خطاب العنصرية الحديث

اعتقدت دائمًا أن هذا الأمر ليس نتاجًا للضغط الذي يدعيه مستلمو هذه الحملات ومنظميها، وليس أمرًا مؤامراتيًا تدعمه الأيادي الخفية والأشباح السوداء، وإن افترضنا جدلًا مسببات هذا الأمر على الهامش لكن في الحقيقة هي أصل تركيبتنا البشرية تكبحها أحيانًا إنسانيتنا اللامحدودة وتلجمها أو تكبر عليها الشراسة  فينا فنَظلم ونبطش ونحن نثق أننا على صواب وإن كان الأمر التشبيحي محدودًا فقط بالكلام الذي لم ينجُ من فعله أحد كما رأيت..

في البداية نحن كشعب سوري كما يُقال عنا “شعب الخطي” لا أرى بالأمر مدحًا ولا تغطية لأني أجد الشعب واحدًا بشراره وخياره على حد سواء تتوزع الأدوار بينهما بالضبط ولا كمال لأحد، فنحن الشعب المضياف المتغني بسيره غير المنكرة أبدًا في احتواء اللاجئين والهاربين من سخط الحروب إلى بيوته وكل المعاملة الممتازة التي بادلَ الأخرين بها، كنا نرى بيننا أشخاصًا نعرفهم حقًا يشتمون العراقي والفلسطيني واللبناني بما تقتضي معه ضرورة الضيق الذي يحسه منهم، كانت المجريات التعصبية أو لنقل التشبيحية مقتصرة على الكلام هذا صحيح لكن الأمر ليس منزهًا البتة وإن كان قليلًا لا يُرى، في حرب العراق عرفت أشخاصًا أسكنوا العراقيين في بيوتهم ودفعوا عنهم أجار منازلهم شهورًا حتى استطاعو الوقوف على أقدامهم، وآخرين كانوا يشتمونهم ويلعنونهم كلما مرّوا بسوق وتصادفوا بهم، كنت صغيرة جدًا وأتساءل “لماذا تكره قريبتي العراقيين هكذا؟ وأنا صديقة كثيرات منهن في المدرسة وأراهن رائعات جدًا؟”

على الرغم من أنني مصنفة في عداد المتشائمين الجميلين، لا أحبذ النظر للكأس نصف الممتلئة، ولا يعجبني أبدًا فكرة الكيل بمكيال الإيجابية بل أنني مملة أحيانًا بالسوداوية بعض الشيء، لكني إنصافًا لن أذكر المواقف العنصرية التي تعرضت لها كثيرًا منذ خروجي من سوريا، وقبل ذلك عندما كنت أتنقل في الريف بهوية شامية، فهي كثيرة ومتشابهة، لكني سأتحدث عن الوجه اللبناني الذي أنصفني كشخص قبل أن يصنفني كهوية، ومنحني ثقة كنت بأمَسِ الحاجة لها آنذاك، والصديقة اللبنانية التي كانت تحب مني كلمة “مو” كثيرًا وترجوني أن لا أتأثر بلبنان ولا فلسطين بقلبها “مش”، وجارتنا اللبنانية اللطيفة التي كانت تتذكرني كلما أعدت وجبة البوشار وتناديني كل ما عدت من العمل لأشرب عندها العصير “وطفي الشوب” .. نحن شعوب تجيشها العواطف دون العقول فترانا نصدق من يخبرنا أننا نقاسم الأخرين أرزاقهم وطعامهم دون أن نرى أبعد من ذلك. أعرف رجلًا لبنانيًا عاطلًا عن العمل منذ بداية الألفية الثانية، وعندما أتى السوريون إلى لبنان بدأ بالندب على فرص عمله الضائعة.. النماذج كثيرة لا تعد ولا تحصى.. ومع هذا فإن الكلام أعلاه لا يعني تبرير الظلم الأسود الذي يقطن اللاجئون السوريون تحته اليوم…

كما لبنان، رأيت في السعودية وجوهًا طيبة كثيرة، لم تعاملني إلا بطيب الخاطر والخير، ولم تحاسبني على هويتي أو موقفي، ووجوهًا أخرى كانت ساخطة وحاقدة ولم تتمنَ لي أكثر من أن تصبح حياتي مطفأة كما يجب على خارجة من تحت الموت.. كل شيء كنتُ أراه منطقيًا بعد لبنان من عيش تحت الأمرين الخير والشر فوجدت اعتيادًا في روحي أمام النموذجين هنا، عدا عن الطفل الذي كَفَرني ذات يوم لأنني لا أضع النقاب على وجهي ثم همس في أذن أخته الجالسة بجواري أنني معلمة “مُزة”، كان هذا الصغير ذو الست سنوات من أفهمني واجهة البلاد أكثر، نُكفر ونحقد ونكره علانية، ونتبادل الحب والجمال خفية، ولا نذكر خير الخفاء بقدر ما نُعظم صورة الحقد، كيف استطاعت مدينة واحدة أن تعلم طفلًا أبغض كلمة يُنعت بها شخص ما عن دينه، وعلمته أغرب كلمة غزلية على الإطلاق ويُقال أكثرها وقاحة؟ .. هذا الطفل نفسه ذات مرة سألني: “ليش ما متي بالحرب اللي عندكم؟”، ولا زلت أتساءل عنه وأجيبني .. ربما لأبقى تائهة في بلاد العالم أبحث عن رقعة صغيرة أُنسب لها وأسميها وطني ولو كذبة.. بينما يمارس العالم سخطه علينا بصوت عالٍ لم يعد أحد يخاف التصريح به أو الخجل منه على الأقل، ليس لأنهم أصبحوا كذلك الآن، بل لأننا في السنين الأخيرة ولأول مرة، لم نعد نمتلك طريق العودة، ولا أوراقًا نرفعها في وجوه المعتدين ونخبرهم أن لنا أرضًا وكرامة تغنينا عنكم، راميين في وجوههم حفنات المال التي يظنون أنها كرمٌ منهم علينا لا جهد وتعب منا .. الأوراق التي باتت تنكرنا مثل تلك البلاد التي يحتلها طاغية لعين هجرنا وقلتلنا ثم أرانا كم يبدو العالم سافلًا عندما نكون غرباء فيه.. وحدنا!

للوجوه اللبنانية التي أحببتها، للخير الذي رأيته في قلوب أهل هذه البلاد، للقلوب السورية التي لم تكن شرًا في هذه الغربة كما يدعون، أنتم وحدكم حقيقة هذا العالم، أما الخراب الذي يُعاث اليوم باسمكم تعميمًا ليس إلا وجهًا من وجوه الشر التي حفظناها عن ظهر قلب وتجربة 🙂

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s