غيمة مبتلة بالكلمة ..

في كل مرة أقسم أن لا أعود إلى هنا بما أحمل .. وفي كل مرة أقسم أن لا أكتب حرفاً بصوت مرتفع … أخرق المهادنة بوقت أقل مما تخيلت .. عندما أمشي في الشارع .. أقف على المجلى .. أشرد مع الموسيقا التي أسمعها .. عندما أحاول كتم اعتراض أو حب داخلي لأن العالم حولي لا يبادل الرأي بأحسنه .. عندما أمسك قلبي وأشدد على وحدته ليلاً … عندما أقنع نفسي بأن كل طرق الراحة تبدأ من الرحيل .. عندما أمارس الصخب الجنوني ولو كذباً مع أصدقائي .. عندما يهمس أحد باسمها صدفة “دمشق” ! .. فأتنهد بحجم اتساعها في روحي … عندما أمرر علمها على كتفي فيحرقني حيزه بعداً وشوقاً .. عندما أفعل كل شيء في عقلي .. ولا شيء في الحقيقة .. عندما يتسرب الوقت مني كماء زلال يسقط في بركته قبل أن يصل إلى فمي …

أكتب لأجلي … لأجل أن يصبح العالم الضيق حولي متسعاً بعض الشيء .. أكتب لأن الصفحات البيضاء تثير شهيتي للحياة أكثر من ممارستها .. أكتب لأن الكلمات في عقلي تتصارع دائماً .. وتربكني … أكتب لأني قد أشعر بالغضب وأصبح مجنونة لمجرد أنها تكاثفت جداً جداً ولم تخرس في عقلي … ولأن الأوراق الكثيرة حولي بدأت تشعرني بالترف .. ولأني قد أخذت القرار بإشعال نار تبتلعها في بداية السنة القادمة ..

أكتب لأن الرحيل كان جزءاً من أول الضياع هذا … وأني أتسكع باسمه دائماً وأنني أبحث عن كل المبررات لنفسي .. ولظروفي .. وأنظر لكأسي المتكسر على  أنه فرغ قبل الكسر ولله الحمد! .. أكتب لأن النفي يُحملنا ذنب استراق النظر إلى البلاد التي نحبها خوفاً .. ويمنحنا مكان أضيق من أن يشبهنا … أكتب لأني تعلمت كيف يكون صوتي منسياً كلما مر وقت أكثف .. ولأن كلماتي تعرف كيف تشبهني .. وحدي .. بكل هذا الجنون .. 

أكتب لا ليقرأوا … بل لأقرأ .. وليبدو الأمر متداعياً في عيني .. ولأبرر كل المزاجية التي أحملها ..

أكتب لأنني أقسمت أن أوقف الحرب في رأسي .. فقط لأنني ابنة موت كثيف لم يعرف الانتهاء حتى اللحظة .. أكتب لأن كل هذا الخراب أتعبني ولأني غير قادرة على الوقوف في مواجهته أكثر …  لأنني لم أكفر بالغياب يوماً .. ولأن الوحدة والعزلة لم يكلفاني أكثر من قلة الكلام واتزانه وبعض التبسم مجاهرة … أكتب لأن الكتب الورقية التي أمتلكها بدأت بالتقلص .. ولأن عقلي يأخذ من كل حرف فرصة ليسمح لرأسي بممارسة دور الصداع جهراً  .. أكتب لأني لم أعرف ممارسة الاستقرار حتى اللحظة .. ولأن “كف العفريت” أصبحت جزءاً مني .. كلما تلفت حولي لافتعال شيء ما اهتزت لتنبيهي لوجودها! … أكتب لأنهم رحلوا .. ولم يخبروني أخر الأمر برغبتهم في البقاء .. أكتب لأنني أمتلك عمراً إضافياً لم تسرقه تلك الشظية ولم تلتقطه فرّاسة القناص ..

أكتب لأنني لم أدرس في مادة اليوم  .. أن هناك أمراضاً أخرى .. قد تودي بعمر الشخص دون أن يشعر وقد تجعله منفصماً فيُحدث نفسه بصوت مرتفع بسببها … أمراض مخفية تجعل المرء يراقب الحياة حوله بنهم وأحداق هادئة لا تكف عن الاتساع أمام كل ومضة استثنائية ليكتب عنها … شخص يحفظ قصص العابرين في مواقف الباصات وفي تقاطع الطرقات كأنها جزء من سيرته الذاتية … شخص مريض بأفكاره التي لا يُحدث بها أحداً لأنه يمّل من ممارسة الفكرة قبل فعلها … شخص يحفظ إيمانه داخله خوفاً من أن يمسه زيف كل الكذب الذي يحيط به … شخص يهرب من القلم والصفحات الفارغة خوفاً من ملئها بكل هذا الزخم الذي لا يعرف الصمت .. شخص لا يعرف الانتباه لتكلفات الأشخاص حوله .. ولا يعرف الاكتفاء بذاته راضياً … شخص مريض بالحرف … المرض الذي يصيب باطن قلبه .. وباطن روحه .. وباطن عمره … ولا يُشفى مريضها إلا بالموت ..

وهذا #جنونيات_بنفسجية كتيرة 🙂 ..

Advertisements

2 thoughts on “غيمة مبتلة بالكلمة ..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s