سجن انفرادي..

لم تكن تتصور أن تعيش طويلًا هنا.. لا تذكر أنها ارتكبت جرمًا حقيقيًا في حياتها.. لكن شاء القدر أن تكون هنا في هذا المكان الضيق مما يزيد على أربعة أعوام… العتمة هنا تكرر نفسها.. حتى أشعة الشمس التي تغرق غرفتها الصغيرة جداً بوهجها تحافظ على موعدها في القدوم.. لكنها تتباطأ بالرحيل دائماً.. ساعات النهار تتضاعف كما كانت تحلم خارج هذا المكان وبالشكل الذي أصبحت تكره هنا أكثر.. كل الظروف هنا اجتمعت لتؤكد لها صعوبة مرور الوقت عندما تكون وحيدًا.. الغرفة صغيرة جدًا.. تبدو للوهلة الأولى قبرًا لكنها في الحقيقة تمتلك منفذًا كبيرًا في سقفها لتستطيع ابتلاع الشمس كاملة من كبد السماء.. لا تطل إلى على الفراغ.. باردة وموحشة دائمًا.. لكنها قد تقتلك حَرًا .. جدرانها ضخمة لكنها تستطيع أن تجثم على صدرك كلما حاولت أن تلتقط نفَسًا عابرًا … أضيق من أن تتسع لشخص يملك حلمًا .. وأوسع من أن تحمل قلبًا يبحث عن نهاية ما في هذا العالم..

أربع سنين .. استطاعت أن تدفن عطرها في هذا المكان.. مع مرور كل هذا الوقت وبحثها الدائم في كل صبح يزعج نومها الكثير منبّئًا بيوم جديد عن مسبب واحد للاستمرار هنا .. أو عن شيء واحد قد يفعله المحتجز في مكان مماثل … أو عن مرآة تعكس صورة وجهها بكل هذا الأرق! … دون جدوى .. لم تعرف أن كل هذا الوقت قد يمر بالفراغ هكذا .. وأنه سيمضي فقط لأن لا شيء يمكن أن يحدث سوى ذلك .. كانت تكبر .. وحيدة في العتمة تحت الشمس .. يتمدد جسدها بالحرارة .. وتتقلص أحلامها ومشاعرها ورغباتها بالبرودة … تسكب السماء عليها مطرها .. وتجفف الرياح العابرة شغفها .. مع كل هذه الساعات الكثيفة .. وخطؤها الدائم والمكرر والمقصود باحتساب الوقت .. وجدت أنه لا بد من أن يتوقف هذا الدوران حول العالم بلا جدوى .. قررت أن تكف عن أداء دور الناقم الكاره .. واتخذت لنفسها زاوية من هذا المكان الضيق .. تراقب فيه كل ما يحصل حولها دون أن تحاول أن تكون ظلاً للحكاية التي تمر بها ..

من تلك الزاوية .. مارست موتها الأول .. وقد فقدت كل حيلها في اختلاق عيش ما في هذا السجن .. رأت بعد ذلك أن الشمس لا تلقي بثقلها عليها قاصدة .. بل هي تفعل ذلك على كل النوافذ المشرّعة لها .. وأن الهواء لا يبحث عنها لينسفها بل هو يمر بكل من يقف في طريقه .. القمر .. لا يقف عند نافذتها الوحيدة حبًا بل هي دورته الكونية وحسب .. عرفت أن النجوم لا تزين السماء لتبدد وحشة الوحدة عن قلبها .. بل لأن المدينة أطفأت قناديلها المضاءة فقط! .. لا شيء في هذا العالم الكبير خارج سجنها الصغير يقصدها بما يفعل … وحده العالم المتسع الذي سكن خيالها ذات يوم كان ينتظرها .. ووحدها من كفت عن البحث عنه .. ثم تابعت مراقبة هذا العالم الصغير الذي يكفيها .. كي تُسقط رأسها في ليلة السنة الأخيرة من شباك غرفتها نحو الأرض بحبل معقود جيدًا على رقبة الرغبة التي لم تعش إلا عشرين عامًا ثم ماتت!….

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s