الغياب وعام يمضي…

لا نستطيع حصر الألف فكرة في رأسنا في مكان واحد.. ورغم هذا فالتدوينة أدناه طويلة جداً جداً..

دائماً ما تجزعني النهايات على ما تحمله من مساءلة للنفس وتصور عن تفاوت المكانين اللذين كنت بينهما رغم أن جسدي بقي سجيناً في هذه البلاد البعيدة، إلا أنني حلّقت بين المكانين وجعاً وفرحاً طوال هذا العام الذي مر، خيبة وإنجازاً، وداعاً ورحيلاً وحرية. أحياناً تكون خطوة إغلاق كل الأبواب التي تُفتح لك عادة سيئة، لكني كشخصية مجنونة وغير متزنة في الغالب، أعتبرها أكثر العادات الصحية جودة في حياتي بعد قرار إيقاف السكر، نعم أنا أغلق الأبواب التي لا أجدني فيها، أبتعد عن الضجيج وعن الأماكن المزدحمة، أحب الاستماع للموسيقا بصوت مرتفع ولا أحب أن يشاركني الاستماع أحد في آن معاً، لا زلت متمسكة بتملكي للأشياء واهتمامي بتفاصيل الأمور رغم فوضويتي، أبحث عن طريقي وفي الوقت نفسه أغلق الأبواب.. نعم!

الأمر الذي افتعلته في العام المنصرم هو أنني أغلقت أكثر من باب قد فتح بمصراعيه في وجهي، أغلقته بتهذيب تام بأني لا أريد إتمام المهمة أو الطلب أو الطريق في الاتجاه نفسه، أو أغلقته بقسوة كي لا يفتح مجدداً في وجهي، تعاملت مع بعض الأمور بخيار الرفض دائماً، واتبعت نظاماً صارماً في مواضع أخرى، بعض الأبواب أحبها لكنها فتحت متأخرة جداً وأنا مضيت عنها. كما كل عام نُحصي عدد الصفعات التي بقيت بأثرها المحمر على وجوهنا، مربتين على قلوبنا بكل رحمة نزلت به بعدها، ومن أجل هذا نطوي صفحات مضت برضا كامل أنها لن تعود لنا بذات الحدة، ولأن أثرها الذي حملناه معنا سيبقى بارداً فينا لن يحمل وجعها الأول حتماً، وهكذا تتكاثف ذكرياتنا..

ما يُكرر دائماً أن الذي “فات مات” وعليك أن تأخذ بنصاب القادم وحسب، ولكن المثل القائل “اللي مالو ماضي عيشه فاضي”  ينخر في رأسي كل مواطن التهرب التي أفتعلها، نعم لم تكن هذه السنة سهلة البتة، أخذت فيها أسوأ القرارات، وأفضلها على الإطلاق، تحررت من الكثير من العلاقات المتعبة، وأصبحت أكثر مرونة واختلاقاً للسعادة، استعدت بعضاً من ضحكتي وأحاديثي المجنونة، تماسكت، وبكيت كثيراً، رجفت برداً وخوفاً ووجعاً مع أبعد الأشخاص عني، ومارست الموت في داخلي مع أقربهم مني.. ثم قررت أن أختم العام بعزلة من مواقع العالم الافتراضي أكتفي فيها عن الجميع، وأجالس نفسي، طبعاً هذا الأمر ليس جديداً لكن لأول مرة أقرر المدة الزمنية بهذا الطول وأفعلها..

مرت أربع شهور، في الثاني من يناير العام القادم أتم غيابي بأربع شهور كاملة، مر في بداياتها أسوأ أيام السنة على الإطلاق، وتأرجحت بعدها بلا توازن واضح حتى آخرها، لكن على الصعيد “الراميّ” كانت الخيار الأفضل لي..

في الغياب تتصدر الحقيقة وحدها عقلك، ولا تسمع صوت أحد سواك، تدرك كيف ترسم خطوط الحياة جيداً وكيف تفكر بما تود فعله بهدوء تام، في الغياب لا يعبث برغبتك جنون الاخرين أو فوضويتهم أو اعتداءهم على خصوصيتك، بل يكون الأمر منك وحدك، تأمر الضجيج فيعلو بأغنية تحبها أو تسكته فتعود للتأمل من جديد.

بماذا تأملت؟! .في الحقيقة لم أرسم خطة واضحة، عندما قررت الغياب كان ذلك بعد محاولات لطيفة صغيرة مني لفعله كل فترة، من يعرفني عن قرب يعرف أنني سيئة بالالتزام، ولا أعرف البقاء في مكان معين لوقت طويل، وأكره المواظبة على دوام ما في وقت واحد، وأكسر القاعدة طويلاً ودائماً بأي طريقة أتمكن منها، أكثر الجادين في المتابعة  رغم البعد وأكثرهم عجزاً، أجدر من قال وداعاً، ومضى غير آبهٍ بصراعاته الروحية.  لا تخيفني الوحدة،  ولا يخيفني قرار الغياب،  فقط كنت أقول لنفسي ضمنه: “اللعنة على الدراما الزائدة كان الأمر يتطلب كلمة “أوفلاين” واضحة لمن يفكر بالمرور هنا!”.. لكن حدث هذا ومضى.

في الغياب ..تعرف أن دمعك لن يُغرق تراب الراحلين، ولن تغير صرخاتك من وقع الموت في وطنك، ولن تقوم كلماتك مقام التنديدات المجدية، لكنك تعرف كيف تصوغها لتبقى حاضرة دائماً، حاضرة بالشكل الذي لا يجعلك تخجل من صمتك يوماً ما في حضرة كل هذا الموت.  مع الغياب تكتشف أنك أهل للحياة، وتُبند أساليب الانتحار الكثيرة التي كتبتها جانباً في محاولة لاختيار أكثرها دقة حتى وقت لاحق ..

في الغياب تعرف طريق الموت جيداً، لكنك تمضي عنه ساخراً، تعرف أن صوت بكائك لن يغير قدراً لكن صوتك قد يفعل. لك كامل الوقت الآن … لأوراقك .. وكتبك ..وجنونك ..وصراخك، وللآخرين كل الوقت بإدعاء شوقهم لك ووجودهم لأجلك وحبهم ..

كان الغياب حفلة لنفض كل العلاقات المتعبة التي مررت بها، للثقة من كل اختياراتي وقراراتي الساذجة التي تحدثت عنها ذات يوم، في فترة الصمت تلك أكدت المفاهيم الكثيرة التي كانت تصيبني بالجنون وسط كل الضجيج الذي كنت غارقة فيه، أغلقت الباب علي في كثير من المرات وبكيت حتى شُق صدري، عرفت كم تعني الوحدة في بلاد غير بلادك موتاً محتماً، فهمت اغترابي أكثر من أي وقت مضى وعرفت كم كنت أهلاً له، وأهلاً كي لا يمر عمري بسلامة أكثر، رأيت الآخرين الذين تغريهم مناراتنا المضاءة حرصاً من عاصفة قادمة، فيزوروننا حتى يعجبهم موطننا ثم يمسوا قلوبنا بخناجر مرورهم ويرحلون، ويترك رحيلهم في الروح ندباً! .. وثقت أكثر أن الأصدقاء جنة متى فهمناهم وتجاوزنا المسافة بيننا، وجحيم متى حاولوا فعل ذلك معنا، وأن المسافة التي أختلقها مع الآخرين هي الأمان الثاني بعد مطلق الثورة في روحي.. عرفتُ أن الحب هو مس الجنون الأجمل والأكثر إيلاماً في حياتنا وأن بابه المشرع في قلوبنا لا تغلقه رغباتنا وحسب، بل تغلقه يد الله بعد دعوة صادقة بأن يخلصنا من كل ذلك الوجع وكل تلك الأكاذيب .. وأن التحليق الذي تفرضه علينا السعادة بعد حدث ما، يتبعه سقوط لم نحسب له حساباً، لذا تعلمت كيف أستخدم أجنحتي لهبوط أكثر سلامة .. قرأت كثيراً وكتبت أكثر، فتحت باباً أحبه لـ صدى الثورة، وكتبت لأجل ما أؤمن به وسأبقى، تعلمت أن أحب الثورة بطريقتي دون الآخرين، ودون كلماتهم وصخبهم، عدت لكينونتي الخاصة كي لا أصدق أحداً حتى لو هتف باسمها كما أفعل، ندرة الأشخاص الذين يشبهوننا تجعلك متوجساً دائماً وهذا التوجس في العلاقات أكثر سلامة وأمناً، ضممت لعائلة قلبي الكثير من الأشخاص، وتخليت عن آخرين رغم الألف رابط واسم بيننا، تعلمت أن الرابط الذي نختلقه لنقنع أنفسنا بالأخرين محض وهم، من حدود سايكس بيكو السخيفة وحتى مطلق الإيمان بالثورة والكلمة وما إلى ذلك، وأننا عندما نقرر أن نفتح بابنا للهزيمة والانكسار سنمارس الدور بإتقان كأننا خلقنا لأجله، وإن قررنا إغلاق كل أبواب الوهم المصطنع والتباكي غير المجدي سنجد لأنفسنا ألف مفتاح لنفعل شيئاً مهماً.. وسنفعل!

لم أخفِ نفسي وراء كذبة، ولم أجامل، تحدثت بكل ما امتلكته، واعترفت بالكثير من الأخطاء أيضاً بصوت مرتفع، تعرفت على الاكتئاب الذي كان يقتلني، وحاولت التخلص من أتعس محطاته، اقتنعت أن الناس يعبّرون عما يشاؤون وأنهم غالباً ينساقون خلف التحدث بلا جدوى، وأنني حرة حتى بصمتي إزاء ما أقتنع به..

أحببت دمشق كما دائماً وربما أكثر، لكني وعدت نفسي أن لا أبحث عنها في أحد من جديد، وأن أتمن قلبي على كل تفصيل يمر به بخصوصية تامة، بمسميات واضحة، وِبذَلات معينة، وأن القلب متسع للشام والثورة، وصغير جدأ لمن يقارن بهما .. أصغر من نجمة سابحة في مجرتنا المعتمة هذه..

لن يكون غيابي الأخير، ولا عودة تامة في هذا العالم الافتراضي.. أريد فقط خطاً دافئاً بين هذا المكان وكل الذين أحبهم في بقاع العالم الشاسعة، لمن كانوا ابتسامة هذا العام رغم دمعي الكثيف خلف شاشة باردة، على معزوفة واحدة سوى ذلك الموت الذي لا يمنحنا ليلاً سالماً منذ فترة. للبلاد التي لم تفارقنا، للأحبة الذين سنبدأ عامنا باسمهم وحدهم، للراحلين عنا للأبد الأخير من عمرنا، لقلب أمي الذي لا يعرف إلا الغفران، ولأبي الذي يحمل الأمل كابنه البكر على الرغم من شيبه الجميل، لأخي الذي أحبه كنبض لا يصدق كل اختلافاته وبعده، لأختي الوحيدة في هذا العالم الدنيء، لإخوتي الذين لا يُرى الكون كاملاً دونهم، لوحدتي العظيمة، لإيماني المطلق بحدسي، لكوابيسي التي لا تكذب علي، لأحلامي المركونة في صندوق ذكرياتي من دمشق، لصوتي المتعب جداً جداً، ليداي اللتان تعجزان عن الكتابة دائماً، لكل ذاك الموت الذي مزق روحي عاماً بعد عام، لم يزل قلبي يحمل نبضاً، ولم أزل هنا، وهذا وحده يكفي لأن لا يموت أمل الثورة يوماً وكي لا ينتهي البحث عن الحياة ..

يكفي أن تكون حراً دائماً .. وتؤمن بحقك بذلك ولو عاندتك كل جيوش الأرض..

نحن هنا .. وهنا لا مفر من اتساع الصحراء والموت والحلم ..

هذا عام يمر بي #جنونيات_بنفسجية ..

Advertisements

4 thoughts on “الغياب وعام يمضي…

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s