عندما خجلتُ من دمع أمي..

منذ ست سنين لم أعرف الشعور باختلاف هذا اليوم، لقد تغيرت علاقتي مع عائلتي كثيراً بعد الثورة، فقد أصبحت متأرجحة بين الهرب منهم أو بالعكس العيش بينهم أكثر..

في هذا اليوم من العام 2011 كنت لا أزال تحت وقع الصدمة، بين أننا دخلنا حقبة ثورية جديدة، وبين أننا لم نزل في مكاننا والمظاهرة العابرة التي رأيتها لم تكرر بعد. لكن بعد أن استقرت الثورة على الأرض متصدرة المشهد عرفت أن الأم تحولت إلى أيقونة حينذاك، هتفنا لها عندما كنا نبكي أصدقاءنا، هتفنا لها عندما حملنا نعوشهم على الأكتاف أو في القلوب، هتفنا لها عندما كانت أكثر صلابة منا، وكانت تمدنا بالصبر والقوة لنودع الشهيد برضا وغبطة .. “أم الشهيد نحنا ولادك” .. كنت أرددها كل عام على مدار خمس سنين، نحن أولادك الفقراء البعيدين المتعبين، نحن الذين دفع ابنك ثمن بقاءنا وحريتنا روحه مخلصاً، نحن الذين أحببناه ونكمل الدرب لأجله..

ورغم هذا، أعترف أنني كنت أهرب من عيونهن كما أهرب من عيني أمي، أمي التي تخاف دائماً أن تخسرني، أمي التي كانت تلحقني إلى باب المنزل كلما خرجتُ راجيةً أن لا أرتكب حمقاً يؤذيني، أمي التي لا تعرف أنني كلما كنت أخطو خطوة مجنونة لا أفكر بسواها، ولا أرى سوى عينيها حولي، ولكم شعرت بالذنب دائماً! .. في الثورة، أصبحت ابنة للكثيرات، كنت أعرف أبناءهن سابقاً، أو عرفت أبناءهن من خلالهن.. وفي كل عيد أم أقف حائرة أن كيف سأخبرهن أنني سأعوض مكانه؟، أنا التي أعرف تماماً أنهن دفعن الثمن الأكبر في انتظار فلذات أكبادهن أو في وداعهن.. أنا التي حضرت كل مشاهدهن وهنّ يمسكنّ بأيدينا المرتجفة ويخبرننا أنهن راضيات محتسبات وأن الوطن يستحق!

في كل مرة أحدثُ “أم عمار” تشعرني أنني المكسب الذي تحبه: “لا تقطعيني يا أمي من حكيك بتروحن فيكِ”، ولا أعرف كيف أشرح أنني أختنق بالدمع والحزن كلما كان فحوى حديثنا عمار وذكرياتنا .. “هادية” لم تكن تتحدث إلا أنها مشتاقة لـ “علاء”، “علاء” الذي أحببتُه أكثر من نفسي بعد أن عرفتها،  ثم رحلت منذ سنة ونيف لأنها كانت مشتاقة له، وتركتنا وحدنا هنا.. “أم مصطفى” الأم التي عرفتها في الريف تحمل الطعام لابنها المطلوب والمصاب في البساتين كل يوم، وتهرب من مراقبة النظام هامسة لي: “أنا بضيّع بلد لك بنتي، المهم ابني يضل سالم هونيك وما يمسكوه بايدهم، بروح حافية لعندو بس ما يمسّوا ولاد هالكلب” .. فقدت الاتصال بها بعد أن خرجنا من منزلنا..  “غالية” التي أثبتت أنها أمنا جميعاً في وداعها لـ “خالد” عندما كتبت ترثيه: “شهيد، صار اسمك شهيد يا روحي؟”، في الوقت الذي كنا نخصُ قلبها بالدعوات ليربط الله عليه جبراً.. “غدير” الأم التي تنتظر زوجها ليعود من أسر طويل، والتي تضعنا معها دائماً على ضفة الانتظار. “أم أحمد” التي بقيت تترقب عودة ابنها من خدمته الإلزامية التي امتدت ثورة كاملة حتى اللحظة ولا تعرف عنه شيئاً. “أم غياث” التي تحتسب صبراً ابنها الشهيد، وتنتظر ابنيّها المغيبين في العتمة.  “أم محمد” التي فقدت ابنيها أحدهما في إعدام ميداني على الحاجز، والآخر في أرض الغوطة.. ووالدة صديقتي التي دفعتها دفعاً لتخرج من دمشق كي لا تراها في المعتقل ثانية وتركض من فرع لآخر كالمجانين ..

كثيرات هن، ونحن قلة أمامهن، الأم التي تنتظر ابنها، والتي تودع ابنها، الزوجة التي تحفظ أبناءها وهي تدعو الله أن يرد أباهم، أو أن يعينها على ممارسة دور الأب في غيابه.. سوريا التي غصت بكل أولئك المكلومات والثكالى، والتي تحتفل كل عام بأنها قامت على الأسد، لأن هناك حقاً واحداً في هذه الحياة، النسوة اللواتي كن عماد الثورة منذ البدء، فاحتملن شقاء الموت والتهجير والانتظار، النسوة اللواتي خرجن في المظاهرات يشددن من عزم الرجال.  الفتاة الأولى في دمشق التي سماها الكثيرون “أخت الرجال” عندما أطلقت الصرخة الأولى في الحميدية، حيث همس أحدهم خلف الكاميرا قائلاً: “فيها نخوة أكتر منا”، مروة كانت أماً عندما هتفت هناك!.

كان علي أنا أفكر بما هو أكثر اتساعاً من الكلمة ليناسبني عندما هتفت  “أم الشهيد نحنا ولادك”، قبل أن أحتضن هالة وهادية ووالدة غياث والكثيرات في قلبي .. وقبل أن أحدثهن وأفتقدهن كما أفتقد وجوه أبناءهن في حياتي، كان علي أن أكون أكثر توازناً عندما جربت مواساة جارتنا التي ساندتني عندما انهرت أمامها باكية وهي تربت علي كتفي وتقول لي: “افرحي يا أمي شفتي وش من الجنة لك انبسطي وزغرديلو ما بيستاهل الدموع”..

حسناً هل كان هذا الحديث مقدمة كافيةً لأخبرك أنتِ بكل هذا الوجع الذي أحمله وثقل الذاكرة التي حفِظت أسماءاً ووجوهاً لا تعدُ من القهر، أنني ابنتك كما أنا دوماً؟!، حتى عندما أصبح ينقصني في هذا العالم اقتراب وجه ذاك الذي أحبه، والوجه الذي كنت أرى العالم من خلاله، الوجه الذي وقعت صورته في قلبي، وعجنته المسافة والركام وكل شيء على هيئة صورة منسية على جدار ذاكرتي بابتسامته الهادئة التي تحمل شريطاً أسوداً على جانبها الأيسر!؟، عندما رحل وتركني عاشقة ثكلى بعد فراقه..

منذ تلك الثورة ومعايدة والدتي في هذا اليوم مربكة، وأنا أجمع عيونهن جميعهن في عقلي وأسمع نحيبهن ومرارة الذكرى كأنها خلقت اليوم أو لهذا اليوم وحسب. أنا أسفة يا أمي.. بات لي ألف أم تبكي في هذا العالم، وقلبي يبكي معهن جميعاً، وأنا أتخيل أحد أبنائهن يغني: “وأخجل إن متُ من دمع أمي!”..

ألهذا لا تبكي الأم شهيدها يا أمي؟!، كي لا يشعر بالحرج؟!..

….

C7ZWfUiVwAAf-PU.jpg

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s