مرّ وقت طويل ولكن!

لا أحد يمنح عنقه امتدادًا إضافيًا لتتسع رؤيته كما يظن حتى وإن شاء ذلك، تعال نرتب الأمر معًا، تبدو الحياة بعد ست سنين من الثورة فارغةتمامًا بعدما تحولت كل الأشياء المحببة إلى صور وبقيت الحقيقة الكاملة هي السواد الذي يبتلع الحلم الصغير ويبدده..
التوزع الجغرافي الذي بات منحصرًا في زوايا البلاد اليتيمة، والذي يزداد ضيقًا على ضيق، ويتحول من محَرر لنمارس فيه ثورتنا في البلاد كما نشاء إلى ثقل يجثم على صدورنا بكثرة الموت فيه وتوزع الرؤوس والسلطات.. إن فكرنا بالأمر على أنه أحقية اجتماعية أقصد أننا نتحدث عن مجتمع كامل بكل توجهاته ومغالطاته وتعقيداته هذا الأمر لا يقلل أبدًا من صعوبة الأمر منذ بدايته، لا يمكنك أن تكون ابنًا لهذا الحراك إن لم تصادف هذه النماذج بشكل مصغر في طريقك.. لم تكن تشكل محورًا ربما ولكنها اليوم تتمركز على حدود ملكك وثورتك وحلمك!
الوقت اليوم متأخر جدًا، متأخر لتحلم.. لتفكر.. لتثور.. لتصنع فرقًا، مؤسف أن تكون ولدت ثائرًا بعمر صغير جدًا بخبرات قليلة وبرفاق قلة، تجوب الشوارع المحتلة خائفًا لا تملك خطة ولا تتمكن من اصطناع فرصة ضئيلة لتزرع وردة حرية في دربك المعجون بالرهبة في مدينتك الأم التي تتحول مع الوقت إلى “زوجة أب ظالمة”، يبدو الفرق كبيرًا عندما تفتح عينيك الآن على كل هذا، عمرك الذي مضى والطريق الذي كان أخضرًا وتنوعت شعابه وألوانه، تفتحها على أحلامك الصغيرة التي نضجت الآن بتأنٍ ووحدة، وبمخزونك الفقدي العظيم!
مر وقت طويل جدًا ولم تعد الخيارات هي ذاتها، لم يعد إثبات الأمر ضروريًا لقد أصبحت محسوبًا على هذا الطريق ولو كنتَ بخيلًا فيه أو مجرد عابر عاجز، مر وقت طويل جدًا ولم تكن حجرة أساس ربما، أو أنك لم تكن موجودًا أصلًا، فقط صورة تمر في خيال العابرين في ذلك الطريق، عمر صغير كما ظننته فتح عينيك على عمرك الكبير الآن، الشوارع التي أحببتها وأحبتك وغنيت لها وفيها والتي أصبحت اليوم أسيرة تحت سلطة السلاح.. لا تدري أي سلاح بالضبط لكنه موجه نحو صدرك وحلمك بأحقية اقتلاعك من أرضك، أصدقاؤك الذين كانوا أجبن من أن تستند عليهم في أول الدرب وتركوك لكل ما هب في وجهك عاصفًا تصنف خياراتك وأفكارك وحيدًا، وأولئك الذين كانوا أجبن من أن يشاركوك الحرية بصوت مرتفع، فكان صوتك الوحيد ظاهرًا وواضحًا ومحروسًا بقدرة قادر! .. الطريقة التي رتبت فيها أولويات الوجع وشخوصه عندما كان الدرب هينًا جدًا ومحدودًا جدًا، لا داعي أن تفكر كثيرًا هي ميتة واحدة في سبيل واحد وإيمان واحد، كان هذا قبل أن يمر زمان القحط الطويل هذا، قبل أن تختنق بكل براميل الموت والكذب والإدعاء، قبل أن يصبح موتك مسببًا ومبررًا لتفكر ألف مرة، هل تغيّر الطريق حقًا أم أنني تائه وحسب؟
رغم كل الرومانسية المفرطة التي تعاملنا بها بادئ الأمر، والتي كبرت معنا منذ كنا صغارًا ونضجت اليوم كفكرة عظيمة مضيئة حقيقية رغم كل هذا الزيف، الثورة التي لا يمكن لنا أن نحيد عنها بعد أن صنعت منا هذا الشخص الذي لا يعرف أن يتبع أحدًا سوى إيمانه، الإيمان الذي أبقانا على قيد الكرامة طوال هذه السنين، الفكرة وحسب بأن التعب الذي يمسنا منها يدفعنا للهرب وقد يظن البعض أن هذا الهرب هو أصل التخلي عنها، لكنه في الحقيقة هرب من أنفسنا الحالمة إلى الأنفس البناءة التي تسعى لتغيرَ شيئًا على الأرض لا التي تتباكى على الأطلال ثم تغفو من جديد! .. الأنفس التي كانت صغيرة جدًا في بداية الحلم ولم تجد مركبًا ينقلها إلى الدرب بكامل اندفاعها، لكنها اليوم صنعت فُلكًا جديدًا يليق بهذا الحلم متوازنًا أكثر.. مسؤولًا أكثر.. حقيقيًا أكثر.. لا يشوبه تزييف ولا كذب .. أي أننا في توازن الأمر كي لا نكرر سقطاتنا واحدة تلو الأخرى، كي لا يصير ماضينا قليل الخبرة هو حاضرنا وغدنا، كي نخلق فرصاً جديدة بإمكانيات يمكن صنعها في هذه السنوات التي مرت وتمر دون أن نتباكى لألف يوم آخر، علينا أن لا ننسى ثأرنا الماضي ولا قسوة الذي مرّ، علينا أن لا نُضيع وجوه الشهداء والغائبين الحالمين، لكن نحن في معركة كسب ذواتنا اليوم فإما أن نكون على قدرها أمام كل هذه الرِماح الموجهة نحونا، أو نبقى محصورين في أماكننا الضيقة نوجه أنظارنا للماضي نعيد رسم يومنا بذات الطريقة وننتظر مستقبلاً مخالفاً .. وهذا والله أسوأ ما قد نفعله كثائرين!

ستسقط كل الوجوه التي ركبت على الثورة كما سقطت أعتى الديكتاتوريات والواجهات التي ادعت صلاحها وحكمتها وخيرها على مر سنين الصمت والقمع، سيسقط كل شيء وتبقى الفكرة الأصل أننا باقون هنا ولأحلامنا بقية ولا فناء لثائر ولا نهاية لثورة مهما طال الأمد فلنكن على قدر إيماننا بما يليق بها!

Advertisements

كيف تصافح الموت في الغربة!

يأتي عادة خبر الموت المفجع في هذه البلاد على شكل صدمة خرساء، تتبادلها مع أهلك بينما يحاول كل منكم تخبأة ما يفكر به وحده، صباح أمس أيقظتني أمي من كابوسي الذي يأتي إلي كل يوم بحلة جديدة وقبل أن أفرح بذلك أخبرتني بأنه “مشي الحال” توفيت، تفاجأت كأني لم أكن أحاول تهيئة قلبي منذ أول سنة في الغربة على هذا الأمر، كأني أريد أن تبقى كل الأشياء والأشخاص وحتى أعمار من فارقتهم كما هي في مكانها، جامدة في ذات النقطة التي ودعتهم فيها، بقيت سنين عمرهم السريعة تصدمني وكأني لم أكن أكبر هنا، وكأني لم أتجاوز العشرين بثلاث مراحل وأنتظر الرابعة وما خرجت من هناك إلا ابنة تسعة عشر، لكن حقيقة حتى لو كنتُ على يقين أنني سأفقدهم تباعًا فقد كان الأمر ثقيلًا كما كل مرة .. فقد أصبحت المدينة التي أحبها مليئة بالنعوات وبقبورهم المتفرقة على امتداد البلاد أو المنافي..

ليست الغربة أنك غادرت مدينتك وحسب، ولا أنك تقطن في منفى أقل ما يوصف بأنه موتك الحتمي الذي لم تعرف كيف تفِر منه حتى عندما أسقطك في الهاوية، الغربة كانت تلك الوداعات التي أطلقتها سريعًا وأنت تسافر مع الريح متعبًا ومجبرًا تلوح بيدك للمدينة وأهلها تعِدُهم بعودة قريبة، ثم تمر بك السنين في مكان واحد تحت نافذة مشرّعة على الريح تسرق منك عمرًا وأحلامًا أو ما يزيد..

الجميع على حافة الموت هناك، عقلي لا يصدق أنه سيعود يومًا إلى هناك ولا يجدهم، هناك حقيقة أخرى لا يصدقها عقلي “أنني لن أعود أصلًا” لا يهم، مؤخرًا لم يعد يعنيني شيء بالفعل حاولت التمسك بقشة النجاة الأخيرة وفشلت، مثل كل محاولات السنين الماضية، الآن أحاول تقبل فكرة أن أدفن في مقبرة أخرى غير مقبرة الشيخ محي الدين التي لطالما شعرت أنها جزء مني منذ ضمت جسد أسامة وجدتي وجدي وآخرين، ومنذ كانت صباح كل الأعياد في دمشق.. الآن أشعر أن جسدي متناثر على شكل شظايا متفرقة كما عائلتنا الواحدة التي أصبحت في كل منافي العالم، في كل بلد توجد مني قطعة، يجمعنا اسم وصوت أحيانًا وقلمّا تجمعنا صورة واحدة أو يد تتمكن من احتضان الشوق لحصر المسافة بيننا. كثيرًا ما يراودني شعور بأني أتوهم لا يمكن أن يكون العالم دنيئًا لتصبح كل تلك الوجوه التي اعتدتها جزءًا من يومي مجرد شاشة الكترونية في هاتفي، ثم أتذكر لقد مر وقت طويل بما يكفي لأتجاوز هذا الشعور .. يجب علي ذلك!

أنا هنا .. في هذا المكان .. الذي لا فرصة لدي لأحبه وأعلم يقينًا أنه لن يحبني قط .. لكني بكامل السلام والرضا أبادله كرهي صامتةً.. وأتابع ما يتعلق ببلادي بكل موتها وخرابها وحزنها .. وأحبها أكثر ..

من هذا المنفى .. من هذا الموت الحتمي .. هنا دمشق حيث أسماء الراحلين في قلبي .. حيثما شوقهم.. أودعهم وأكتب النعوات.. أقيم مجالس التعزية ثم أعزي روحي وصورهم داخلي وأشكر سعيّ، أخيرًا أغلق رأسي على كل هذا وأحاول النوم مكرهة!

خرجت ولم تعد..

يغلقُ أحدهم القضبان بمئة جنزير ومفتاح وقفل .. كأن الروح التي تقف خلفه تبدو قادرة على الهرب أو حتى محاولة تجاوز كل أولئك القتلة المؤقتين لتنجو ..

في الحقيقة لا يبدو أنها راغبة بالنجاة ..

خارج القضبان تبدو الحياة مألوفة .. حياة طبيعية جدًا .. يشتري الناس حاجياتهم .. يبيع آخرون .. يلعب الأطفال في أغلب حارات المدينة .. يتجادل سائق التاكسي مع الركاب .. يحكي الحلاق حكاية الخاتم العجيب في فم السمكة للمرة المليون .. تسير امرأة حامل في الطريق فيساعدها أحد الرجال في جرّ عربة ابنها .. تسمع صوتًا حادًا يطلقه أحد الأطفال المتذمرين داخل الحديقة في وجه أمه التي تخبره أن الوقت قد انتهى .. الأطفال جميعهم لا يفهمون لعبة الزمن مبكرًا ..
كانت طفلة ذات يوم .. وكانت لا تعرف عن الزمن شيئًا .. خلف هذه القضبان الباردة تعلمت أن تنسى ذلك الذي يسمى وقتًا كي يكف عن حرقها كلما مر .. حاولت أن تعود طفلة .. طفلة لا تدرك من زمنها شيئًا .. لكنَّ وجعًا ما .. وجع لم ولن يبرأ في جسدها يذكرها في كل مرة أنها تجاوزت ذلك الوقت .. أنها كبرت أكثر من اللازم .. وأن الساعات ستبقى سجنها حتى وإن رأت السماء مجددًا ..

تغفو ..

تبقى أصوات الأقدام في الخارج تدق ناقوس الخطر فوق رأسها .. هنا تعلمت أن تلعب لعبة الاكتشاف مع تلك الأصوات، هذا رجل غاضب يحاول تجاوز زوجته .. وهذه خطى زوجته الصغيرة المتململة .. هذا طفل يمشي حديثًا وأمه تركض خلفه كي لا تسرقه سيارة مسرعة … هذه خطوات عاشقَين يبدو أنهما يمتلكان وقتًا كافيًا للحب وعمرًا يكفي ليسيرا في كل شوارع الشام معًا … تذكرت أنها ذات يوم امتلكت مثل هذا الوقت معه، قبل أن تبتلعهما العتمة …      هي لا تدري إن كانت تسمع الأصوات حقًا أم أنها تهذي.. لكنها تعلم جيدًا أن هذه اللعبة أنقذتها من خطر الوقت وحسابه .. تُكمل حديثها مع نفسها .. تُحصي السيارات المارة فوقها .. كيف يمكن أن تكون الحياة جحيمًا وجنة في ذات البقعة يفصلهما خط أرض واحدة إلى هذه الدرجة؟!
يدخل السجان يوقظها من نومها .. تذهب للتحقيق .. ثم تعود .. هي لا تعود كاملة كانت تدرك أنها بعد كل رحلة تحقيق وتعذيب تمر بها تنقص جزءًا .. هكذا حتى تنتهي كلها هذا ما تعزي نفسها به دائمًا عندما تسخر من مصيرها: “وزني مو كتير كبير .. هانت لاخلص” .. ثم يعود لها ذلك الوجع في موضع ما .. في حرقة ما .. يفتح داخل روحها موتًا أحمرًا وهي على قيد الحياة ..
هذا السجن كان الفاصل الوحيد بينها .. وبين حلمها .. روحها .. صورته الجميلة في عينيها … صورتهما معًا .. عائلتها .. مستقبلها .. أخيها الصغير الذي أراد أن يصبح خالًا لأبنائها منذ كان في الخامسة من عمره .. بينها وبين آخر الأمنيات في حياتها أن ترى السماء للمرة الأخيرة كما أحبتها دائمًا .. قد يجبرُ هذا المشهد كل أيام العذاب التي مرت بها… هكذا تتخيل!
تغفو مجددًا .. يدخل السجان بعد ساعتين .. يناديها .. يركلها .. يرش الماء البارد عليها .. كانت قد اتخذت قرارها في أن تكسر هذه القضبان .. خرجت بروحها نحو ذلك العالم الذي لم يعد يعرفها والذي لم ينتبه لغيابها يومًا  .. خرجت لترى إن كانت الحياة تبدو مُنصفة بين جحيمها وجنتهم .. خرجت ولم تعد .. ولن تفعل!

في ذكرى المجزرة..هل تحولنا إلى مجرمين حقًا؟

في العودة إلى البداية عندما انقسم المجتمع السوري إلى شريحتين، المؤيد والمعارض، كانت الغاية انحصار الكيان الثوري على تقديم أبلغ الصور والتوجهات السلمية لعرض الثورة كسبيل للتغيير والعدالة في الوطن المُبتغى، تحت مظلة واحدة وكيان مشترك يجمعنا جميعًا بكلا التوجهين المدنيين، لكن حينها مارست قيادة الطرف الأخر بسطوة النظام وأسلحته وهمجيته جميع الأساليب الممكنة لإخراس الصوت، من الاعتقال والخطف والتعذيب وصولًا إلى الموت. الفئة الأكبر من المؤيدين كانت تتعامل معنا لا كوننا طرف آخر، بل كعدو آخر.. جميعنا مُورس عليه الإرهاب المصغر من أقربائنا وأصدقائنا، وجميعنا حاولنا تحاشيه كي نحافظ على كياننا الهاتف “الشعب السوري واحد”.  يأتي السؤال الحقيقي هنا.. هل كان الشعب السوري منذ ذلك الوقت وحتى الآن واحدًا فعلًا؟.. بالطبع لا.. كل الصور والأحداث والتبعات التي أنتجتها الثورة أكدت أننا لم نكن يومًا كذلك، وبعضنا فقط من أدرك أن الحقيقة أوسع من فكرة طائفة أو دين أو ثورة، الأمر نابع من أشخاص عاديين عاشوا بيننا ومعنا وقتًا طويلًا، وتحولوا إلى مسوخ ينتظرون موتنا، أو يطلبونه أو يرموننا نحوه، سواء كانوا جبناء أو مستفيدين، لكنهم في الحالتين كانوا حاقدين جدًا..

في كل مرة توضع الثورة أمام خيار إثبات فضيلتها كانت تنجح، عند كل مجزرة تدك مناطق النظام كانت أصوات المعارضين الرافضين أعلى من أصوات المؤيدين النادبين، كنت تجد الرفض والشجب والاستنكار يفوق أي ردة فعل تخبرهم أن هذا الأمر يقع في نصف الكرة الأخرى، النصف الذي يهبط الموت عليكم منه كل يوم وكل ليلة، ورغم ذلك كانت المشاعر الثورية تقف خجلة أمام الظلم، وهي تعرف أن الموت لا يجب أن يسقط بين الجميع وأن هناك حتمًا مدنيين لا يستحقون الموت وأن أخلاقنا الثورية لم تخرج لهذا، المناطق المحررة تضم في غالبيتها النسبة الأكبر من المدنيين كانت تُدّك يوميًا بمئات البراميل ولم يصدر صوت شجب واحد من أهالي المناطق التي تقع تحت سلطة الأسد، بعض الأشخاص يقفون في الحياد المميت هناك لخوف أو رهبة أو لا مبالاة، لكنك تسمع صوت الشامت والناقم والمستهزئ يعلو على جثثنا دائمًا، كان الأمر جليًا في كل المجازر التي سميناها والتي لم نسمها، آخرها كان في مجزرة خان شيخون..

وتزامنًا معها بعد قرار المدن الأربع الذي تم على إثره استبدال أهل الأرض بغير أهلها، حدث تفجير أودى بحياة أطفال ومدنيين وأفراد تابعين لجيش الأسد أثناء إتمام الاتفاق، كان إعلاميو الثورة وثوارها على مقربة من المشهد لكنهم لم يكتفوا بدور المتفرج أو الشامت، الجميع اتجه لينقذ الضحايا، الكثير من المسعفون في الدفاع المدني الذي يعتبره النظام ومؤيدوه جزءًا من منظومة المستحقين للموت اتجهوا لإنقاذ الضحايا، أحد المسعفين كان يمسح جراح طفل صغير فسأله الطفل: “عمو أنتو بتدبحوا بس ما رح تدبحونا ما هيك؟”.. المسعف الذي لا يزال أثر غاز خان شيخون في حلقه مختنقًا تحدث عن ذلك قائلًا: “لربما ضمدت جرح من سيأتي ليقتلني غدًا”..

نحن كنا هكذا أمام كل اختبارات الثورة الحقيقية تتفوق أخلاقنا عليهم، سواء في محافل إثبات الفرق بين الجزار والمدني والفصل بينهما، أو في تبرير كافة المشاهد والتصورات التي يقوم بها بعض القاطنين تحت سلطته، كنا نضمد جرح قاتلنا ونحمله بعيدًا عن الموت، ندعو له بالنجاة، نربت على مواجعه إن لمسناها.. وفي الطرف المقابل يربي هذا الأخير ابنه أن كيف سيقتلنا عندما يكبر، وكيف سيوجه نصل سكينه إلى صدورنا كي لا نهتف مرة أخرى “يسقط الأسد” وربما كان يفعل ذلك قبل أن نهتف بهذا أصلًا.. كل ذلك الموت العظيم، كل الحكايات التي ضغطت علينا لتجعل منا مسوخًا كانت تبوء بالفشل.. لكن حتى نكون صادقين تمامًا كثير منا تشوه الإنسان داخله، وكثير منا أصبح يعاصر الحقد ويعيشه على أنه الشعور الأكثر أحقية له أمام كل الذي حدث له وكل ما سيحدث.. لم يعد من الممكن أن تتقبل علَمًا للطرف الآخر في أرضك تمامًا كما يعتبر الآخر رايتك كفرًا أكبر، لم يعد من الممكن أن تدخل في نقاش مع شخص بالنسبة لك منذ البداية باطل وربما يكون مشاركًا بالدم الذي نزفته حتى.. بعد أن تأكدت أن القاتل وتابعه موقِنان بضرورة موتك ليتابعوا حياتهم، بينما كنت تبحث أنت دائمًا عن جدوى لحياة مشتركة لكما معًا في وطن واحد. أخيرًا ستوقن أن هذا الوطن لن يكون واحدًا يومًا وأن الست سنوات المنصرمة أثبتت بالدم والظلم والنار أن لا حق يجمع القتلى مع الجرحى والشهداء تحت سماء واحدة..

هل حولتنا الثورة إلى وحوش؟ أم أننا لم نستطع أن نحافظ على إنسانيتنا بشكل تام أمام كل هذا الكم من الحقد والموت المصبوب علينا؟ هل يقيننا أننا وحدنا وأن الحق هو أن يكون الطريق والسبيل عالمًا لا يشاركنا به أولئك الذين عاشوا على موتنا حياة زاهدة قابلين بفتاتها على أن نشاركهم بعضها هو الصواب؟!..

في الحقيقة نحن لسنا وحوشًا لكننا متخمون بالجراح والصبر وفي قاموسنا الثوري لا مغفرة لقاتل..