باسمها نجدد القسم ..

لا أطمح أن أبدو بطلة وأنا أتحدث عن الخطوة الأولى التي مشى بها غيري بينما كنت أمارس طيشي الحياتي في مكان ما، لست مجبرة أن أسرد على مسامع الأخرين حكايتي، لربما لم يكن لدي حكاية في الأصل، أو لربما كانت أكثر تواضعاً من أن تُروى، لكنها بالنسبة لكل منا أصل الحياة، إذن ما هي الحكاية؟!

أنا مهووسة بالأرقام، مهووسة لدرجة تجعلني أحمل على ظهري كل هذا العمر الذي كبرته في الثورة على أنه عمري الوحيد، رغم أنني لم أخطُ أول الدرب يقيناً، ورغم أنني تأخرت عن الركب، لكني أعرف تماماً أنني ركضت إليه بكُلي متى أتم عمره وحقيقته في روحي.. ست سنين أصبح عمري، وما عادت حكايات العالم تغريني بالاستماع كثيراً، لم يتبقَ من العمر ما يكفي لأجادل الناس وأخالفهم وأحدثهم عن ما أفكر وأؤمن به، لا أمتلك وقتاً يجعلني أقضي عمري المتبقي بعيداً عن الحلم الذي آمنت به منذ أن آمنت بحق تلك الأرض بصوت عالٍ، منذ أن عرفت أن الحق ليس ما تم تلقينه لنا في المدارس، بل الحق هو ذلك الذي تحاشى الجميع الحديث عنه ذات يوم..

كل هذا الدم الذي سفك، وكل الحكايات التي ركبت واستغلت المشهد الأوحد الذي أحببناه، وكل الطرق التي شعرنا بانقطاع أنفاسنا متى وصلنا لآخرها، وكل الأضواء المتهالكة التي لم نجدها في آخر النفق، وكل النهايات التي جعلتنا ننتحب بعد أن فقدنا الكثير ممن نحبهم، كل هذه الأسباب لا تعني أن ما قمنا به باطل ..

أو أننا قد يحق لنا اليأس فقط لأننا بقينا على قيد الحياة هاهنا ولم نشارك الراحلين طريق السماء، يكفي أننا صرخنا في شوارع تلك البلاد التي خنقها البعث أربعين عاماً باسم الحرية والوطن والكرامة، يكفي أن تلك البلاد لن تموت تحت وطأة الظلم والخوف مجدداً. يكفي أننا لن نضطر لإحكام إغلاق النوافذ والاحتياط من جدران منازلنا عندما سنروي لأطفالنا حكاية الثورة، لا كما حدثنا أهلُنا عن الثمانينات، لقد كسرنا رأس الطاغوت الأكبر، وكسرنا الرهبة من كل الطواغيت، تعلمنا أن كلمة “لا” ليست كفراً، بل حقاً!..

نحن نضجنا على قَسَمِ الثورة، وأمنا بكل ما أبلغتنا به، وعرفنا أن درب الشهيد لا يشوّبه ظلم ولا ظلام، وأننا إن انتابنا اليأس يوماً فكي نتمسك بأمل الثورة، كي نعمل لأجل المحرومين تحت ظلها من الحياة، كي نتحدث عن حقيقتها وطهرها، كي نحرس حلم الذين خلّف السواد في قلوبهم موتاً، لمن رحلوا، ولمن غيبهم العتم خلف سياطه!، نحن الذين عرفنا أن من يقتل شعبه خائناً ولو كان طبيباًبعيون خضر، ومدعياً التجديد بثورة اتصالات للبلاد التي يسودها شبح المخابرات وإجرامه ..

نعم، لم أكن في الخطوة الأولى، ولم أشارك بكل الخطوات، لكني أعرف أنها داخلي مكتملة تامة، لا يُنقص من حقيقتها إلا تضخم الموت على حساب الحياة، لكن هناك أمل لا يقف في آخر الطريق بل لم يزل صامداً في عيوننا نحن الذين نبكي كلما عاد بنا الدرب لتلك المظاهرة، أو رأينا صورة شهيد نحبه، أو سمعنا صوت قاشوش غنى باسمنا، تلك الأرض لنا، وإن بيعت، وإن نهبت، وإن دمرت.. لنا فيها حلم أقسم أن لا يُكسر! وهذا عهدنا وعليه نجدد القسم ..

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s