المجزرة التي أبقتنا أحياءًا!

من الصعب أن تكتب عن ما تفكر به دائماً ويبدو الأمر أعقد مما يتصور أولئك الذين ينعتونك بـ “كاتب” إن أرادوا تضخيم استهزائهم بك، أو الضحك بصوت مرتفع على جملك المتقطعة التي تقول فيها: “أنا مالي كاتب، أنا بكتب ع قدي بس” .. هم يجدون فكرة التواضع بحد ذاتها تستحق الاستهزاء، المشكلة أنك لا تتواضع أنت فقط لا تحب الجلوس على غيمة ليست مطوّبة باسمك!

من يعرفني عن قرب يحفظ كل سردياتي عن الموت، دعواتي، لعناتي على الحياة، تضخم فكرة الانتحار في رأسي وهوسي غير المعتاد بها قراءة ومعرفة، وقليلون جداً من يعرفون عن محاولاتي أو عن مراحل الاكتئاب العقيمة التي مررت بها.. أحد أصدقائي المقربين جداً بعد استنفاذه لكل الفرص الممكنة بإمكانية جعلي أحيد عن طريقة الكلام هذه، قرر قراراً جنونياً أن يجعلني أعيش لحظة الموت الأخيرة، بأن يرسل من يقتلني بينما يراقبني هو خلف عين الموت تماماً، يتساءل عن تلك اللحظة، هل سيضحك المجنون الميت داخلي أم أن الخوف سيتملكني وأرقد باكية أرجوه أن يمنحني بضع أيام أخرى؟

هذا التخيل بحد ذاته فتح داخلي ألف باب ومئة ألف تساؤل، وأعادني لدويستوفسكي العائد للحياة قبل لحظات إعدامه المحتمة بثوانٍ بعد وصول ورقة العفو عن الإعدام باسمه، والتي قال بعدها عن الحياة: “حين أنظر إلى الماضي، إلى السنوات التي أضعتها عبثا وخطأ، ينزف قلبي ألمًا، الحياة هبة.. كل دقيقة فيها يمكن أن تكون حياة أبدية مِن السعادة! فقط لو يعرف الأحياء هذا، الآن ستتغيّر حياتي، الآن سأبدأ من جديد”.

وأنا هل يمكن أن أحب الحياة في تلك اللحظة؟ أقصد إن واجهت الموت بشكل مباشر هكذا؟

على كل حال لقد جربت الأمر مسبقاً، في الخامس من آب في العام 2012 عندما كنت في منزلي صادفت الموت لأول مرة، رأيت شبحه الضخم بشكل يشابه حجم إله الموت في Death note  كان ذلك اليوم هو أكثر الأيام التصاقاً بذاكرتي بكل تفاصيله، منذ تمركز الجيش الحر في حارتنا، وحتى وقوفهم للصلاة في الكراج المخصص لسيارتنا، وحتى اللحظة التي وجهوا الآر بي جي نحو الدبابة القادمة والتي ستمر بشارعنا الفارغ، كان الاستنفار الأمني مهيب، والموت وقتها كان مهيباً أيضاً إذ أن الجثث بقيت في مكانها منذ الظهيرة وحتى المساء أي بعد أذان المغرب في رمضان البائس ذاك.. كان رد الدبابة على تلك الضربة حينها أن وجهت سبطانتها نحو حارتنا وضربت ضربتين سقطا في منزل جارنا الأرضي، ووقعت الشظايا في منازلنا، في ذلك اليوم بالذات مع كل الغبار المتكاثف الذي نُفخ في وجوهنا، رأيت شبح الموت يتجسد داخله وينطلق نحوي بسرعة مدهشة، ثم ينعطف نحو عائلتي الكبيرة والمرتجفة أمامي.. أذكر أنني في أيامنا التي قضيناها تحت الموت أو منذ بداية الثورة لم أبكِ إلا فيما ندر، وكانت هذه المرة الأولى التي أبكي فيها لأجلي أي لأمر قريب من عائلتي لهذه الدرجة، الخوف الذي سيطر علي من المشهد حينها هو أن الموت حتماً اختطف أحدأ منهم، بحثت في الوجوه، ابن عمي بنات عمي حولي سالمون، ركضت لمنزل عائلتي صادفت أبناء عمي الآخر في وجهي على قيد الحياة أيضاً، دخلت المنزل كان الجميع يقف هناك ليتأكد من سلامتي، عددت وجوههم لم أعرف العدد بالضبط لكني كنت أرتجف وأنتقض، نظرت لعيني أمي وسألتها: حدا مات؟ قالت لي: لا لا لا.. وبكت قبل أن تكمل سؤالها “أنتو مناح؟”.. وقعتُ على الأرض وبكيت معها ثم ارتفع صوت الجميع بالنحيب، قالت زوجة ابن خالتي النازحة مع العائلة كلها عندنا: إذا راما بكيت يا الله!..  لم أستطع أن أشرح لهم وقتها أني صادفت الموت، وأنه هددني بوجوههم جميعاً. بعد أيام قليلة استشهدت ابنة جيراننا التي شاركتنا تلك اللحظة بانفجار عبوات الغاز في إحدى حارات دمشق..

المسألة إذن ليست خوفاً من الموت، بل على العكس، الموت يخيفنا لأنه لا يمسنا نحن، لأنه يقترب من كل أولئك الذين نحبهم، ويجعلنا ننزوي عجزاً مع أرواحنا، يقضي اليوم مئة شهيد في خان شيخون حتفهم بعد أن ألقى الأسد عليهم غاز السارين، موتٌ صامت بلا ضجيج، بأجساد كاملة ودون مشاهد الدم المؤذية، هم يمتلكون “عيوناً شاخصة” فقط كما تقول صديقتي. ينتحب كل سوري في هذا العالم على ذلك، نختنق بقلة الأوكسجين رغم وفرته في المنافي، ثم نعود للتنفس الطبيعي، حتى تحدث مجزرة أخرى، نبكي مجدداً وفي كل مرة نتمنى أن نشاركهم الموت، إما لنتخلص من عذاب الضمير الذي بقي حياً فينا، أو يأساً من مواجهة كل هذا الجنون المحتمل في هذا العالم!

صديقي المفضل يوبخني كلما ذكرت له الموت مازحة ويقول: “الموت ليس حلاً وليس مهرباً لطيفاً”، وفي كل مرة أخشى أن أخبره أنني أعرف أنه اللعبة المفضلة في هذا العالم الأسود وأنني أتحمل ذنب الهرب نحوه مدعية رغبتي بالخلاص، وأنا أحمل داخلي نهراً كاملاً من الدموع تبكي المجازر السابقة واللاحقة في تلك البلاد، وتعرف كيف تنتحب وهي تنظر من شباكها على امتدادات لا يصب فيها دخان السارين غضبه، ولا يضخ فيها الموت حقده.. أخشى أن أخبره أنني أكره النجاة فعلاً وأن كل الشهداء أحبوا الحياة أكثر مني، وأنني إن قاومت كل هذه الأيام فهي كي لا أخجل من عيونهم الآن ولا في يوم القيامة!

 

Advertisements

3 thoughts on “المجزرة التي أبقتنا أحياءًا!

  1. الجَليلة says:

    بتتذكري الرسالة الي بعتلك ياها، هي نفسها رح تشوفيها بكل اعجاب بحطلك ياه هون 😉 لطيفة يا راما لطيفة كثيراً جداً.

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s