ألف يوم آخر.. من ينسى؟

كانوا يقولون لي: “أنتِ صاحبة الذاكرة الأسوأ على الإطلاق”

وكنت أصدق، فأنا أكثر من كانت تتتعبه الذاكرة وتفاصيلها، كنتُ أحفظ الكلمات والتواريخ والأرقام، أحفظ المواقف والعثرات والأخطاء، ربما هذا ما يجعلني لا أغفر بسهولة، ويبرر لمن يعرفني حبي المرَّضي للرياضيات والأرقام..

اليوم أحصي سنة الرحيل الرابعة، ولا أعرف كيف مضى كل هذا العمر، وأنا الآن في درجة من اللامبالاة تجعلني لا أهتم حتى بتفاصيل مروره، لكني أشعر بوخزة في صدري عندما أدرك ضخامة هذا الوقت أيامًا وساعات ومواجع وتجارب، اعتدت أن أكون ساخطة في الأماكن التي لا تشبهني، اعتدت أن أعاند وأتمرد على كل الأمور السيئة، بدوت في غالب الوقت الشخص الذي لا يعرف أن يعتاد على الأشياء والظروف بسهولة، لكن مع مرور كل هذا الوقت أقرّ بكامل وعيي أن كل الاستسلام الذي أبدو فيه اليوم هو جزء صغير جدًا من التغيير الضخم الذي عايشته على مر كل هذه السنوات..

نصر أصبح في الثالثة من عمره هذا اليوم، وقبله بأيام وبأربع سنين كنتُ أخطو خطوتي المجنونة في العودة من كراج بيروت “الكولا” نحو دمشق ومنها إلى دوما، حيث سأشارك صديقتي في زفافها وحصارها أيضًا، كنت قد خططت جيدًا لذلك الأمر، لم أفكر بسخط العبور على ألف حاجز أمني، ولا بفكرة الوصول الصعبة، كنت سأتحدث معها حال وصولي لمشارف القابون أو ربما برزة وهي ستتكفل بالأمر بالاستعانة بأخيها، كانت الأمور سهلة جدًا، السيارة التي كانت تنتظرني، الأجواء العامة، ساعات وأغلق الهاتف وأدخل في حدود البلاد التي خرجت منها مُكرّهة، دقائق قبل أن تمتلئ السيارة بنا، أحدهم يركض ويفتح باب السيارة من جانبي وينزلني وهو يلهث، لقد وصلت رسالتي مبكرة جدًا لأخي الذي ظننته لن يمسك هاتفه داخل المحاضرة كالعادة.. كانت صدفة تشبه كل الصدف التي أبعدتني ألف مرة عن الموت وكنت ساخطة! … عدت معه ومن هناك انطلقت نحو منفاي الحالي .. ثم جاء نصر لهذا العالم بعد عام من تلك التجربة، وفتح عيناه على بلاد محاصرة يدخل لها الطعام بالتقطير، بينما يسقط الموت المجنون عليها بلا هوادة، أما أنا فبقيت أناديه ابن قلبي منذ أول صرخة عند ولادته رغم أني لم أحتضنه مرة واحدة بعد!

أيضًا قبل أيام من هذا اليوم وتحديدًا في 27 من هذا الشهر قبل أربعة أعوام، وصلنا خبر استشهاد عمار بعد أيام من المقاومة ومع كل المحاولات البائسة بتهريبه من الريف إلى بيروت لتلقي العلاج بعد تلك الشظية اللعينة التي استقرت في رأسه ذات معركة، كان وقع الخبر كالسم، بيني وبين أخواي… أخي حاول حبس دموعه وهو يخبرني بأن محاولة تهريبه كادت أن تنجح، كان عليه أن يقاوم أكثر، ينما أعود بذاكرتي إلى شارع الثورة الذي كنا نقطعه معًا عندما نعود من المدرسة، كنا نتحدث كثيرًا، وكان ثقيل الدم عندما يتعلق الأمر بكلام الحب الصبياني الذي نتناقش فيه.. كان يلعب القدم مع أخي في الحارات، بينما كنت أحمل قمصانهم وأحرس حقائبهم ريثما ينتهون، كنت أراقبهم بعيون الطفلة التي كنتها وأضعتها لاحقًا..  أعرف عمار منذ 17 عامًا، وبكيت عليه عندما استشهد كأني ودعته منذ ساعة لا سنوات، عمار الوجه الذي يُغرقني بالخيبة كلما أتى أيار وعيني لا تزال تنظر ساهمة نحو دمشق التي أحبها..

باسل الشهيد أيضًا .. لا قصة سوى إني كنت أتحضر لأكون في تشييعه، لا أذكر ما الذي حدث وقتها، لا أريد تذكر غصة جديدة أبعدتني مجددًا عن أن أكون حيثما أريد، لكنني لا زلت كلما مررت بضحكته مرت بي دمعة، باسل الذي كان صورة هاتفي المحمول سنتين كاملتين، وأغنيتي تردد خلفها “ما كان عندو مشكلة ما خاف من دفع الثمن” ولا زلت مصرة أننا وحدنا من ندفع الثمن منذ وقعت كاميرته أرضًا ومنذ بللنا دمه جميعًا، نحن الذين بقينا نجاهد لنحافظ على حلمنا المنشود..

أربع أعوام هنا في هذا المكان، كل التفاصيل التي مرت جعلتني شخصًا أخرًا لا تبدو له ملامح الفتاة التي خرجت من دمشق محملة بكل دموع العالم، لا أشبه الفتاة التي قضت أول عامين هاهنا باكتئاب حاد منكرة كل ما يجري حولها، لا تشبه الفتاة التي وددت أن أكونها، لا تشبه شيئًا، يشبهني فقط تلك الابتسامة الباردة التي تتصدر وجهي وأنا أحصي غيبًا كل تلك الأيام التي مرت حتى صرت هنا وأخطئ في العد، هذه المرة المئة وواحد التي أعيد فيها إحصاء الأيام كلها معجونة بالخيبات أيضًا منذ أن ذكرني أخي بأننا نشارف على نهاية أيار، الشهر الذي كان كابوسًا بالنسبة لي، وقد هونتُه بأعياد ميلاد أشخاص أحبهم لأنسى، لكن هل سأنسى ولو مر ألف يوم أخر؟!

Advertisements

5 thoughts on “ألف يوم آخر.. من ينسى؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s