آخر النفق..

كنا جمعاً ثائراً قررنا حينها أن نحارب على دمنا كل الأشياء معاً، وأن نقاوم رغم كل ذاك الوقت والخراب بثقة البداية نفسها، سقط بعضنا في أول الطريق ورحل آخرون في العتمة، وكُتِب على البقية الذين لم ينل منهم موت ولا غياب أن يحاربوا العالم، وأن ينتقلوا من صرخة في الشارع للمطالبة بالكرامة والحرية إلى نداء بإحقاق قليل عدل لهم في الأروقة الصماء، بصوت يكاد لا يزلزل ركناً صغيراً في هذا العالم الهادئ..

كلما جربت الهرب من كل هذا أعود غصباً، أعدد أسماء المختفين هناك بين اعتقال واحتياط وموت، أسمع صوت طفلة يمزقها الجوع في مدينتي، وأدرك خطى العابرين وتصعقني كثرتهم، فلا أحد هناك يقاوم الموت، الكل يركل أهله بقدمه ليتابع سيره، لا أحد يريد أن يمسه الخطر الذي نغرق فيه نحن، نحن الذين لم نعرف أن نصافح قاتل، أو أن نصالح على دمنا. في شارع المدينة المعتم ينام صبيان أمام فندق يكاد يفرغ إلا من جيوب الأغنياء، يحاولون إبعادهم عن الطريق كي لا يتشوه المنظر الحضاري للمدينة، أم تشتري لأبناءها طعاماً تستر عورة المال بابتسامتها لهم عندما يأكلون بعد جوع، رجل يخفي هويته في جيبه الخلفي كي لا يتذكر أنه من المدينة المغضوب عليها، يكفيه أن يتذكر ذلك عند كل حاجز لعين، غالباً ما يفضل قطع المسافات مشياً، فالموت الفردي في هذا العالم أكثر مصداقية..

لم نعد نريد أن نكون جزءاً من كل هذا، حتى من محاولة النجاة الضئيلة التي تخنقك خياراتها وتحددك متطلباتها، وتسمع فيها ما يهدد أمنك واستقرارك اللحظي في كل مرة، حيث لطالما رُدد عنك بالخفاء “كان الأولى تحترمك بلدك قبلنا”، لا يمكنك المحاججة بظلم، أنت ابن الظلم الأكبر، الشبح الأسود الذي ابتلع ماضيك وحاضرك وغدك، كيف تريد من الآخرين أن يمنحوك عدلاً؟ ، أو جزءاً من حقيقة كونك الشارد الضائع في ظل الظالم، تحاول كل يوم أن تنجو بروحك من كل هذا الموت المقيت، تحاول في كل مرة أن تمنح نفسك تبريراً واحداً لمنطقية البقاء محاصراً بكل هذا البطش، فلا تجد!

كل هذا العالم تحول إلى سجن، من أصغر بقعة تعتقل أجساد من نحبهم وتكيل بهم كل أنواع العذاب والظلم، لأكبر بقعة جغرافية يعيش فيها حاملو الجواز الكحلي مع القليل من الأمان، وكثير من الوجع والتعب وبقايا الحلم.. كل وقت يمر يؤكد لك كم يجعلك الحزن ناقصاً وكم يجعلك الفقد فارغاً إلا من صور الراحلين وأصواتهم، بينما تطوف روحك في كل الأماكن التي خلفتها في مدينتك وفي المدن التي زرتها مهاجراً مسافراً وأنت تظن أن بعض الموت سيتضاءل أو أنك ستنجو ربما، والمرارة أن لا نجاة طالما أن قلبك لا يرى المسافة بينه وبين كل أولئك المحزونين إلا عجزاً وقهراً.. نحن أبناء اللعنة التي تجعلنا نكفر بكل هذا الظلم الذي يلحق بنا، ونحن نثق ألف مرة أن لا مفر من كل هذا .. لا مفر! .. ولا زالت الوداعات هي سبيلنا الأسود بين موت واختفاء ومتاريس حدود.. وأحبة ننادي اسمهم في الفراغ ولا يجيبنا إلا رد الصدى أن “لا نجاة لكم ..لا نجاة منهم!” ..

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s