أخاف أن تفلت مني مجددًا.. أي أذية أخرى أكبر من أن أفقدك بين غبار المعارك من جديد؟.. أمسكتها رغم أنك كنت تقف خلف الباب لم ألمح وجهك.. بدأت أنادي على عائلتي فرداً فرداً أبشرهم بعودتك.. كان يكفيني أن تكون يدك سليمة .. تلك اليد نفسها التي أدماها الرصاص سابقاً وأغرقتها الدماء .. لم أكترث عندما أصبح لون يدي أحمراً .. لم أفكر في غسلها حتى .. كان يكفيني دمك لأطمئن أن ما أراه ليس حلماً .. كنت أشعر بك!

دموع أمي تكفي لتغرقنا وتغسل يدك ويدي وعمرينا معاً .. تكفي لتجعل مدينتنا المدمرة تزهر من دمعها المالح .. لم يكن يعنيني أن يسقط السقف المتهالك فوقنا .. كانت القذيفة التي سقطت عليه كما يبدو مائلة .. إنه يميل يساراً كقلبي الذي يحتويك .. كنتُ أستند عليك ولم يكن يعني لي سقوط المنزل فوقنا أي شيء .. كان وجودك هو الفرح الوحيد الذي يستحق التضحية .. حتى ولو بعمري ..

كنتَ تبتسم .. كأن وجهك لم يتغصن تعباً .. كأن المسافة لم تؤذك بنا يوماً .. كأن صوتك لم تبدده ساحة حرب ولا هرب من موت موشك .. كأنك أنت .. لم تتغير أبداً .. وكأن كل الذي مضى منذ رحلت هو الحلم .. وجودك الآن ويدك بين يدي هو الحقيقة الوحيدة في هذا العالم .. نسيتُ صوتي .. لم أكن أرغب بالتحدث أصلاً .. كنت أسكرُ بصوتك وأحلّق معه .. بسماواتي الوحيدة .. بعيداً عن أعين الجميع المتعطشين لأخبارك .. أنا لم أكن أبحث فيك عن أي خبر … أنت هنا .. أريد أن أسمعك تقول فقط “هذي البلاد لنا .. كما أنكِ لي .. ولن نمضي” …

ابتعدت عني مسافة صغيرة حتى بدأت أدرك أن صوتي أصبح صراخاً: “كم جرحاً فُتح في جسدك؟ كم رصاصة سقطت في روحك؟ كم شهيداً دفنت وأنت تبكي نجاتك من الموت؟ كم مرة تذكرتني في طريقك الترابي وأشعلت ناراً لتشعر ببعض الدفء؟ كم كانت المساحات الشاسعة درعاً واهياً؟ وكم كان الموت ملتصقاً قريباً منك؟ … لماذا لم تعد تجيب؟ لماذا بدأت ملامحك تختفي هكذا؟ لماذا تهرب ابتسامتك مني؟ أين أنت؟ ما هذا السواد العقيم الذي أغرق به؟ لماذا لم يعد المنزل موجوداً؟  أنت!!”

أستيقظ من كابوسي مجدداً بذات الهيئة المرتجفة الخائفة .. هل هو كابوس فعلاً؟ .. أعرف هذا السقف .. وهذا الصوت المزعج الذي يصدره التكييف فوق رأسي .. لقد عدتُ أهذي من جديد .. لا أحد هنا .. لن يعود هنا أيضاً .. لم نملك بلاداً يوماً ولا حباً ولن نملك أبداً … كل شيء تفلت منا على طريق الرحيل .. نحن وحدنا كما كنا دائماً .. وبيننا المسافات يا عزيزي .. والموت ..

نحن المسافة والرحيل .. نحن كل الموت .. كله!

Advertisements

وجه مفصلي في الحرب ..

أريد أن أخبرك بحقيقة ما..
كنت أكذبُ منذ البداية عندما سمحت لك بالرحيل المليء بالخيبة وأخبرتك أنه خيارك وطريقك، أنا في كل صباح أعود لصورك، أتأملها طويلاً ثم أبكي ..
لم يكن ذاك خيارك أبداً، كان الأمر المفروض الوحيد الذي يمكنك فعله، بينما أنعم أنا بمنفى أكثر لطفاً من منفاك في الوطن، ويزيدك شقاءاً أن الطرق تغلق في وجهك تباعاً، ووجهي بعيد جداً عن مرأى عينيك ..
مر وقت طويل، لم أغفر لنفسي منذ ذلك الوقت، منذ رسالتك المختصرة المنذرة بالرحيل وحتى هذه اللحظة، بينما تحاول أنت أن توصل لي عيشك السالم والآمن في طريقك المر ذاك..
أنت أيضاً تكذب، الشمس تلفح وجهك دائماً وأنت مثلي تكرهها، والدم يلطخ جسدك ولا تستطيع الاستحمام متى شئت وتعرف تماماً أنك لو فعلت ذلك لن يذهب أثره، ساعدك الذي يمسك البندقية منهك، وأعصابك تظهر بصورة أوضح من قبل، وجهك كبر عن الخمسة وعشرين عاماً، أصبحت في الثمانين كما يبدو ..
لم تعد أنت، وأنا مثلك، أصبحت غريبة جداً، اشتقت لصوتي بينما كانت نقاشاتنا تعلو ونختلف كثيراً، ثم تعيدنا لبر الحب نفسه صورة قديمة لنا، هذا العالم ضيق جداً، لم يمنحنا إلا قراراً للموت، قراراً يدفعنا أن نسير في خط ثابت يشي الموت بآخره..
كل هذه الكيلومترات لا تجعلني أشك للحظة بقسوة ما تمر به، لكنها تجعلني عاجزة أمامك، أمام افتراقنا في رأي جعل كل منا يمارس حياته كغريب، بعد أن كانت حياتنا تستوي على بلاطة واحدة..
التفاصيل خانقة، ووجهك كلما أطل في منامي جعلني أكثر عرضة للوجع، كأن أصحو اليوم في صباح فبراير المشمس لأختبر برداً جديداً يجعل روحي ترتجف شوقاً وحنيناً وخوفاً، ألم نتعاهد على السير معاً؟!، ألم تكن تلك الوعود بالحرس والسلم أكبر من هذه الحرب اليوم؟!..
لماذا اتسع الخلاف بيننا حتى أصبحنا نمقت يوماً مر لنا معاً..
أنت تحمل السلاح اليوم، وأنا لا زلت أحارب بقلمي، كلانا يمارس حربه غياباً، وصوتي يناديك، والعتمة تبتلعك، وذاكرتي تنبئني بحزن سينتشلنا معاً من مكاننا الواحد .. هناك حيث سأشتاق لصورتك فلا تظهر أمامي البتة..
لذلك البعيد جداً.. والذي لا يعرف كيف يصل إلي الآن .. رغم أنني لا أبدأ يومي إلا به!!
وجهك .. هو الوجه المفصلي الوحيد أمامي في هذه الحرب ..
#جنونيات_بنفسجية

طيف يبحث عن ظله …

الرسالة السادسة والثمانون بعد المئتين ..
يقال في كلمات القدماء والمجانين أن التصبر والصمت علة … وأن عدم قدرتك على الصراخ ستودي بك إلى حافة الجنون العظيم حتماً ذات يوم .. ويقال أيضا أن آخر الصمت موت في خلايا الجسد توصل الخدر لعضلة القلب حتى تكف عن النبض ..
حسناً يا عزيزي أتوقع أننا شارفنا على النهاية تماماً .. ولا أدري ما الفكرة المرجوة في الاحتفاظ بكل هذا الكم من التفاصيل على دفتري هنا .. وحتى اليوم لم أفهم سبب التزامي بكتابة كل هذه التناقضات بي في مكان واحد .. أكثر من مئتي ورقة .. يساورني شعور دائم بأن اختلاقي للسعادة التي ابتدأتُ بها هذا العام تتناسب طردياً مع حجم الضياع والهرب الذي أمارسه في نهايته .. الهرب من كل شيء .. شخوصه وعوالمه الواقعية والافتراضية .. ضجيج الناس والحب والوجع … من الرغبة التي تلح علي لأكتبك طويلاً كحب استقر بشكل أبدي في روحي ورحل بها .. والتي تمارس حقدها كلما مر طيفك بالبال مودعاً ..

هو لا يمر في الحقيقة أنا أجلبه غصباً .. داخلي كم من التساؤلات لم أستطع تبريرها بعد .. هناك  كذب لم ينقذك ولم يبرر لك كل الذي مر وكل ثقل حظيت به مؤخراً .. هناك قلب وقع مني على عجل بينما حاولت الهرب بأقل الخسائر الممكنة .. فسقط بي وبك وحسب! ..
مارست هذه العادة كفرض ..كما كانت جدتي تلاحق أبناءها ليكملوا واجباتهم وتصر على تسميع ما حفظوه وهي لا تعرف أن تكمل قراءة نص محشو بالكلمات بشكل جيد .. مثل من يؤدي الصلاة كل يوم خمس مرات بذات اللهفة والحب والخشوع … ككل طقوس العبادة .. التي أحاول الإتيان بها تامة لولا طيفك اللعين ذاك … مؤخراً أصبحت أشك أن الشيطان اتخذك خليلاً حتى أرسلك تقطع استرسالي بعمل ما كل يوم ألف مرة .. وأنا أردد ألف استعاذة للخلاص منك دون جدوى .. “اللهم أعوذ بك من طيف يؤذيني وشر يلاحقني” …
هذه الأيام كانت حقبة سحرية في الأعوام الماضية .. كانت بداية تحليقي اللطيف .. أول سلم اتخذته للسماء دون أن أسقط .. ظننت ذلك .. تغير الأمر تماماً الآن .. المشكلة يا عزيزي بإيماننا .. إيماننا الذي اعتدنا أن لا نكذبه بطبع بشري سخيف .. إيماننا بالكلمة .. وإيماننا بصدق من يحلف باسم الله … إيماننا أننا نستحق بعض السعادة على هذه الأرض … ويبدو ذلك أخيراً محض جنون إن حاولت لمسه واقعاً …
عندما حدثتني عن الصدفة وتقديسك لشهر ميلادك الذي يغرقك بحظ لطيف كأن يجمعني بك في يوم من أيامك المفضلة .. أحادثينا الكثيرة .. تقاطع الأفكار والتصرفات كل تلك الأشياء التي مرت حوّلت الشك داخلي نحو الصدفة وأهلها وحقيقتها لفكرة عدمية .. صحيح! لا شيء مطلق في هذه الحياة .. هذا ما كنت أقوله دوماً …لكنك كنت أول من طبقت معه اعتراض الحالة وشواذ القاعدة … وكانت النتيجة سلبية لدرجة مقيتة .. فقط لأنني كلما مر المساء هادئاً انتابتني قشعريرة صوتك عندما همس لأول مرة في أذني: “يا أهلين راما” … ثم أهيم بدقة العود حتى كثافة الكلمات وثقلها فاختتام كل شيء .. ثم أصحو لأهمس لنفسي .. أنني أهذي .. أهذي وحسب …
كل الأشياء ضيقة إن تفاعلنا معها برغبة ..
كل الأشياء لا تختصرها ولا تكفيها كل حروف الأبجدية .. عندما نقرر أن نكتب عنها …
كل مواجعنا تنتهي متى تذكرنا وجعاً آخر ظنناه أشد وطأة في روحنا ..
كل الأشخاص يصبحون سراباً متى مر على فراقهم زمن ما ..
كل الحياة محض صدفة .. ستنتهي يوماً بصدفة ثانية كالموت ..
كل ارتباط الليل بك لعنة … ارتباط الحروف كذلك .. ارتباط فكرة السماء والشام والحزن والحب والثورة بك .. كل ذلك محض لعنة … وأنا أمارس الهرب من كل هذا بلعنة أخرى تشبهك تماماً!! … وهكذا!

#جنونيات_بنفسجية

بلا مرفأ سلام ..

كنت قد ابتدعت يوماً لنا حكاية، وفرقتها بين العابرين في طريقي .. حدثتهم عن ظلال الكرمل الذي جلسنا نغني تحته طويلاً، وأصبحت أقصُ عليهم لوعة أن تمضي آخر الليل دوني في طريقك نحو بيتك الذي يحرس السماء أو تحرسه .. لا أدري!
كنت في خضم ذلك الموت أدرس كيف أستطيع العيش تحت ظل الشجيرات اللواتي زرعناها معاً ذات ليل دامس دون أن يعكر صفو ذاك الحب صاروخ عابر مثلاً .. حتى أصبحت تملأ هي المساحات الفارغة في قلبي حنيناً بعد غيابك .. وتظللني أوراقها كحلم لا ينام ..
كانت الحكاية طويلة جداً لكني مع الوقت أسلفت في سردها .. وجعلتها تدور حول أمر ما يشبه نهش الشوق في روحي بهذه العتمة .. ويشبه أن أغلق ستائري عن كل ضوء قد يجلبه لي هذا الشارع .. شارع مواعيدنا الكثيفة وأمطارنا التي سقطت من عيوننا وأخفتها السماء .. كنتُ أمضي كعادتي كلما باغتتني التفاصيل من جديد وارتسمت أمامي تنبئني بخراب جديد ستحدثه في قلبي .. كأنها تقرأ فكر التملص الذي أمارسه .. فتحاول إحياء ذاتها في روحي كي لا تسقط مني سهواً ..

لكن هذا لم يكن يكفي لملئ مساحة الموت الشاسعة بين روحي وروحك والسماء … ولم تك الدعوات أقرب لقلبي منك … أنا اليوم في مدينة غريبة من جديد .. ولم أشعر بالأمان وأنا أنظر للسماء من شباكها … لماذا تختلف السماء عن سمائنا هناك؟! .. لماذا تضيق بنا الحياة رغم أننا دائماً نفتح باباً متسعاً لها؟! … لماذا أطياف الذين نحبهم تغادرنا مبكراً جداً؟ .. عدنا للتساؤلات المقيتة مجدداً! … صحيح كنت أريد أن أخبرك أنني أصبحت في الرقم الثالث والخمسين بعد المئتين ولم أزل أواظب على ذلك الوعد ممسكة بآخر حبال الود بيني وبينك وبين هذا الكوكب المقيت .. يبدو أنني بذلك أؤكد لنفسي أنني لا أخاف الوحدة وأنني اعتدت الخسارات .. لقد أصبحت أبتسم لها مهما أوجعتني … لن أخبرك عن آخرها كانت ثقيلة بما يكفي لتملأ فجوة الابتعاد التي كنت أمارسها عن كل الناس حولي ..

أصبحت أخاف كل ما أشعر به .. وكل ما أتخيله ويصبح واقعاً الأمر متعب للغاية يا عزيزي! .. حتى ليلة رحيلك رأيتها كاملة في منامي ..  لهذا قررت العودة لمكاني اللطيف .. حيث يقبع الموت داخلي يحرس خيباتي ومواجعي برضا تام … فهو لم يخذلني منذ التصق بي ذلك اليوم عندما مر في منزلي مبتسماً لي … ينبئني بعودة ما ولم أكن أعرف حينها أنه سيكبر داخلي لهذا الحد .. على الرغم من انشقاقي عنه وهربي الكثير … لكنه كان الوحيد الذي يصمد معي دون أن يتحول اقترابه مني لسكين تحز كل حلم بي وأمل .. أنت أكثر من يعرف كم تتعبني المسافات وكم تحرق تفاصيل أحبها وكم تبدد كل جمال وبهجة؟! … أما هو فلم يكن يوماً هكذا!…

المدن الغريبة يا عزيزي تمارس لعنة الشتات بقوة أكبر ..ونحن الذين نحاول أن نحتضن غيابنا عن مدننا بالبحث عن موطن جديد .. نسيت إخبارك .. كل المواطن دونه كذبة .. مثلك .. ومثله .. ومثل كل الذي مر وسيمر لاحقاً .. المنافي تقتل فينا كل شيء نحاول إحياءه … تمارس سطوة الغياب والاغتراب والوجع بشكل مضاعف .. حتى أننا نمارس الحزن والوحدة فيها بالخفاء ليلاً .. دون أن يلحظ أحد عمق جراحنا ونحن نضمدها بينما لا يكف الآخرون عن العبور بها ونهشها … هناك صوت داخلي يقول لي أن قذيفة سقطت في بستاننا … وأن الورد الذي زرعته لي ذبل تماماً كما تذبل الأشياء في روحي تباعاً … هناك شهيد جديد أيضاً .. وأنا أقرأ وداعات أصدقائه وأبكي …  اسمع نصيحتي وأغلق بريدك يا عزيزي يبدو أنني لن أكف عن هذه العادة الغبية .. ويبدو أنني سأمضي في هذا الغياب من جديد بقصص أكثر ضيقاً .. ستؤنسني ميادة في أغنيتها طوال هذه الفترة “أنا أحلالي أمشي وحدي بلا رفيق” … هناك دائماً من  يُجرم بحق المسافة ليؤذيك ومتى يفعل ذلك يمضي … لذلك سأمضي بسيئاتي وأحمل من الآخرين ما أحمل .. كن بخير .. أو في الحقيقة لا يهمني الأمر .. أنا متعبة .. وداعاً !

#جنونيات_بنفسجية

الـلاصبح باسمك ..

كنتُ قد مررت من هنا صباحاً وأردت أن أكتب لك ..

هذا المكان الوحيد الذي لا يقيدني بأشخاصه ولا بقوانينه ولا حتى بك .. هنا أكتب عما أريد وكيفما أريد ..

في الصباح اليوم شربت النسكافيه مع العنب كما كنتَ تفعل أنت وأضحك عليك .. لنقل أنني اكتشفت أن أغلب العادات التي أقوم بها مؤخراً حتى الكلمات والأساليب تشبهك .. لا يهم!. كان الصباح لطيفاً .. شاركتني به أخبار الصباح .. الموت والدم .. بعض الصرخات المتألمة .. ونصوص كثيرة تشبه العدم اقتلعت قلبي من مكانه ..

“سلامة قلبك” .. ستقول هذا لي، أعرف .. لذا أشكرك ..

أنت تعرف أن قلبي اعتاد كل هذا .. وأني مع الوقت وأمام كل هذا العجز المقيت والكريه الذي ألعنه كل يوم ألف مرة .. لا تزال دموعي تحرق وجنتاي كلما سقطت .. ولا يزال قلبي يمارس ألمه كأنه الألم الأول .. ولا زال قلبي يرقص فرحاً كلما سمعت هتافاً أو أغنية تعود بي لزمن الثورة الأجمل .. ولا أزالُ أمام كل هذا الموت منهزمة منكمشة صغيرة!

لم يشفع لي الوقت كما يقولون دائماً .. لم يخفف من وطأة الوجع اعتياده أبداً .. ولم تتحول غصة المكان الكريه إلى أمر عابر .. أحدهم يجلس في حلقي يذكرني بالألم كل مرة .. أشعر به كلما تناسيت الأمر يعود ليشدّ الرباط جيداً على رقبتي .. ولا مفر!! ..   قلتَ لي مرة أنني بريئة من هذا الذنب كله وأنه لا يتوجب علي أن أحاصرَ من قبل هذه الخطيئة التي لم أرتكبها بنفسي ..

المشكلة يا عزيزي أنت تعرف كيف تكذب علي  .. لأنك دائماً ما كنت حاضراً هناك .. تعايش كل الأشياء معاً .. تمارس الثورة كأنها ولدت باسمك وحدك .. بكمالها ونقائها وجمالها .. ودائماً ما منحتني منها شرف الحكايات الكثيرة .. أما أنا فبعيدة جداً ويؤذيني هذا البعد … وكل الهرب من ذلك محض كذبة .. وفي الوقت نفسه أنا مشتاقة لك .. تماماً كما أشتاق لكل شيء عهدته في نفسي عندما كنت وحيدة في دمشق ..

كلما تبرعت صديقتي بتسجيل صوت القصف حولها أخبرها بأنني أريد تلك الحياة عن التي أحياها هنا بؤساً… وأن الجدوى في النهاية هي للأشياء التي نرغبها نحن لا تلك التي تفرضها علينا ظروف ما أو رغبات من الآخرين حولنا .. الكل يخبرني مراراً بأنني مجنونة وأحمل في قلبي أشواقاً سخيفة لا ضرورة لها وأفكاري لا تتجاوز أضيق الدوائر حولي ..

لكن وحدك يا عزيزي تعرف أن هذه الطفلة داخلي والتي لم تزل تمسك بباب دمشق الكبير .. لا تكذب بشوقها هذا .. ولا باندفاعها .. والشيء الأكيد أنه لا مفر من هزيمة القدر ذات يوم عندما نختار حبنا وثورتنا وموطن قلبنا حيثُ نريده ..

#جنونيات_بنفسجية ..

دربُ البنفسج..

كنت حزينة ..
ولأكون صادقة أكثر، لطالما كنت حزينة، وكانت حروفي طفولية عبثية ككل نوباتي المجنونة التي كنت أبدأها بالصراخ بصوت مختنق وأنا ألاحق أخي الذي سرق دفتري المليء بي، ومشى يقرأ به بصوت مرتفع..
لطالما تجرأت، ومشيت وحيدة ولم ينتبه ليدي المتفلتة أحدٌ من الكثيرين الذين كانوا يشاركوننا رحلاتنا ومشاكلنا..
ضعت..
ولم يكن يخيفني الضياع..
كنت أرسم لنفسي قصة كأفلام الكرتون التي كبرت عليها..
سأكبر وحدي ..أكافح .. أحب .. أتعب ..أهرب .. ثم أعود وحيدة أغني في الشوارع كما بدأت حكايتي..
أنا .. كلما نظرت حولي وجدتني أفتقد مني شيئاً في كل زاوية مهملة من عمري الطويل..
ابتلعت مرارة كوني أتعطش للخروج من قوقعة دافئة، كنت أريد مواجهة العالم مبكراً، وتعثرت في أول خطواتي..
لكنني الآن أكثر قسوة، أنا الآن كما يجب أن أكون..
كل وجع مر بي علمني أن أضحك كلما تعثرت، وأن لا ألملم ما سقط مني وأن أمضي..
لكن في آخر الهاويات التي مررت بها وجدتُني في مكان يشبه دمشق،  وجعها الذي جعلني دائماً في مكاني نفسه، كلما حاولت تخطيه أعادني إليه منذ البداية ..
أعجبتني الهاوية الشبيهة بها، المبتدئة باسمك..
جميل أن نختار شكل وجعنا وشخوصه،  لأننا بهذا نحتم علينا لاحقاً عيش مرارة أكثر لطفاً..
كنتَ التقاء الحلم بي .. جماله ..دهشته ..استثنائيته ..
وكنتُ قبلك قد كفرت بحياة قد تمنحني شيئاً جميلاً أردته..
لكن صدفتُك جعلتني أرتب الأشياء مجدداً ..
أحببتك … بجنون طفلة صغيرة وصلت لسن الرشد دون أن تعرف لماذا السماء لا تعانق قاسيون إلا عن طريق غيمة؟!!
ولماذا القمر يرافقها في دمشق فقط؟! ..
ولماذا المطر لا يبلل بنطالها كاملاً مع أنه يغرقُ شعرها كله؟!
لماذا لعبت بالتلج مرتين وكان بخيلاً عليها فيما تبقى؟!
لماذا كانت أقصر من عكاز جدها.. وكانت جدتها تكره ضحكتها العالية ..
كبرت الطفلة وهي تحدق في عينيك لتسألك لماذا هما صغيرتان هكذا رغم أنهما يحملان كوناً كاملاً بينهما؟!
– هل تستطيع التقاط نجم لي من السماء باعتبارك تفوقني طولاً؟
– هل يمكنك حملي لأجلس على تلك الغيمة؟
– تمتلك جناحين مثلي هل جربتهما مسبقاً؟ أم أنك مثلي تُجذبهما كل شهر مرة؟!
لم تكن تتعبك تساؤلاتي الطفولية ..بل كنت ممتناً لي ..
كنت تريدني أن أتحدث دائماً وكنت أريدك أن تغني..
كانت الحكايات اكتمالاً فأنت ناضج بما يكفي لتحدثني عن حربك التي قضيتها في الخنادق والساحات تناور وتحارب وتُعتقل!
وأنا أحيك لأجلك الحلم الجميل وأحدثك عن هتافات الوطن الأخضر ..
أنت تقص لي يُتمَك ووحدة الطريق .. وأنا أحتويك بضمة وأجمع شتاتي بين يديك ..
كنا اكتمالاً .. وكان الموت ثالثنا ..
لا شيء يستطيع النيل مني سواه .. الفقد الذي أصبح رفيقي منذ ضياعي الأول عندما رتبت العودة مع عائلة أخرى وأنا أكرر أسماء اخوتي في قلبي لأتجنب نسيانهم ..ولأبحث عنهم بعد فقد ما ..
رفيقي الذي شاركني قصتنا حتى .. كأنه اعتاد أن يكون جزءاً من كل شيء يخصني ..
أخيراً فقدتك ..
أو لنقل أنت من فعل ذلك، أنت من سحب يده من روحي وأخبرني أن المسافة لعنة …
تقول صديقتي أن المسافة كذبة، فمن يمس القلب لا يحتاج لأن يلمس يداً، وأنا مسست قلبك كما تقول، وكما فعلت أنت بي ..
ولمستُ يدك أيضاً .. شعرت بها دائماً ..
مثلما شعرتُ بالبرد حينما تركتها وحدها ..
الصبح يأتي خجولاً هذه الأيام .. لأنني دون قصد .. أخبرته في غيابك الأول أن “كل الوقت دونك عتم” .. فما عاد يأتيني بنوره اللطيف الذي كان يُهدينا إياه معاً ..
أحببتك .. وكان درب الموت معك بنفسجياً..
#جنونيات_بنفسجية

حب من أول ثورة..

لو أنني أحببتك منذ بدء الثورة، منذ تلك اللحظة التي دفعوك بها لتقفز باسم ذلك الموت الذي يقال عنه تمرد، منذ أول صرخة باسم البقاء والحرية هتفنا بها وكل منا في مكانه، لو أني أمسكت بيدك الملطخة بالدماء عند أول إصابة لك وضممتها لصدري طويلاً وطويلاً جداً، أستجدي منها حياة ما، لو أنني في تلك اللحظة جعلت دمك النازف ينهال على جسدي فيغرقني عسى أن يصبح مني فأصبح منك، لو أني شاركتك ذات هروب من بطشهم، وأنقذنا اسم الله!

ليتني توقفت عن الخوض بتلك القصص والوحدة والجنون وعرفتك وحدك منذ بدء الثورة، فلممت كل طفولتي ورميتها بين يديك، تهدهدها تُجملها وتمنحها عمرين معك، ليتنا مررنا سوياً بحارات دمشق، فتمسك يدي وتروي لي حكاياتك الكثيرة فيها، ستقول لي أنك كنت تحب المرور بباب شرقي كل صباح، وأنك تفضل خبز أفران ابن العميد عن الفرن القريب من منزلك، ستحكي لي عن أمسياتك في قاسيون، سأنظر في عينيك وأقول لك:”بعرفك من نسمة هوا بالشام، هي مو أول مرة بعرفك أنا بعرفك من زمان”، كل تلك الشوارع التي مررنا بها معاً، لربما قبل الولادة العاشقة هذه ولم ينتبه أحدنا للآخر، ربما دق قلبينا في مكانهما دون أن نعرف السبب. حسناً، أنا أحببتك منذ البدء قبل ولادة الثورة، وقبل ولادتي ربما، الحب في الحياة مولود معنا، موجود فينا دائماً، لكننا نصادفه في وقت ما، في قدر ما، تماماً كما أول مصادفة غريبة جمعتنا، في ذلك الشارع العتيق من دمشق، حين أخبرتك عن اسمي، وسألتني: “ما السر الذي فيك حتى تشبهك الشام هكذا؟” وأجبتك بجنوني المعتاد: “أنا بشبهها مو هي بتشبهني، مو لازم البنت تشبه أمها؟”، الغريب أنني عندما كنت أتحدث بهذه الطريقة مع أي أحد يستهزئ بجنوني وطفولتي وعبثيتي، لكن أنت ابتسمت، ابتسمت طويلاً قبل أن تغرقني في عينيك قائلاً: “يا حظ مين عرفكم!”..

ليتني أحببتك قبل هذا الوجع أو في أوله، ليتني استطعت تضميد كل تلك الجراح التي أنهكت جسدك على مر تلك السنين، وليتها هذه الـ دمشق لم تثقل كاهلينا بقسوة الرحيل أو العتمة. أتذكر اعتقالك الأول؟. برد زنزانتك، قهر الذل هناك، الوجع المصبوب في قلبك، الخوف، التعذيب، الظلم، كنت أشعر بك وبها داخلي، كان قلبي بارداً وحزيناً، كنت أصلي لك كل ليلة، ولا أعرف ترتيب حروف اسمك، لكني أثق بألمك الذي يطالني منه الكثير، فأدعو لك. بعد ذلك بشهور قلت لي: “دعواتك كانت تصلني دايماً”، لقد رقصت فرحاً حينها..

ليتني تمكنت من جعل الأمان بين يديك حرساً فلا يثقل الموت كاهلك، ليتك ودعتني في دمشق، أو ليتك دعوتني لأشاركك عصياناً ما في الشمال، ليتني عايشت تفاصيل غيابك مع دمعي، وليتك أخبرتني عند كل وجع بأنك تحبني، هكذا كما تقولها دوماً بلا موعد، ليتك عددت لي الشظايا وسمعتني أبكي حرقة بعدي عنك فتواسيني بشوقك وكلماتك وصوتك الذي لا مفر من أمانه، ليتني ضممتك والرصاصة الأخيرة في جسدك، ليتني رممت كل شظية سكنت جسدك بقبلة، وكل جرح مس قلبك بحب لا ينتهي، ليتني أحببتك قبل أن تبدأ الحرب، قبل أن نكبرَ لهذه الدرجة، قبل أن يلوعنا الغياب، قبل أن يصبح الموت رفيق دربنا فنقاسمه أبسط ما نشعر به ولو كان عشقاً، ربما كنتُ قادرة حينها على الإمساك بقلبك، ربما كنت قادرة على احتضانك دون أن تكون المسافة عبئاً مع ألف سبب آخر، ليتني غنيت لك تلك الليلة: “آه يا أسمر اللون.. حياتي الأسمراني.. حبيبي وعيونه سود برمشة عينه رماني”. ليت الزمن بيننا يصبح منسياً، فنلتقي، لربما تنتهي هذه الحرب .. لربما نكون أفضل!

#جنونيات_بنفسجية