جداريات العودة ..

أثبت الصامدون أنهم يفوقوننا قوة واحتمالاً وصبراً، وأيقنّا نحن البعيدون جداً أن تلك الأرض ليست سوى لمن يحملها في عينه وقلبه أينما التفت، لا من يقف عليها. لم يخرج ثوار حلب ومدنيوها وكل كوادر الحياة فيها مطأطئي الرأس أو مهزومين، لقد كتبوا وعوداً بالعودة تزلزل اللاهث خلف انتصاره المزعوم رعباً، كتبوا قوة لا يأساً، ثقة لا لغواً، كتبوا على جدرانها التي تخصهم، على قلوبهم التي أودعوها هناك، كتبوا ليسمع كل العالم، أن “حلب .. لينا وما هي لبيت الأسد!!!”، ولن تكون يوماً، فالأرض لمن احتمت بهم لا من احتموا بها…

“مع السلامة يا يُوم .. سلامتك يا حلب “..

اللغة تصبح ضئيلة جداً إن حاولت اختلاقها لأجل حدث ما، دائماً ما تسبقك روحك الهرِمة في هذه المعركة، فتنبئك بالخراب، لكن عليك تصديق حقيقة واحدة هنا، هي أن الخراب قائم يا عزيزي بكل الحالات، وما يهم الآن هو كيف تركن الركام في زاوية ما داخلك، وكيف تجهز لك مكاناً لتجلس، وطاولة لتضع كأس الشاي ونتحدث عن البلاد وحلمنا..
ما زالت الأسماء تندى بنا، ما زالت الحراب توجه لصدورنا، ما زال الموت قائم وما زلنا نحارب بؤسنا، لا مفر حتماً! .. كل منا يمارس الأمر من مكانه، يراقبه، يحدث العابرين فيه، أو يبكي وحده دون أن يخبر أحداً بذلك، تحت عتمة الوحدة والبعد.. كنتُ اليوم بعد عملية التهجير المؤذية في محاولة لاختلاق فرصة للتبسم في وجه أبي أخبرته: “الشباب وصلوا وصاروا سالمين بإدلب الحمد لله” ..
لم يبتسم كان رده يشبهها، يشبه أمنا المتروكة في أرضنا، نظر نحوي وقال: “وحلب يا بابا كيف صارت؟”.. كان عليّ ابتلاع كل الدمع المنسكب مني أمامه كي لا يراه، كان علي الوقوف على جراح خروجهم والقهر بافتعال قضية ثانية، ضحكة مفتعلة، أي شيء لأهرب.. هو انكسار لا نتجاوزه فعلاً، لكنهم بخير لا حقيقة أهم من هذا الآن، نحن لم نترك الأرض، لكننا حملناها معنا حيث نحن، نحن تركنا الموت خلفنا لنرسم درباً جديداً كي نعود..

“يسقط الأسد .. عائدون بإذن الله!

وغلاوة الشهدا راجعين “..

هو احتراف للألم ذاته، منذ حمص وحتى المعضمية وبين كل الأصوات الملتهبة والمحتارة والمكلومة، أستحضر مشهداً مشابهاً عندما خرجنا نحن دون أن تقلنا باصات خضراء لعينة – الباصات التي ما أحببتها يوماً منذ اكتظاظها على طريق دوار شمالي، وحتى مشاركتها في الجريمة ضدنا لكن السلاح الموجه نحونا هو ذاته الآن، الهاتفون بموتنا كانوا يقفون حولنا ولم تتغير وجوههم، هي ذات القسوة والكره، المصفقون لتدمير الأرض وإحراقها باسم الأسد لم يختلفوا أبداً، ونحن لم نتغير، جميعنا حملنا وجوه الصامدين الواعدين بالعودة، الوجوه التي تحمل الوطن في عيونها، لم تكن تعني المغتصب تلك العيون، فكل همّه كان أن نمضي..
ستلتقط أنفاسك بصعوبة ..لتتابع، هو في النهاية كخروج الروح أليس كذلك؟
علينا أن ندون نحن السوريون ضمن أوراقنا الثبوتية تأكيداً على أننا عشنا هذا الألم، أعتقد أنه أعتق الآلام وأكثرها حفراً في الروح ..
لا يعافي الجرح فينا إلا نصر وعودة، فكثرة الكلام لا تفيد، العمل وحده قادر على خلق روح جديدة عوضاً عن التي قُتلت وهجرت، وذاك الشيء تعيده صرخة جديدة من رحم الإيمان الأول والثقة الأولى أننا خلقنا لها، لا تداعياً وحسب بل يقيناً تاماً..

“راجعين يا هوا ..
إلى من شاركتني الحصار . بحبك!”

كتب أبناء الشهباء قبل أن يمضوا، بأيادي العاشقين هناك أسماءهم ووداعاتها، حتى تتابع في اغترابك القريب لهفتهم وثقتهم بالعودة، ثم تبتسم لمن يقف بجوار حبيبته ويحتضنها أمام حلم الرجوع منتصراً، هي رسائل للمغتصب وسلاحه ومن يقف وراءه، سيمر المنهزمون أمامها، سيتابعون بعيونهم كل هذا الصمود ويحرقهم ضعفهم وخوفهم، واحتماءهم بالسماء والمجرمين الآخرين، على عكس من ظللتهم القضية والإيمان طويلاً فآنستهم أمام كل هذا الموت المجنون، على جدران حلب الجميلة كتبوا قصصهم، أسماء شهداءهم، وتركوا لهم وصاياهم عن جثث الأحبة العالقة تحت الركام ..

“ثوار حلب هم الكرارون .. راجعين يا حلب!”

لأن الأصل أنها لنا، لله، للحق الذي سيقام يوماً ها هنا، لا أحد يقف مشرعاً بابه على الهزيمة راضياً بها، هي ليست هكذا!
لكن إن كُتب لنا الخروج يوماً فما هي إلا كر وفر ولنا فيها ولها عودة، هي معركة لجمع شتات ثورتنا وروحنا، هي كي نقف من جديد ونستعيد كلمة قلناها ذات يوم أننا يد واحدة، واليد الواحد لا تكسرها عدة الكثر وإن قلَّ ممسكوها..
الثورة المتروكة، حرستها عيون الحلبية، هم لها، وهم عزها، لنا فيكم انتصار وحلم يا سندنا، لنا فيكم عزم وصمود ورضا، أنتم الأعلون وتلك أرضنا وإن تاهت بنا الدروب، لا نور إلا أخضرها، لا درب إلا أخضرها ولا تسقط نجمة حمراء من رايتنا إلا بدم يجلجل انتصاراً!

“أحبيني بعيداً عن بلاد القهر والكبت … بعيداً عن مدينتنا التي شبعت من الموت ..حلب المحاصرة آخر يوم ..”

لن يكون الأخير في ثورة ولدت حتى لا تموت .. آخر يوم في الحصار وأول العودة بإذن الله ..
يا رب المستضعفين والمحزونين ورب المغلوبين..
يا رب ذاك الحب التائه بنا وعنا..

“لا فناء لثائر” … من وداعات الوعر الباقية الخالدة الآمنة!!.. وهكذا!

 

This slideshow requires JavaScript.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s