خرجت ولم تعد..

يغلقُ أحدهم القضبان بمئة جنزير ومفتاح وقفل .. كأن الروح التي تقف خلفه تبدو قادرة على الهرب أو حتى محاولة تجاوز كل أولئك القتلة المؤقتين لتنجو ..

في الحقيقة لا يبدو أنها راغبة بالنجاة ..

خارج القضبان تبدو الحياة مألوفة .. حياة طبيعية جدًا .. يشتري الناس حاجياتهم .. يبيع آخرون .. يلعب الأطفال في أغلب حارات المدينة .. يتجادل سائق التاكسي مع الركاب .. يحكي الحلاق حكاية الخاتم العجيب في فم السمكة للمرة المليون .. تسير امرأة حامل في الطريق فيساعدها أحد الرجال في جرّ عربة ابنها .. تسمع صوتًا حادًا يطلقه أحد الأطفال المتذمرين داخل الحديقة في وجه أمه التي تخبره أن الوقت قد انتهى .. الأطفال جميعهم لا يفهمون لعبة الزمن مبكرًا ..
كانت طفلة ذات يوم .. وكانت لا تعرف عن الزمن شيئًا .. خلف هذه القضبان الباردة تعلمت أن تنسى ذلك الذي يسمى وقتًا كي يكف عن حرقها كلما مر .. حاولت أن تعود طفلة .. طفلة لا تدرك من زمنها شيئًا .. لكنَّ وجعًا ما .. وجع لم ولن يبرأ في جسدها يذكرها في كل مرة أنها تجاوزت ذلك الوقت .. أنها كبرت أكثر من اللازم .. وأن الساعات ستبقى سجنها حتى وإن رأت السماء مجددًا ..

تغفو ..

تبقى أصوات الأقدام في الخارج تدق ناقوس الخطر فوق رأسها .. هنا تعلمت أن تلعب لعبة الاكتشاف مع تلك الأصوات، هذا رجل غاضب يحاول تجاوز زوجته .. وهذه خطى زوجته الصغيرة المتململة .. هذا طفل يمشي حديثًا وأمه تركض خلفه كي لا تسرقه سيارة مسرعة … هذه خطوات عاشقَين يبدو أنهما يمتلكان وقتًا كافيًا للحب وعمرًا يكفي ليسيرا في كل شوارع الشام معًا … تذكرت أنها ذات يوم امتلكت مثل هذا الوقت معه، قبل أن تبتلعهما العتمة …      هي لا تدري إن كانت تسمع الأصوات حقًا أم أنها تهذي.. لكنها تعلم جيدًا أن هذه اللعبة أنقذتها من خطر الوقت وحسابه .. تُكمل حديثها مع نفسها .. تُحصي السيارات المارة فوقها .. كيف يمكن أن تكون الحياة جحيمًا وجنة في ذات البقعة يفصلهما خط أرض واحدة إلى هذه الدرجة؟!
يدخل السجان يوقظها من نومها .. تذهب للتحقيق .. ثم تعود .. هي لا تعود كاملة كانت تدرك أنها بعد كل رحلة تحقيق وتعذيب تمر بها تنقص جزءًا .. هكذا حتى تنتهي كلها هذا ما تعزي نفسها به دائمًا عندما تسخر من مصيرها: “وزني مو كتير كبير .. هانت لاخلص” .. ثم يعود لها ذلك الوجع في موضع ما .. في حرقة ما .. يفتح داخل روحها موتًا أحمرًا وهي على قيد الحياة ..
هذا السجن كان الفاصل الوحيد بينها .. وبين حلمها .. روحها .. صورته الجميلة في عينيها … صورتهما معًا .. عائلتها .. مستقبلها .. أخيها الصغير الذي أراد أن يصبح خالًا لأبنائها منذ كان في الخامسة من عمره .. بينها وبين آخر الأمنيات في حياتها أن ترى السماء للمرة الأخيرة كما أحبتها دائمًا .. قد يجبرُ هذا المشهد كل أيام العذاب التي مرت بها… هكذا تتخيل!
تغفو مجددًا .. يدخل السجان بعد ساعتين .. يناديها .. يركلها .. يرش الماء البارد عليها .. كانت قد اتخذت قرارها في أن تكسر هذه القضبان .. خرجت بروحها نحو ذلك العالم الذي لم يعد يعرفها والذي لم ينتبه لغيابها يومًا  .. خرجت لترى إن كانت الحياة تبدو مُنصفة بين جحيمها وجنتهم .. خرجت ولم تعد .. ولن تفعل!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s