حلب وعنوان الإبادة ..

مع مرور كل هذا الوقت تعرف أن الموت الذي صار قضيتنا المثلى لن ينتزعه شيء من روحنا ..أراهن أن ليلتنا هذه كانت معتمة للغاية .. مبتلة بدموعنا المخذولة الموجوعة .. عيوننا تترقب هواتفنا وشاشات الأخبار ..وقلبنا يتلفت لأي خبر أو ووجع جديد .. يبدو الأمر “رومانسياً”  بلا طائل .. ويبدو الفزع شبحاً متكوراً في ملاذنا الآمن هنا وفي كل بقعة تبدو أكثر دفئاً ..

نحن نشاركهم التفاتات الموت حولنا لكننا لا نصادفه .. هنا حياة أخرى لا نترقب منها كل ذلك الموت من شباك صغير يكاد لا يتسع لكل تلك الأرواح إن قررت الخروج .. هنا دفء وسلام وأمن… لكن في المكان ذاته هناك روح تذوب ألماً .. ما يهم كل هذا الأمر إن لم تغير شيئاً؟!

لا يهم بشيء .. الامتداد المتسع للأرض خارج الوطن يجعلك تظن أنك محاط بالفراغ وأن صوتك لن يمسه موت ولا اعتقال ولا إسكات .. لكنه عكس ذلك .. منذ ساعات كنت أدور حول نفسي في حلقة مفرغة .. ما جدوى التباكي هنا .. لا سفارة روسية نندد أمامها .. لا يمكننا أخذ خطوة اتجاه فعل شيء .. تذكرت عندما كانت تمر ليالي الحصار أو القصف عنيدة علينا وكانت تخرج من نوافذنا أصوات مكبرة هاتفة تجعل المجرم ضائع ما بيننا … تذكرت ذلك الصوت المرتفع شعرت بذات النشوة التي كنا عليها عندما هتفنا أننا مع كل وجع يصيب جيراننا الثائرين .. أننا معهم للموت .. اليوم عندما يمس الموت حلب .. حلب الصامدة الثائرة العنيدة … عندما يمس أهل ثورتها ومن تسطر الملاحم والعظائم باسمهم .. يعجز صوتي عن إسعافي .. فتحت شباك المدينة هنا .. الهدوء الذي يلفها يغتالني تماماً .. وقفت منددة بكل هذا الصمت .. صرخت ملئ جوفي .. “حلب يا الله .. حلب دخيل اسمك” .. رُد الصوت لي .. رد كاملاً تاماً وغير متقطع .. لم ينادِ من شباك آخر صوت يساندني فيكبر باسم الله .. لم يتحول كل ذاك الخراب إلى وقفة لإعادة النظر  .. لا شيء تغير .. الكوكب لم يزل يدور دورته اللعينة .. العالم لا يزال نائماً على فراشه الوثير واضعاً رأسه في التراب … المدينة هنا سالمة آمنة بشكل تام ككل المدن المجاورة لذاك الموت … والموت هناك يحصد أرواحهم الهادئة رويداً رويداً…

كأن ما كتب لنا طوال هذا الوقت أن نحاصر بالحلم كما نحاصر بألمه ..وأن نتشبث بكل ما انتصرنا لأجله وما نفينا لأجله …. اليوم يفوقنا الوجع قدرة على الاصطفاف جيداً … وينالنا العجز .. بينما تمارس المدن الغريبة سطوتها علينا متحيزة لكون الأمر شخصي .. و”منا وفينا” .. وتنام مدننا الملجومة بنار الأسد هادئة مستكينة دون أن يعكر صفوها كل ذلك الموت البتة … هل كانت نداءاتنا مشوهة جداً لدرجة أن الموت نال الجميع .. ولم نكن قريبين أبداً؟  هل كانت “نحنا معاكم للموت”  نداء اختزالياً لمشاركة الوجع دمعاً وحسب؟ .. عندما خذلنا حلب .. خذلها كل من يحمل السلاح ويقدم السلام الذي يعيش فيه عنها .. خذلها كل من وقف رمادياً بينما يصب الموت على كل متلون بلون الحرية …خذلها كل الواقفون المتباكون العاجزون عن رفع اسمهم لأجلها … خذلها الملول الذي أتعبته بما فيها فقرر إغلاق الباب في وجه صوتها وحزنها ..خذلها الهارب منها وباسمها الملتحف ببلاد الاغتراب آمناً .. خذلها الجميع …ونحن أيضاً ..

لا أدري إلى متى ستدور الدائرة علينا .. إلا أن يحدث الله أمراً كان مفعولاً … فيحرق هذا الكوكب بما فيه من كذب ومراوغة وادعاءات .. أو يخرج الباقيين في حلب سالمين معافيين وينزل نيزكاً كبيراً يبتلع الأسد ومن أعانه .. “نحن نحارب الأسد لكن أوقفوا جنونه الدموي وحسب” .. رسائل الصامدين في حلب المحاصرة البقعة الضيقة جداً والمكتظة بأرواح ألفت الثورة وحرستها رغم كل شيء أثقل من أن يمضي دونها الليل هادئاً .. أثقل من أن تمضي..

آخر أمنية لهذه الليلة السوداء التي ستجعلنا نمارس الحياة في صباحها كشكل من أشكال التعويض عن كل تلك الخسارة … ليتنا بدأنا ثورتنا في زمن كان العالم فيه لم يزل غابة وحشية معتمة .. كان الأمر أهون أمام كل شعارات السلام والإنسان التي تضج بها البلاد .. البلاد التي ترى موتنا هانئاً .. فتهدهد لأولادها حكاية الحمام الذي سيُذبح في حلب ..

الأسد يحرق البلد ..والعالم يصفق لبقائه .. يا رب بحق كل تلك الأرواح الطاهرة لا تُخرجنا عن الإيمان بالثورة بعد كل هذا الزيف والعجز … لله .. ولمن تبقى من السوريين في هذا العالم الدنيء .. اغضبوا لحلب … اغضبوا لأجلكم حتى لا تقتلكم مرارة الخذلان إن كُسروا لكل هذا العمر .. ولأبنائكم الذين سيبصقون بوجوهكم إن قلتم لهم خذلنا حلب ..  وقبلها داريا .. وقبلها حماة … وقبلها حمص ..وريف الشام الغربي .. والله أعلم ننتظر الغوطة الشرقية على الطريق .. اغضبوا لأجلها … اغضبوا كي يعرف أبناؤكم الذين ثرتم لأجلهم أن حياتنا ليست أغلى من حياتهم وأن هذا العالم الأخرس لا يستحق أكثر من لعنة ..

السوريون يصنعون الثورة في وجه كل هذا العالم .. الأسد ساقط كما العالم في عيوننا ..

#حلب      #حلب تباد

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s