محاولة عابثة ..

أكتب لك.. لا لشيء سوى أنك اكتمال كل الرغبات في عقلي، وأنا إن توقفت يوماً عن الكتابة لك سأموت، سأموت بسبب التخمة التي ستصيبني من الكلمات، وأنا أكره التخمة وكل الكيلوغرامات الزائدة والكلمات الزائدة والألحان والعلاقات والصور الزائدة، أكره كل الفائض في الحياة وأكرهك كلما فضت داخلي واتسعت ..

أكتب لك.. لأن صديقتي تُصر أنني يجب أن أكتب لشخص ما، ولأن أختي لا تنفك تظن نفسها المقصودة في رسائل الحب تلك، ولدي صديق آخر يعيش وهم أنني أحب رجلاً فينزوي في آخر العالم يبكي فرصته المفقودة كما يعتقد بفتاة مثلي، أما أحد المتابعين لجنوني الانترنتي دائماً فيظن نفسه المقصود ويمطرني بالقلوب البنفسجية على الرسائل لأنتبه لاسمه، بالمناسبة أنا لم أجرب مرة أن أقرأ اسمه، قد يكون ذلك لأني أحفظ الأشياء بسرعة عند قراءتها ولا يهمني أن يصير محفوظاً في ذاكرتي ..

لنعد إذن .. لماذا أكتب لك؟! ..  أكتب لأنني أرى الحياة هنا رتيبة بشكل مزعج، والحياة في وطني صاخبة بشكل مميت، لا أريد أن أخبر العالم أنني أترقب سماء دمشق كل يوم لتمطر موتاً على عائلتي، الناس لا يهمهم الأمر جداً، وأنا لا أفهم لماذا عليهم أن يحاربوني باهتماماتي أصلاً!!.   أنا أحب دمشق .. وإن كانت دمشق المدينة التي لا تعرف الحب، والتي تبخل على الناس اليوم بالحياة، وإن كانت المدينة التي خطفها منا مستبد أحمق يظن أنه إله الخير في هذا العالم، وهو يرسل الشرور فينا وحولنا متى تمكن من ذلك ..

أحب دمشق، كما أحبك بالضبط وأخشى منكما وعليكما بذات اللهفة، أعرف أنني تحت لعنة الاغتراب أحمل فقط قلباً صغيراً جداً، لا يستطيع وضع السماء داخله، فيحتفظ ببعض الصور عنها كما فعل معك ومع دمشق، أعرف أنني خرجت بجسد لا يقوى على معاندة الحياة كثيراً وكلما خيّرته الدنيا أمراً جديداً تكاسل هرباً وعاد للبحث في طرق الانتحار، أفهم معنى أن تصغر روحي فتصبح داخل كف العفريت الذي يرجُ دمشق بقسوة، ويبصق على الريف قذائفه النتنة ليسكتها.. أعرف أن كل هذا العالم يتفق أن مدينتنا تستحق كل شيء، ونحن وحدنا من نعرف أنها المدينة التي تسقط، لا كما يعتقد الحالمون أنها لا تموت أبداً، بل لأننا نوقن أنها حالما تسقط سيؤذينا دوّي سقوطها نحن أبناءها الغرباء وحدنا..

أكتب لك، لأنك الوحيد الذي لا تملك الوقت في هذا العالم لتقرأ هرائي، أو لتسمع شتائمي المتكررة على الحياة، آخر شخص في هذا العالم سيفهم وحدتي وتقبلي الأخير للحياة الميتة حولي، وتوقف رغبتي في الرحيل لأي مكان..   وحدك ستعلم أنني لست أحداً مهماً، وأنني لا أعرف صياغة الكلمات جيداً، لأنني مليئة بالبؤس والحل الوحيد برأيك أن أترك هذا العالم للجادين أمثالك .. أكتب لك، لأن جرح الشام داخلي يخرسه ألف سبب أخجل من البوح بهم، ويضغط عليه كل وجوه الذين أحبهم ويقبعون تحت الخطر هناك.. أكتب لك لأخبرك أن هذا العالم لا يتسع لنا أبداً ونحن لا نريد التضاؤل للانكماش فيه ..

أكتب لك .. لأنني أحتاج حضنك الآن .. أو لأنني أحتاج كل شيء سواك!

Advertisements

عندما خجلتُ من دمع أمي..

منذ ست سنين لم أعرف الشعور باختلاف هذا اليوم، لقد تغيرت علاقتي مع عائلتي كثيراً بعد الثورة، فقد أصبحت متأرجحة بين الهرب منهم أو بالعكس العيش بينهم أكثر..

في هذا اليوم من العام 2011 كنت لا أزال تحت وقع الصدمة، بين أننا دخلنا حقبة ثورية جديدة، وبين أننا لم نزل في مكاننا والمظاهرة العابرة التي رأيتها لم تكرر بعد. لكن بعد أن استقرت الثورة على الأرض متصدرة المشهد عرفت أن الأم تحولت إلى أيقونة حينذاك، هتفنا لها عندما كنا نبكي أصدقاءنا، هتفنا لها عندما حملنا نعوشهم على الأكتاف أو في القلوب، هتفنا لها عندما كانت أكثر صلابة منا، وكانت تمدنا بالصبر والقوة لنودع الشهيد برضا وغبطة .. “أم الشهيد نحنا ولادك” .. كنت أرددها كل عام على مدار خمس سنين، نحن أولادك الفقراء البعيدين المتعبين، نحن الذين دفع ابنك ثمن بقاءنا وحريتنا روحه مخلصاً، نحن الذين أحببناه ونكمل الدرب لأجله..

ورغم هذا، أعترف أنني كنت أهرب من عيونهن كما أهرب من عيني أمي، أمي التي تخاف دائماً أن تخسرني، أمي التي كانت تلحقني إلى باب المنزل كلما خرجتُ راجيةً أن لا أرتكب حمقاً يؤذيني، أمي التي لا تعرف أنني كلما كنت أخطو خطوة مجنونة لا أفكر بسواها، ولا أرى سوى عينيها حولي، ولكم شعرت بالذنب دائماً! .. في الثورة، أصبحت ابنة للكثيرات، كنت أعرف أبناءهن سابقاً، أو عرفت أبناءهن من خلالهن.. وفي كل عيد أم أقف حائرة أن كيف سأخبرهن أنني سأعوض مكانه؟، أنا التي أعرف تماماً أنهن دفعن الثمن الأكبر في انتظار فلذات أكبادهن أو في وداعهن.. أنا التي حضرت كل مشاهدهن وهنّ يمسكنّ بأيدينا المرتجفة ويخبرننا أنهن راضيات محتسبات وأن الوطن يستحق!

في كل مرة أحدثُ “أم عمار” تشعرني أنني المكسب الذي تحبه: “لا تقطعيني يا أمي من حكيك بتروحن فيكِ”، ولا أعرف كيف أشرح أنني أختنق بالدمع والحزن كلما كان فحوى حديثنا عمار وذكرياتنا .. “هادية” لم تكن تتحدث إلا أنها مشتاقة لـ “علاء”، “علاء” الذي أحببتُه أكثر من نفسي بعد أن عرفتها،  ثم رحلت منذ سنة ونيف لأنها كانت مشتاقة له، وتركتنا وحدنا هنا.. “أم مصطفى” الأم التي عرفتها في الريف تحمل الطعام لابنها المطلوب والمصاب في البساتين كل يوم، وتهرب من مراقبة النظام هامسة لي: “أنا بضيّع بلد لك بنتي، المهم ابني يضل سالم هونيك وما يمسكوه بايدهم، بروح حافية لعندو بس ما يمسّوا ولاد هالكلب” .. فقدت الاتصال بها بعد أن خرجنا من منزلنا..  “غالية” التي أثبتت أنها أمنا جميعاً في وداعها لـ “خالد” عندما كتبت ترثيه: “شهيد، صار اسمك شهيد يا روحي؟”، في الوقت الذي كنا نخصُ قلبها بالدعوات ليربط الله عليه جبراً.. “غدير” الأم التي تنتظر زوجها ليعود من أسر طويل، والتي تضعنا معها دائماً على ضفة الانتظار. “أم أحمد” التي بقيت تترقب عودة ابنها من خدمته الإلزامية التي امتدت ثورة كاملة حتى اللحظة ولا تعرف عنه شيئاً. “أم غياث” التي تحتسب صبراً ابنها الشهيد، وتنتظر ابنيّها المغيبين في العتمة.  “أم محمد” التي فقدت ابنيها أحدهما في إعدام ميداني على الحاجز، والآخر في أرض الغوطة.. ووالدة صديقتي التي دفعتها دفعاً لتخرج من دمشق كي لا تراها في المعتقل ثانية وتركض من فرع لآخر كالمجانين ..

كثيرات هن، ونحن قلة أمامهن، الأم التي تنتظر ابنها، والتي تودع ابنها، الزوجة التي تحفظ أبناءها وهي تدعو الله أن يرد أباهم، أو أن يعينها على ممارسة دور الأب في غيابه.. سوريا التي غصت بكل أولئك المكلومات والثكالى، والتي تحتفل كل عام بأنها قامت على الأسد، لأن هناك حقاً واحداً في هذه الحياة، النسوة اللواتي كن عماد الثورة منذ البدء، فاحتملن شقاء الموت والتهجير والانتظار، النسوة اللواتي خرجن في المظاهرات يشددن من عزم الرجال.  الفتاة الأولى في دمشق التي سماها الكثيرون “أخت الرجال” عندما أطلقت الصرخة الأولى في الحميدية، حيث همس أحدهم خلف الكاميرا قائلاً: “فيها نخوة أكتر منا”، مروة كانت أماً عندما هتفت هناك!.

كان علي أنا أفكر بما هو أكثر اتساعاً من الكلمة ليناسبني عندما هتفت  “أم الشهيد نحنا ولادك”، قبل أن أحتضن هالة وهادية ووالدة غياث والكثيرات في قلبي .. وقبل أن أحدثهن وأفتقدهن كما أفتقد وجوه أبناءهن في حياتي، كان علي أن أكون أكثر توازناً عندما جربت مواساة جارتنا التي ساندتني عندما انهرت أمامها باكية وهي تربت علي كتفي وتقول لي: “افرحي يا أمي شفتي وش من الجنة لك انبسطي وزغرديلو ما بيستاهل الدموع”..

حسناً هل كان هذا الحديث مقدمة كافيةً لأخبرك أنتِ بكل هذا الوجع الذي أحمله وثقل الذاكرة التي حفِظت أسماءاً ووجوهاً لا تعدُ من القهر، أنني ابنتك كما أنا دوماً؟!، حتى عندما أصبح ينقصني في هذا العالم اقتراب وجه ذاك الذي أحبه، والوجه الذي كنت أرى العالم من خلاله، الوجه الذي وقعت صورته في قلبي، وعجنته المسافة والركام وكل شيء على هيئة صورة منسية على جدار ذاكرتي بابتسامته الهادئة التي تحمل شريطاً أسوداً على جانبها الأيسر!؟، عندما رحل وتركني عاشقة ثكلى بعد فراقه..

منذ تلك الثورة ومعايدة والدتي في هذا اليوم مربكة، وأنا أجمع عيونهن جميعهن في عقلي وأسمع نحيبهن ومرارة الذكرى كأنها خلقت اليوم أو لهذا اليوم وحسب. أنا أسفة يا أمي.. بات لي ألف أم تبكي في هذا العالم، وقلبي يبكي معهن جميعاً، وأنا أتخيل أحد أبنائهن يغني: “وأخجل إن متُ من دمع أمي!”..

ألهذا لا تبكي الأم شهيدها يا أمي؟!، كي لا يشعر بالحرج؟!..

….

C7ZWfUiVwAAf-PU.jpg

ثورة اليتامى/ حرية بريس

سألني صديقي منذ أيام ماذا يمكننا أن نطلق على الثورة السورية اسماً يناسبها في العام المنصرم؟ كان السؤال مفاجئاً بالنسبة لي، لكنني أجبته: “فينا نقول عنها ثورة اليتامى؟”. وحده صديقي يفهم معنى اليتم الذي أقصده، لقد كنا نعيشه معاً أثناء تهجير حلب الأخير، وعايشناه أيضاً مع الكثير من الانكسارات التي رافقت الثورة في العام الماضي. عن نفسي لازلت أشعر بقصم الظهر واليُتم مع كل حدث جديد يطال الثورة، من الاعتداء عليها، حتى محاولة تشويهها، فالاغتراب، والموت وإلخ …..

في العام الجديد، أو كما يجب أن يقال “في ميلاد الثورة الجديد”، عند ذاكرتنا التي يرغب كل واحد فينا أن يتيبس فيها للأبد فلا يصل إلى هذا المكان العابث بعد ست سنوات من ولادتها، وولادتنا، وولادة كل هذا الألم .. استمرار الثورة كل هذا الوقت بالطبع لا يدل على خيبتها ولا على خسارتها تماماً، بل على صمودها وصمود أبنائها أمام كل هذه الآليات العتيدة التي تسعى لكسرها، استمرارها كل هذا الوقت يعني تكاثف الموت، ازدياده، وتوسع هوة اليأس في قلوب الكثيرين ..

منذ ست سنوات كانت مخافة الخروج على النظام موازية لمشهد الأمن الذي يرفع قدمه فوق رأس أحد الشباب السوري وهو يهتف به: “عم تطلع عن النظام ولاك؟، بدكن حرية؟”. الفيديو الذي انتشر صداه لاحقاً، بعد تبلور الثورة كمفهوم وضرورة وملاذ أمام كل هذا البطش الذي نخشاه ونهرب منه.. والآن مع حقيقة تتابع عملية الدهس والقتل والتدمير والتهجير أنا أقطن منفى لا يشبه البلاد التي أحبها، ولست أدري حقاً إن كان هذا الخيار خياري أم أنه كان تبعاً للموجة الثقيلة التي حُملنا على إثرها بعيداً، وبعيداً جداً .. فعندما أفكر لماذا وصلنا إلى هنا أجد ألف سبب لذلك، ليس فقط أننا كنا نقاتل أسداً واحداً، ونحن اليوم في ساحة حرب لا نتمكن من عدّ أسودها الذين يتحينون الفرص للانقضاض علينا، بل عندما أعود بذاكرتي للبداية، عندما كان الوقت ضيقاً ومليئاً بروحنا الثورية الشابة في مواجهة نظام حكم سفاح.. حينها لم يكن على عمار أن يترك جامعته ويلتحق بالحراك الريفي وحده قائلاً أن الجامعة تنتظره حتى يعود أما الوطن فهو في أمس الحاجة إليه الآن ولن يخذله، ثم يستشهد باسمه. كان على ماهر أن لا يختفي بعد اعتقاله الثاني كل ذلك الوقت وتنقطع أخباره كلياً عنا، ويمر على خطيبته شهر وعام دون أن تعرف عنه شيئاً .. ما كان على العم أبو أحمد أن يستشهد بكل تلك الشظايا التي سكنت جسده، والتي استقرت إحداها في رأسه وبقي ينزف حتى الموت، فقط لأن حاجز الجيش منعه من الخروج للمستشفى أثناء الحظر المعتاد، ربما لم يكن على ذلك الحاجز أن يهدد بناته وزوجته بالاعتقال إن بقين يترجينه السماح لهن بالعبور، قد يبدو الأمر أكثر هوناً لاحقاً بعد أن لطخ دم أبيهن وجوههن فلم يتمكنّ من مسحه رغم مرور كل تلك الأيام وحتى بعد أن بقي قبره وحيداً في المدينة حتى جفَّ ترابه..

كل هذا كان داعياً لأن نصل إلى هنا!

استشهاد الشيخ الكبير في المدينة إعداماً أمام بناته فقط لأنه وقف مع الحق ضد النظام، ولأن الأحقاد أحاطت به بعد أن فض النزاع القائم بين اثنين في بداية الحراك المسلح أحدهما يريد السرقة والأخر يريد أن يحمي ثورة طاهرة، ووصل به الأمر في النهاية لأن يحاكم كل من يخرج عن أمرة السلاح المقامة تحت بند العقل والحاجة.. لماذا قتلت ريماس في طريق عودتها من الكنيسة ليلة العيد؟ لماذا أخطأتني رصاصة القناص؟ لماذا سقطت القذيفة بعيداً عنا، لماذا؟. لماذا!! …. ألف لماذا نستطيع إسقاطها هنا دون أن نحصل على جواب واحد، ليسأل أحدنا ما الذنب الذي ارتكبناه لنغرق بكل هذا الدم؟، لماذا دفعنا كل تلك التضحيات حتى اليوم؟، قد يكون ذلك لندافع عنها ضد من يأتي ليقول أن الثورة كانت حراكاً مسلحاً وحسب، وأن الشعب شارك النظام فساده وبطشه. لنفهم أنفسنا كلما أتى آذار وأثقلنا الحنين لتلك الأيام التي عرفنا فيها الحق مكتملاً، وأحببنا الأخضر وآمنا به، ودفعنا لأجله عمراً كاملاً أقل ما يقال عنه اليوم، أنه ربع أو خُمس عمرنا. هذا عامنا السادس ولأن أقلنا من بقي على إيمانه الأول بها، ولأننا لم نزل نخجل من ضحكات الشهداء، ولأننا لم نزل على الضفة الأخرى ننتظر آلاف المعتقلين خلف قضبان الموت بكل أمل أن يعودوا، لأنها حق وحق نؤمن به مهما أنهكنا الأمر، سنبقى نصارع من يحاول إخراس صوتها للأبد، هي حرية للأبد وثورة ليسقط الأسد وكل من شابهه .. كل من شابهه!

ثورة اليتامى..

عندما تقاتل العالم.. وحدك!

لا أحد يستطيع الذهاب للامتحان دون أن يفتح الكتاب لمرة واحدة فيفلح كما أفعل غالباً .. أختي فعلت ذلك منذ أيام وعادت تشتمني من امتحانها الذي لا تعرف ماذا كتبت فيه..

أنا كل ليلة أحلم بأن أستيقظ لأجد شبحاً ضخماً ابتلع العالم، وجعل كوخي الصغير على مقربة من فمه الضخم، ذلك فقط كمنحة خاصة لي لأنني بكيت طويلاً في الليلة نفسها..

أستطيع رؤية ركن العالم الهادئ كلما تثاءب الشبح..  في خيالي كان يتثاءب كثيراُ بالمناسبة ..

أصبحت أتقن ردات الفعل والنقاشات وإبداء الاختلاف والدخول في مشاحنات مع الآخرين صامتة …

كل يوم أقرر أن ألملم أغراضي كاملة وأمضي لمكان بعيد جداً، وفي كل صبح أرى عيون أمي وأبي أعود لأرتب أشيائي في الخزانة مرة أخرى، بقيت أكرر الأمر ثلاث سنين وحتى اللحظة لم أفلح في الهرب..

أحببت رجلاً كان يكذب بكل وعوده التي أطلقها، ولأني أكره الكذب جداً كرهته وتعلمت أن أكذب ..

الجانب السلبي داخلي تحول إلى جانب أخرس، لا صوت له أبداً، وزاويتي الإيجابية باتت تثبت نفسها جداً لكثرة ما أبتسم ..

أصدقائي يصادفونني في الأوقات الحرجة وغالباً ما يتفاجأون من هزالي أو السواد تحت عيني أو تهالك صوتي ..

الواقع الافتراضي أكثر ثقلاً من الواقع بمراحل، وكلما قررت هجره أعادني الحنين لصوت أحدهم ..

كل المدن موحشة، ولا أمر بغربة إلا أشعر بصلابة الوقت متحجراً في روحي .. أشعر أنني بت أحمل داخلي جبلاً لكثرة المدن التي مرت بي ..

صوته حنون جداً، لكنه لا يستطيع أن يكون جاداً في الحب أبداً ..

لم أعد أمتلك ورقة بيضاء واحدة ..

يدي كما يقول الطبيب لن تعمّر معي كما يبدو ..

وجهي سيصبح نصف وجه قريباً ..

تخليت عن ظلي في مقايضة مع بائع أحلام ..

روحي بقيت عند باب دمشق الثالث تنتظرني، وعدتها بالعودة بعد أن أشتري القليل من العمر .. ولم أعد بعد!

أخي .. بعيد مثل الوطن تماماً ..

الثورة لا تزال طفلتنا المدللة ..

أعترف كوني لا أفهم بالمعارك مثلما أضيع في مباريات كرة القدم تماماً ..

أخاف أن يسفك نقطة دم واحدة ظلماً ..

يؤلمني مشهد التهجير الذي يحصل كأنني أعيشه مرة أخرى ..

كل القذائف والصواريخ التي تستهدف الوطن تسقط في قلبي ..

كل الصرخات والدموع والأحزان التي تستوطن قلوب السوريين في العالم تكرر نفسها في رأسي يومياً ..

دمشق .. آخر زفراتي المشتاقة والملتاعة والحزينة ..

هو … أنا .. وكلانا شبه كائن موجود ..

باسمها نجدد القسم ..

لا أطمح أن أبدو بطلة وأنا أتحدث عن الخطوة الأولى التي مشى بها غيري بينما كنت أمارس طيشي الحياتي في مكان ما، لست مجبرة أن أسرد على مسامع الأخرين حكايتي، لربما لم يكن لدي حكاية في الأصل، أو لربما كانت أكثر تواضعاً من أن تُروى، لكنها بالنسبة لكل منا أصل الحياة، إذن ما هي الحكاية؟!

أنا مهووسة بالأرقام، مهووسة لدرجة تجعلني أحمل على ظهري كل هذا العمر الذي كبرته في الثورة على أنه عمري الوحيد، رغم أنني لم أخطُ أول الدرب يقيناً، ورغم أنني تأخرت عن الركب، لكني أعرف تماماً أنني ركضت إليه بكُلي متى أتم عمره وحقيقته في روحي.. ست سنين أصبح عمري، وما عادت حكايات العالم تغريني بالاستماع كثيراً، لم يتبقَ من العمر ما يكفي لأجادل الناس وأخالفهم وأحدثهم عن ما أفكر وأؤمن به، لا أمتلك وقتاً يجعلني أقضي عمري المتبقي بعيداً عن الحلم الذي آمنت به منذ أن آمنت بحق تلك الأرض بصوت عالٍ، منذ أن عرفت أن الحق ليس ما تم تلقينه لنا في المدارس، بل الحق هو ذلك الذي تحاشى الجميع الحديث عنه ذات يوم..

كل هذا الدم الذي سفك، وكل الحكايات التي ركبت واستغلت المشهد الأوحد الذي أحببناه، وكل الطرق التي شعرنا بانقطاع أنفاسنا متى وصلنا لآخرها، وكل الأضواء المتهالكة التي لم نجدها في آخر النفق، وكل النهايات التي جعلتنا ننتحب بعد أن فقدنا الكثير ممن نحبهم، كل هذه الأسباب لا تعني أن ما قمنا به باطل ..

أو أننا قد يحق لنا اليأس فقط لأننا بقينا على قيد الحياة هاهنا ولم نشارك الراحلين طريق السماء، يكفي أننا صرخنا في شوارع تلك البلاد التي خنقها البعث أربعين عاماً باسم الحرية والوطن والكرامة، يكفي أن تلك البلاد لن تموت تحت وطأة الظلم والخوف مجدداً. يكفي أننا لن نضطر لإحكام إغلاق النوافذ والاحتياط من جدران منازلنا عندما سنروي لأطفالنا حكاية الثورة، لا كما حدثنا أهلُنا عن الثمانينات، لقد كسرنا رأس الطاغوت الأكبر، وكسرنا الرهبة من كل الطواغيت، تعلمنا أن كلمة “لا” ليست كفراً، بل حقاً!..

نحن نضجنا على قَسَمِ الثورة، وأمنا بكل ما أبلغتنا به، وعرفنا أن درب الشهيد لا يشوّبه ظلم ولا ظلام، وأننا إن انتابنا اليأس يوماً فكي نتمسك بأمل الثورة، كي نعمل لأجل المحرومين تحت ظلها من الحياة، كي نتحدث عن حقيقتها وطهرها، كي نحرس حلم الذين خلّف السواد في قلوبهم موتاً، لمن رحلوا، ولمن غيبهم العتم خلف سياطه!، نحن الذين عرفنا أن من يقتل شعبه خائناً ولو كان طبيباًبعيون خضر، ومدعياً التجديد بثورة اتصالات للبلاد التي يسودها شبح المخابرات وإجرامه ..

نعم، لم أكن في الخطوة الأولى، ولم أشارك بكل الخطوات، لكني أعرف أنها داخلي مكتملة تامة، لا يُنقص من حقيقتها إلا تضخم الموت على حساب الحياة، لكن هناك أمل لا يقف في آخر الطريق بل لم يزل صامداً في عيوننا نحن الذين نبكي كلما عاد بنا الدرب لتلك المظاهرة، أو رأينا صورة شهيد نحبه، أو سمعنا صوت قاشوش غنى باسمنا، تلك الأرض لنا، وإن بيعت، وإن نهبت، وإن دمرت.. لنا فيها حلم أقسم أن لا يُكسر! وهذا عهدنا وعليه نجدد القسم ..