السلاح لهم والموت للجميع..

نحنُ لا نفقه مما يحدث على الأرض شيئاً، هذه حقيقة واضحة وصريحة لا ينكرها أحد.. أنت كسوري بعيد تماماً عن الصراعات والتحديات التي قد تراها أو تسمع بها، ستكتفي فقط بالمراقبة ومتابعة شرائط الأحداث التي يمليها عليك أصدقاؤك الموزعون في الداخل، وجهات نظرهم رؤيتهم للحدث وتأثرهم به..

تكتفي أنت كمغترب بلعن كل شيء وراء شاشة باردة قد تجعلك تشعر بحرارة الدماء في أجسادهم لكنها لن تجعلك تشعر بقسوة الحجر عندما يدفن أجسادهم تحته، سريعاً ما يتبادر لذهنك هو أن تدخلك في هذا الصراع المحتدم هو حق مشروع لك، لكن على أرض الواقع الافتراضي التي بات مسكناً لنا جميعاً.. بالطبع عندما تفكر أن تتحدث عن شيء ما يجب أن تكون جاهزاً لما يسمى “شبيحة الانترنت” هؤلاء الذين لا يفعلون شيئاً سوى تحديث حساباتهم الوهمية كل عشر دقائق، والدخول إلى محركات البحث فقط ليلتقطوا أي كلمة قمت بكتابتها عن ما يخص الحدث الذي يرتبط بجماعتهم، لينهالوا عليك بالتخوين والسباب والشتائم، ولهم من الحيل والطاقة ما يجعلهم يمددون هذا الأمر ساعات وساعات..

كيف تهاجم شخصاً على الأرض وأنت بعيد عنها؟ صحيح.. عليك أن لا تفعل شيئاً يجب أن تكتفي بالمراقبة فقط، يجب أن تنتظر أن نخلق بعثاً جديداً في أرضنا، وعلينا أن نكتفي بالصمت، هذا الصمت الذي سيخلق أربعين قرناً قادماً من الاستعباد. من الذي رفع الأشخاص إلى مرتبة التقديس الذي يمنع المس بأخطائهم لأن كل ما يقومون به صواب؟ من ذلك الذي أخبركم أننا نبحث عن سلطة موت جديدة بغطاء جديد وأننا سنسكت عنها؟ .. سيطلقون عليك _ إن فكرت بذلك _ كل الآخرين لشتمك وإقصائك وتهميشك..

بالفعل قد لا نملك صورة كاملة عن أرض المعركة، لكننا نعرف هذا الظاهر جيداً، من كان ينعتنا بالخونة دائماً، من كان يصوب البنادق على صدورنا ويقطع ألسنتنا، من كان يدكنا بالسجون إن نحن قلنا له “لا” ولم يناسبه الأمر، نعرف من كان يمزق علمنا ويقطع أيدينا إن رفعته أو حملته.. نعرف وجه الموت الذي عاصرناه لذلك لا يبدو الأمر غريباً علينا أبداً.. نحن لا ننصف أحداً، لا نستطيع أن نجعل الكفة في صالح أحد، من يجلس تحت ذاك الحصار أحق ألف مرة بالحديث عن ذلك منا .. لكن ما نعرفه تماماً أن كل هذه البلبلة تؤذي ما ينسب لنا باسم الثورة وتسمح للظالم الأكبر بالتمدد حيث يشاء مستمتعاً بالمشاهدة..

أنا لست على الأرض حالي حال الكثيرين اليوم، لكن قلوبنا مع أولئك الذين لم يزالوا في منازلنا يترقبون السماء كي لا تُسقط السقف والجدار عليهم إثر صاروخ أو برميل من الأسد، وعيونهم على شوارعهم الضيقة التي امتلأت بالموت ورائحة الجثث والدماء، اليوم بعد ست سنوات من لحظة الحرية الأولى لا نزال نخشى أن نظلم أحداً، مع أن الجميع يظلمنا ويقتلنا وكلّ ينسب ذلك للآخر، وبكامل الثقة يحضرون كلهم جنازتنا. اليوم لا يحق لك أن تتحدث عن القتل الذي يحدث، لا يحق لك أن تنتقد أحداً لأنك في الخارج، وهنا عليك أن تعيد النظر في دائرة الثورة التي آمنت بها منذ البداية، من في الحقيقة من كل هؤلاء ينتمي لها فعلاً؟

أنا سأجيبك.. ينتمي لها الطفل الذي كان يصرخ اليوم “أنقذوا أبي.. أنقذوا أبي” ثم استشهد والده بعد ذلك.. والرجل الذي سقط البارحة شهيداً برصاص الموت بينما كان يهتف للآخرين “شبعنا من الموت والجوع بدنا الحياة بدنا الحرية” .. ومعه سقطنا نحن، كما سقط كل من نحبهم منذ ست سنوات وحتى اليوم .. مع كل الرصاص الموجه لصدورنا ونحو ثورتنا وأحلامنا الصغيرة جداً ..

ثم تعود لتسأل نفسك.. القاتل والمقتول في شوارعنا يحرقوننا بنارهم، أين نقف نحن بالتحديد؟! ..

لا أحد يعلم!

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s