كيف تصافح الموت في الغربة!

يأتي عادة خبر الموت المفجع في هذه البلاد على شكل صدمة خرساء، تتبادلها مع أهلك بينما يحاول كل منكم تخبأة ما يفكر به وحده، صباح أمس أيقظتني أمي من كابوسي الذي يأتي إلي كل يوم بحلة جديدة وقبل أن أفرح بذلك أخبرتني بأنه “مشي الحال” توفيت، تفاجأت كأني لم أكن أحاول تهيئة قلبي منذ أول سنة في الغربة على هذا الأمر، كأني أريد أن تبقى كل الأشياء والأشخاص وحتى أعمار من فارقتهم كما هي في مكانها، جامدة في ذات النقطة التي ودعتهم فيها، بقيت سنين عمرهم السريعة تصدمني وكأني لم أكن أكبر هنا، وكأني لم أتجاوز العشرين بثلاث مراحل وأنتظر الرابعة وما خرجت من هناك إلا ابنة تسعة عشر، لكن حقيقة حتى لو كنتُ على يقين أنني سأفقدهم تباعًا فقد كان الأمر ثقيلًا كما كل مرة .. فقد أصبحت المدينة التي أحبها مليئة بالنعوات وبقبورهم المتفرقة على امتداد البلاد أو المنافي..

ليست الغربة أنك غادرت مدينتك وحسب، ولا أنك تقطن في منفى أقل ما يوصف بأنه موتك الحتمي الذي لم تعرف كيف تفِر منه حتى عندما أسقطك في الهاوية، الغربة كانت تلك الوداعات التي أطلقتها سريعًا وأنت تسافر مع الريح متعبًا ومجبرًا تلوح بيدك للمدينة وأهلها تعِدُهم بعودة قريبة، ثم تمر بك السنين في مكان واحد تحت نافذة مشرّعة على الريح تسرق منك عمرًا وأحلامًا أو ما يزيد..

الجميع على حافة الموت هناك، عقلي لا يصدق أنه سيعود يومًا إلى هناك ولا يجدهم، هناك حقيقة أخرى لا يصدقها عقلي “أنني لن أعود أصلًا” لا يهم، مؤخرًا لم يعد يعنيني شيء بالفعل حاولت التمسك بقشة النجاة الأخيرة وفشلت، مثل كل محاولات السنين الماضية، الآن أحاول تقبل فكرة أن أدفن في مقبرة أخرى غير مقبرة الشيخ محي الدين التي لطالما شعرت أنها جزء مني منذ ضمت جسد أسامة وجدتي وجدي وآخرين، ومنذ كانت صباح كل الأعياد في دمشق.. الآن أشعر أن جسدي متناثر على شكل شظايا متفرقة كما عائلتنا الواحدة التي أصبحت في كل منافي العالم، في كل بلد توجد مني قطعة، يجمعنا اسم وصوت أحيانًا وقلمّا تجمعنا صورة واحدة أو يد تتمكن من احتضان الشوق لحصر المسافة بيننا. كثيرًا ما يراودني شعور بأني أتوهم لا يمكن أن يكون العالم دنيئًا لتصبح كل تلك الوجوه التي اعتدتها جزءًا من يومي مجرد شاشة الكترونية في هاتفي، ثم أتذكر لقد مر وقت طويل بما يكفي لأتجاوز هذا الشعور .. يجب علي ذلك!

أنا هنا .. في هذا المكان .. الذي لا فرصة لدي لأحبه وأعلم يقينًا أنه لن يحبني قط .. لكني بكامل السلام والرضا أبادله كرهي صامتةً.. وأتابع ما يتعلق ببلادي بكل موتها وخرابها وحزنها .. وأحبها أكثر ..

من هذا المنفى .. من هذا الموت الحتمي .. هنا دمشق حيث أسماء الراحلين في قلبي .. حيثما شوقهم.. أودعهم وأكتب النعوات.. أقيم مجالس التعزية ثم أعزي روحي وصورهم داخلي وأشكر سعيّ، أخيرًا أغلق رأسي على كل هذا وأحاول النوم مكرهة!

Advertisements

One thought on “كيف تصافح الموت في الغربة!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s