المستحيل السوري ..

في البداية كنت أعتقد أن الأمر شخصي جداً، وأرجحُ الأمر كوني شخص يفكر كثيراً وفي الوقت نفسه أنني سوريّة ولا حقيقة أكثر إتعاباً من ذلك، مع الوقت بدأت أكتشف أننا جميعاً محصورون في ذات الزاوية، وجميعنا نُسقِط كلما نعيشه ونقرأه أو نسمع به على سوريا وما يحدث فيها وحولها.

تبدأ الحكاية في فيلم “the impossible” عندما تضرب موجة ضخمة شاطئاً في بلدة يقصدها السياح عادة، هذه الموجة تحدث أضراراً بالغة ناهيك أنها تقتلع الأشخاص من أماكنهم وترميهم كل في اتجاه، عائلة أميركية مكونة من خمس أشخاص يتفرقون إثرها وتبدأ معاناة كل واحد منهم على حِدَة حتى يجتمعوا.

الفيلم درامي ومثير وكل ما يمكن أن يُذيل باسمه، لكن أحداً لن يخبرك أنه سيعلّق قلبك بقشة ضئيلة تكاد لا ترفعك نحو الحلم قيد شعرة، لكنك ستتمسك بها، المشاهد المُصوّرة باتقان عظيم تؤكد لك أنها حقيقية بالفعل للعائلة الفرنسية التي حصل معها الأمر نفسه في تسونامي، لكنك كسوري ستشاهد بعين أخرى، بعين الثائر المهاجر المشتاق المهزوم، ستراها بعين تبكي وطناً وشعباً كاملاً لا أسرة واحدة ..

تحتاج في البداية أن تصرخ قد يسمونها صرخة الولادة كالتي فعلتها “ماريا” عندما خرجت حية من الغرق مليئة بتلك الجروح في جسدها  ثم أن تتلقف الخوف من قلبك الذي يدفع الطفل عن أمه ليس بموجة بحر وحسب، بل بآلاف الكيلومترات والحواجز وجوازات السفر أو قضبان السجن أو حتى تحت تراب الوطن في سوريا. عليك أن ترى نفسك تحمي وجودك وصوتك كما يدافع “كارلوس” عن حبل نجاته الوحيد في عيني أمه. وتشعر في المشفى الذي وصلا إليه أخيراً بعد انتهاء المأساة أن الكثير من الصرخات والتأوهات وأصوات الأطباء المرتفعة للممرضات للحاق بحالة ما تعرفها، كل هذه الأصوات لن تذكرك إلا بالمشافي الميدانية أو بالشوارع التي أصبحت أحياناً مشافي غصباً لإنقاذ حياة ما في بلادك، ستأخذك في رحلة نحو كل المدن التي نُكبت في الوطن وكانت وحيدة آنذاك. حتى عندما يصورون مشهد الجثث من الأعلى يرتب لك عقلك أسماء المجازر بالتتابع، لتتساءل بصوت مرتفع: “هل كفّتهم الأكفان فعلاً؟..

اوه نعم هذا فيلم وحسب، الحقيقة هناك فقط، في موطني!”

الفيلم يريد لك أن تُشعل في قلبك أملاً لا أدري لماذا، ينتهي الفيلم بعد التقائهم وخروجهم من هناك بمشهد الشمس التي تسرق ملامح وجوههم وتحتفظ برهبة النجاة والسعادة في آن معاً، الشمس التي لم تُشرق علينا بعد ويبدو أنها نسيت تماماً أين نحن!

اليوم بينما لا زلنا نتابع المشهد ونعيشه في كل لحظة من حياتنا، لازلنا لا نجد حياة كاملة تامة دون أن نعود إلى هناك ولا مفر من ذلك، كلما ظننا أننا اتخذنا أماكننا في هذه البلاد البعيدة، وأننا في رحلة الاستقرار المجبرة ولو على مضض، نمارس الحياة كمداً ونظن دوماً أننا سننسى، ولا شيء يرهبنا كالنسيان، لا شيء نعجز عن إتقانه كالنسيان!. نحن لازلنا ننتظر شمساً جديدة تخبرنا أننا سنكون بخير، وأننا سننجو من كل هذا الغرق، أنها لن تعيد أحبتنا لكنها على الأقل ستعيدنا إلى الديار!

اليوم بينما يبالغ العالم بالجنون، والموت، والظلام. لا يزال السوري يغفو على حلم صغير جداً أن يتوقف كل هذا الصخب حوله وفي بلاده وأن ينام لمرة واحدة في حضن أمه وبعدها لن يحتاج أن يصحو أبداً..

نحن أبناء الذاكرة التي تُقصف كل يوم بألف سلاح محرم دولياً، ونحاسب إن فرحنا لسقوط طائرة خرجت في مهمة قتلنا. نحن أبناء الذاكرة التي اضطرت لدفن أبنائها بأكفان ملونة لأن الأبيض قد غطى كل الدماء وانتهى. نحن أبناء الذاكرة التي لا تلتقي بأهلها إلا خلف شاشات باردة، ولا يزال حلم العودة والنجاة يدفعها لتقول: “بنشوفكم قريب، بتفرج”. وهذا الفرج معلق في السماء ينتظر معجزة ما ليسقط بكل ذاك الخير على رؤوسنا. لكن يبقى السؤال اليتيم: هل سيبقى هذا الثمن مستمراً حتى ذلك الحين؟ وهل سنكف عن مشاهداتنا وإسقاطاتنا إلى حينها؟!

الله أعلم!

 

theimpossible

Advertisements

One thought on “المستحيل السوري ..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s