أنا بلا وطن..

لا تسوّرها القضبان لكنها تبدو كسجن، لا يُمنع فيها الطعام بشكل تام لكنها تضم الجائعين والمنهكين، لا تضيق بالفرد اتساعًا لكنها مثل المنفردات لا هواء فيها، لا تحكمك قبضة الظالم الواضحة لتقطع لسانك لكن لا يُسمح لك بالكلام، تبدو الأماكن متشابهة في عينك عندما تضعك في ذات الفجوة، أنت فرد لا حول لك ولا قوة يُسيّرك التيار كيفما شاء تحكمك قوانين وأدوات لا تسأل عن حالك ربما، أنت هنا في سجن هذا العالم الكبير تُهمتك الوحيدة أنك إنسان!

يُقال أنها كلما استحكمت على رقبتك شرًا ستُفرج، ويقول الواقع والأيام أنها ستضيق وتضيق أكثر، المكان الأكثر خطورة في هذا العالم يبدو لوهلة مكانك المنشود، الطريق الوحيد الذي يُسمح لك السير فيه تبعًا لجواز سفرك، لأن الأبواب كلها تحولت إلى متاريسَ في وجهك، حتى اختلاس النظر نحو حلمك يبدو كفرًا، تصبح الأدوات بين يديك عبئًا، دائرتك الضيقة تصبح عبئًا، خطواتك التي تحاول التماسها في الدرب المعتم لا تكاد تُرى، أنت وحدك تبحث عن منفذ، أهلًا بك في هذا العالم الدنيء..

تبدو لافتات الترحاب الموزعة في كل مكان حولك كأنها شبح يطاردك في نومك، في صحوك، في خطواتك القليلة مهرولًا وراء صمتك قائلًا: “هه هل دفعت ثمن حياتك؟” تتساءل أنت كفرد عابر هل أخذ أحد رأيك عندما رميت في هذا البحر الهائج أصلًا؟.. في الحقيقة لا يهم، ما يهم الآن هو أنك تدفع الثمن، لا تدري من أين حقًا لكنك تستشعر الحلقات التي تضيق عليك أكثر، تفكر في الخروج ولا سبيل لذلك، البقاء يعني فاتورة أكبر، النيران تلتهم منزلك الوحيد الذي لن تدفع فاتورته دهرًا، والقذائف تدك مدينتك، ويتربص الجلاد لك على حدود البلاد، ثم تنظر أين المآل وإلى أين؟

لا يهم إن كان ما أرمي له واضحًا لكني هنا أتحدث عن ضيق الأفق الذي يحكمنا والمتاريس التي نصبت في وجهنا أينما وليناه، المساحات الواسعة التي باتت تضيق علينا أكثر من قبل، وأكثر وأكثر، والحياة التي باتت تدفعك دفعًا للقدر الذي حاولت أن تكون بعيدًا عنه وأنت تصنع من أمانك المفترض سبيلًا لصنع فارق في اللعب الكونية التي تفوقك حجمًا، فلا الأمان منحك فرصة لتكون خيرًا ولا ذاك الموت كان لك خيرًا فضمك قبل الابتعاد، هل ترى هذا العالم الكبير جدًا والجميل جدًا والصاخب جدًا بأخبار الموت والجنون؟ هذا هو السجن الذي يسلم فيه السوري كل أوراقه الثبوتية ويوّقع “أنا إنسان هاهنا، أنا كان لدي حلم، أنا كنت أبحث عن كرامة، أنا بلا وطن”

Advertisements

2 thoughts on “أنا بلا وطن..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s