بقية من عمر وحلم …

إنه العشرين الثالث إذاً وحقبة عمرية جديدة تخط معالمها على وجهي، إنها مسافة جديدة مقتطعة من شريط لا أدري نهايته رغم أنني أفكر بالسير نحوها منذ ثماني سنوات وربما أكثر..
عشرين ثالث..
واختصار جديد لأفكار كثيرة في عقلي أنا أعجَزُ من أن أكتبها وأرتبها، ولا يهمني للغاية إحصاء الخسارات والخيبات واحدة تلو الأخرى هنا كعرض متناغم لحياتي التي يظنها الآخرون متخمة حد الطوفان بالسعادة والمحبين، والحقيقة أنها فارغة إلا مني …
لا زلت أكتب، ويبدو أن هذه اللعنة سترافقني بشكل دائم، رغم محاولتي لحصرها في رسالة يومية العام الماضي إلا أنها كانت أكثر اتساعاً فإضافة لكل تلك الرسائل التي خرجت بها، كان لدي نصوص ميتة مهملة هنا وهناك كعادتي دائماً…
لا زلت أبحث عن الدموع في أشد ليالي حياتي ظلمة فلا أجدها، ولا زالت تأتي بغزارة في لحظات كثيفة أخرى تجعلني أسقط في هوتها المعتمة إلى أسفل أسفل ما يمكن ..
لا زلت مجنونة، ولا زلت أضحك بصوت مرتفع، لا زلت أؤمن بالثورة وعيون معتقليها وابتسامات شهدائها، ولا زلت أحب الشام مهما هدّ ظهري هوانها ..
لا زلت أنا، أقف بخيبة مبتسمة، وأعض على جرحي بكل ما أوتيت من عزم لأقف في مواجهة العالم قوية كما يريدون ..
لا أحد يخلو من جروح الكون، لا أحد يسلم من كل هذه الحِراب المصوبة نحوه، لكن هناك من يستطيع أن يغرسها جيداً فيه فتصبح منه، أو يقتلعها ويعالج نزفه حتى يتخثر متحولاً لندبة ..
لا زال لدي قلب يستطيع أن يحب، ولا يزال الحب ألماً ..
لا زلت أحمل أحلاماً تائهة داخلي لا أعرف طريقاً لها ..
لا زلت أحب عشوائيتي، وأحب قليل الناس حولي، لم أزل حرة وأتقن الطيران متى أتعبني البقاء في مكان ما، لا زالت حدود سعادتي في المنزل، ولا يزال المنفى عبءً ..
كثير من الأشياء بقيت ثابتة مكانها، وحدي من يحلق ، وحدي من يتخذ الأشياء سلَماً ليعلو، وحدي أبحث عن السماء في محاولة للمسها، أو التماهي معها وحسب ..

…………

في دقيقتي الأولى لهذا العام سألت أمي سؤالي المكرر دائماً: لماذا أنجبتني؟!
سردت لي حكاية ولادتي التي حفظتها عن ظهر قلب، ثم قالت: “كنتِ فرحة عمري المؤنثة” ..
فكرتُ بحجم الخيبات التي حملتها لقلبها طوال عشرينيتي الماضية، وكيف تحولت من فرحة لنكبة ربما..
هل سيأتي يوم تسألني فيه ابنتي عن كيف أوجدتُها وجعاً في حين كنت قد ظننتني خلقتُ لي فرحاً تاماً بحضورها لحياتي!!!
……..
تجاعيد وجهي بدأت بالظهور أصبحت ثلاثة بعمر ما فوق العشرين خاصتي، وأنا أراقبها مبتسمة لها هي ليست عمراً بل هماً ..
ثم أعود للطريق الذي مضى أمسك في أول الهمس باسمك، ثم باسم الوجع الذي بات عميقاً عتيقاً بي، أمسك بحكاياتي المرتجلة، وبصمتي الذي بات أثقل من كل ما يخفيه.. وأنثرها في عمري الكامل هذا مع أمنية أن يصبح منسياً تماماً ككل حلم خبأته منذ عشر سنين لولادة في مثل هذه الأعوام التي لم تنجب إلا ضياعنا أكثر…
…………
سألتَني آخر الأمر قبل ولادتي الجديدة، وبعد نقاش عن عمرنا وطريقنا وضياعاتنا، وعن مستقبل الكون الصاغر بين كفي يدي الباردتين ..
_ ما الحب يا راما ..
لم أخذ وقتي الكافي لأجيبك، كان الجواب سريعاً جداً كأنه يرقد على قلبي منتظراً أن تستدعيه ..
قلتُ حينها:
_ الحب أنتَ .. وما للحب سواك اكتمال ..
……..
سطوة نار جديدة .. عمر يلتحف غياباً أكثف .. منفى بارد جداً وشمسه لا ترحم .. بلاد متعبة بنا وبسوانا .. حلم يتضاءل ليموت .. شهداء لا يودعوننا قبل الرحيل .. قلوب تغرقها العتمة وحدها .. وسكوني الليلي المثقل بالدموع ..
عمر صغير .. كبير .. متسع .. وضياع! …
ومعه لقد جاوزت العشرين يا أمي فهاتي الهم .. ونامي!
#جنونيات_بنفسجية
Advertisements

نصف أرض تخصنا..

في نصف الكرة الأرضية الأول طفلٌ يضع كل مشاغبات العالم الراقدة في رأسه على حضن أمه وهي تدندن له: “نام يا حبيبي نام لادبحلك طير الحمام..”. وتمسح على شعره حتى يغفو هادئاً سارحاً بغداء الغد المتوقع ..
في نصفها الثاني فتاة تلعب بلعبتها التي تفوقها طولاً وتحدثها بكل ما تفكر فيه لأنها أكثر قرباً من والدتها التي لا تفارق هاتفها المحمول مع ضحكاتها المجنونة التي تطلقها وحدها هكذا ..
في نصف ثالث شاب يقف تحت شباك فتاة تْزف إلى شاب تجرأ على طلبها والتقرب منها، وبقي الأول يسند حلمه عند الشباك ويلعب بالحصى المرمي تحت قدميه ..
في الرابع تقف فتاة أمام قبر حبيبها الذي مات قبل أن يلبسها خاتماً في يدها ترفعه أمام كل العالم لتبكي عليه بصوت مرتفع، فتاة تشقُ روحها كل ليلة وحدها وتزور قبره بعد طلوع الشمس وحدها ..
في نصفها الخامس عائلة .. عائلة كبيرة جداً تتشارك المساء وضحكاتها تتسع لكل هذا الكون مرة واحدة ..
أما آخر الأنصاف .. ففيه قلب مهترئ .. ملامح تحمل عمراً ضعف الأصل .. عيون تحكي حكايات العالم أجمع رغم أنها لم تتجاوز أضيق شبابيك المنفى .. روح تسافر بين طرقات البلاد البعيدة تلك … نحو الأنصاف التي لم يمسسها من حرب مدمرة سوى خبر هامشي على شاشة ظهرت ذات صدفة ..
الأنصاف التي لا تحرقها مدفعية الموت فتحرم الطفل من أمه، أو تجعل الأب يحمل جثة ابنه نحو قبر ضئيل جداً وبحجمه في أحد الحدائق المدمرة حيث كان يلعب، أنصاف لم تجعل أطفالها يجهلون كيف تكون الألعاب ملموسة وكيف نتحدث إليها، أو كيف يصبح صوت العائلة متيبساً بشاشات تنقله متقطعاً مع تكاثف الغصات، أنصاف لم يكسرها سوى الحب ولم يهزمها إلا إدعاءات اجتماعية تافهة ..
الأنصاف التي لم تعرف أن الحرب التي تمر في القلب وتهدّه لن تجعله حياً مرة أخرى ولو عاش في أكثر أنصافها أمناً .. ولو أغرقته بالسلام .. فالقلب المنهك .. منهك بكل ما حمله معه من تلك البلاد ..
#جنونيات_بنفسجية ..