في طريق العودة..

يفتح الحرّاس باب القلعة الضخم جداً حيث يستعينون بعشر بنادق، وطائرتان وثلاثة صواريخ وبرميل محشو بالديناميت لفتحه، صوت احتكاك الباب بأرضية الدم يصدر صوتاً مزعجاً لكن أحداً لا ينتبه لذلك، فالقادمون الكُثر يريدون الوصول إلى الداخل وحسب، يريدون وضع أمتعتهم المرتبة في المكان المنتظر، فالخارج كان متعباً ولا يكف عن لفظهم وطردهم متى تثنى له الأمر، لم يصدق أحد خارج أسوار القلعة أنهم مهددون وأن هناك عشرات الجيوش تريد الانقضاض على قلعتهم الجميلة، وآخرون لم يصدقهم العالم خارج الأسوار رغم عاشوا تحت ظل ذلك الظلم سنيناً ليدركوا أن هناك يداً داخلية تبطش بالجميع باسم الاعتداء الخارجي.  أخبرتهم بعض الرسائل التي وصلت على أرجل الحمام الزاجل أن هناك بعض الخراب داخل أسوار القلعة وذلك نظراً للهجوم الشرس الذي تعرضت له من أعدائها الكثر، ولكنها بقيت صامدة متينة تقاوم كل أشكال الموت الذي لا يحلق فوقها بكل الإمكانيات اللازمة، فأصبحت تلقي الخطب الكثيرة عن طريق رجال القصر الملكي، وتتبعه ببعض التصريحات التي تُنزلها في جريدتها اليومية وتوزعها على عوام الشعب، أصبحت تزرع فرقاً موسيقية على كل شارع رئيسي لتغني لمجد الصمود، سمحت بالضحك، وخصصت جوائز لكل مصفق يصدر صوتاً أعلى بيديه، قامت بالاحتفالات الكثيرة وأطعمت أهلها الذين أثروا البقاء فيها على محاولة الهرب، وأصبحوا مواطنين شرفاء فلم توصمهم بدرجة مواطن ثاني. كانت القلعة صامدة كما يبدو لجدرانها العالية والمتينة، لكنها استخدمت سياسة رد العدوان بضعفه، ولأن منجنيقاتها كانت محلية الصنع وحديثة، ولأن بعض أصدقائها الذين تكرموا عليها بفضل المقاومة ورد العدوان الغاشم، أهدوها الكثير من الحجارة المتينة التي تشتعل ناراً متى انطلقت، لم يجد الجناح العسكري للقلعة بداً من تجريب الأسلحة قصيرة المدى داخل القلعة ليختبر فاعليتها، فأصبح ينهال بها على رؤوس أهل المدينة من الداخل، ويستمع لعويل موتهم ليتأكد من نوعية أسلحته، كان هذا الأمر المكرر يجعله مؤمناً بأنه سيغزو العالم عندما يقرر الخروج خارج أسوار القلعة، لكنه بالطبع لم يفعل.

عندما دخل المواطنون “درجة ثانية” وهم الذين توقعوا أن الأمر برمته قد انتهى، وأن الحياة ستعود لتقاسمهم خبزهم بدل الموت، تنبهوا للخراب الكثير الذي يشكل الجزء الأكبر مما وراء سور القلعة، الخراب الذي ضم منازلهم وبعض أهلهم الذين تركوهم خلفهم، على الجانب المقابل كان هناك مظاهر حياة لم تصبها أذية، مشهد مقتطع من عالمين مختلفين تماماً، كانت وجوه الناس في الداخل سوداء قاتمة تعلوها غشاوة سوداء من الخيبة، أحداقهم جافة ونظراتهم باردة، بادئ الأمر ظنوا أنهم قد أخذوا كل السوء الممكن مما شاهدوا وأن الأمر لا يتعدى أنه مقاومة المرارة وسينتهي بانتهائها وتعود الأمور لمجاريها، اقتنعوا أنه بإمكانهم تغيير المعادلة، بالطبع سيعملون ليعيدوا لهذه القلعة العظيمة حياتها، تم اعتقالهم بتهمة التفكير، وحبسوا في الأقبية المخصصة للخونة، تسأل أحد الشبان “أولم تقولوا أننا بحاجة لنعيد بناء بلادنا لماذا رميتمونا في السجن؟”، أحدهم أخبره هامساً “أن شرط العودة كان الصمت، ما كان عليك أن تتحدث بصوت مرتفع يا صديقي”، كان السجان الذي يشرب الخمر ويقهقه مع زميله الآخر على المقبرة الجماعية التي تقع عند سور القلعة الخلفي، كان يشرح له وضعيات الأشخاص الذين قام برميهم هناك، لم يستمع لصوت الشاب فهو كان يتحدث في نقطة أكثر أهمية، كيف سيبنون على تلك المقابر الكثيرة أبنية الحقبة الجديدة، حقبة انتصارهم المزيف!

كل الراكضين إلى ما خلف القلعة العظيمة تعثروا ببقايا الجثث التي امتلأت بها الطرقات، والتي لم تكن عميقة بما يكفي كي لا تخرج من تحت الأرض، لم يتمكن أحد من معرفة أين موضع قدمه بالضبط هل مس رأس ضحية، أم قلبه، أو أنه قام دون علم منه بالضغط على إصبعه الذي رفعه مقاوماً جندياً حقيراً وجه نحو صدره رصاصة. كان الراكضون إلى حضن البلاد كما أرادوا أن يعتقدوا دوماً يظنون أنهم عادوا إلى مكانهم الآمن والخاص، لم يدرِ أحد منهم أنه وقّع بالدم في أول خطوة خطاها على تراب الوطن المليء بجثث الصامدين المذبوحين بأن القاتل الذي كذب في حمايته لصرح القلعة العظيم كان اليد الأولى في كل الخراب الذي آلت إليه، وأنهم بكل صمت جديد سيمارسونه غصباً أو جهلاً سيحفرون قبوراً جماعية لهم أيضاً وسيتكفل هو حينها بتسمية الموت الذي سيُصب عليهم باسم جديد “الإرهاب _ الخيانة _ التفكير _ التمرد _ الجرثمة _ الاندساس” فالقائد هنا خبير برد الاعتداءات الخارجية بإغراق شعبه في الداخل بالدم!

Advertisements

آخر النفق..

كنا جمعاً ثائراً قررنا حينها أن نحارب على دمنا كل الأشياء معاً، وأن نقاوم رغم كل ذاك الوقت والخراب بثقة البداية نفسها، سقط بعضنا في أول الطريق ورحل آخرون في العتمة، وكُتِب على البقية الذين لم ينل منهم موت ولا غياب أن يحاربوا العالم، وأن ينتقلوا من صرخة في الشارع للمطالبة بالكرامة والحرية إلى نداء بإحقاق قليل عدل لهم في الأروقة الصماء، بصوت يكاد لا يزلزل ركناً صغيراً في هذا العالم الهادئ..

كلما جربت الهرب من كل هذا أعود غصباً، أعدد أسماء المختفين هناك بين اعتقال واحتياط وموت، أسمع صوت طفلة يمزقها الجوع في مدينتي، وأدرك خطى العابرين وتصعقني كثرتهم، فلا أحد هناك يقاوم الموت، الكل يركل أهله بقدمه ليتابع سيره، لا أحد يريد أن يمسه الخطر الذي نغرق فيه نحن، نحن الذين لم نعرف أن نصافح قاتل، أو أن نصالح على دمنا. في شارع المدينة المعتم ينام صبيان أمام فندق يكاد يفرغ إلا من جيوب الأغنياء، يحاولون إبعادهم عن الطريق كي لا يتشوه المنظر الحضاري للمدينة، أم تشتري لأبناءها طعاماً تستر عورة المال بابتسامتها لهم عندما يأكلون بعد جوع، رجل يخفي هويته في جيبه الخلفي كي لا يتذكر أنه من المدينة المغضوب عليها، يكفيه أن يتذكر ذلك عند كل حاجز لعين، غالباً ما يفضل قطع المسافات مشياً، فالموت الفردي في هذا العالم أكثر مصداقية..

لم نعد نريد أن نكون جزءاً من كل هذا، حتى من محاولة النجاة الضئيلة التي تخنقك خياراتها وتحددك متطلباتها، وتسمع فيها ما يهدد أمنك واستقرارك اللحظي في كل مرة، حيث لطالما رُدد عنك بالخفاء “كان الأولى تحترمك بلدك قبلنا”، لا يمكنك المحاججة بظلم، أنت ابن الظلم الأكبر، الشبح الأسود الذي ابتلع ماضيك وحاضرك وغدك، كيف تريد من الآخرين أن يمنحوك عدلاً؟ ، أو جزءاً من حقيقة كونك الشارد الضائع في ظل الظالم، تحاول كل يوم أن تنجو بروحك من كل هذا الموت المقيت، تحاول في كل مرة أن تمنح نفسك تبريراً واحداً لمنطقية البقاء محاصراً بكل هذا البطش، فلا تجد!

كل هذا العالم تحول إلى سجن، من أصغر بقعة تعتقل أجساد من نحبهم وتكيل بهم كل أنواع العذاب والظلم، لأكبر بقعة جغرافية يعيش فيها حاملو الجواز الكحلي مع القليل من الأمان، وكثير من الوجع والتعب وبقايا الحلم.. كل وقت يمر يؤكد لك كم يجعلك الحزن ناقصاً وكم يجعلك الفقد فارغاً إلا من صور الراحلين وأصواتهم، بينما تطوف روحك في كل الأماكن التي خلفتها في مدينتك وفي المدن التي زرتها مهاجراً مسافراً وأنت تظن أن بعض الموت سيتضاءل أو أنك ستنجو ربما، والمرارة أن لا نجاة طالما أن قلبك لا يرى المسافة بينه وبين كل أولئك المحزونين إلا عجزاً وقهراً.. نحن أبناء اللعنة التي تجعلنا نكفر بكل هذا الظلم الذي يلحق بنا، ونحن نثق ألف مرة أن لا مفر من كل هذا .. لا مفر! .. ولا زالت الوداعات هي سبيلنا الأسود بين موت واختفاء ومتاريس حدود.. وأحبة ننادي اسمهم في الفراغ ولا يجيبنا إلا رد الصدى أن “لا نجاة لكم ..لا نجاة منهم!” ..