الغياب وعام يمضي…

لا نستطيع حصر الألف فكرة في رأسنا في مكان واحد.. ورغم هذا فالتدوينة أدناه طويلة جداً جداً..

دائماً ما تجزعني النهايات على ما تحمله من مساءلة للنفس وتصور عن تفاوت المكانين اللذين كنت بينهما رغم أن جسدي بقي سجيناً في هذه البلاد البعيدة، إلا أنني حلّقت بين المكانين وجعاً وفرحاً طوال هذا العام الذي مر، خيبة وإنجازاً، وداعاً ورحيلاً وحرية. أحياناً تكون خطوة إغلاق كل الأبواب التي تُفتح لك عادة سيئة، لكني كشخصية مجنونة وغير متزنة في الغالب، أعتبرها أكثر العادات الصحية جودة في حياتي بعد قرار إيقاف السكر، نعم أنا أغلق الأبواب التي لا أجدني فيها، أبتعد عن الضجيج وعن الأماكن المزدحمة، أحب الاستماع للموسيقا بصوت مرتفع ولا أحب أن يشاركني الاستماع أحد في آن معاً، لا زلت متمسكة بتملكي للأشياء واهتمامي بتفاصيل الأمور رغم فوضويتي، أبحث عن طريقي وفي الوقت نفسه أغلق الأبواب.. نعم!

الأمر الذي افتعلته في العام المنصرم هو أنني أغلقت أكثر من باب قد فتح بمصراعيه في وجهي، أغلقته بتهذيب تام بأني لا أريد إتمام المهمة أو الطلب أو الطريق في الاتجاه نفسه، أو أغلقته بقسوة كي لا يفتح مجدداً في وجهي، تعاملت مع بعض الأمور بخيار الرفض دائماً، واتبعت نظاماً صارماً في مواضع أخرى، بعض الأبواب أحبها لكنها فتحت متأخرة جداً وأنا مضيت عنها. كما كل عام نُحصي عدد الصفعات التي بقيت بأثرها المحمر على وجوهنا، مربتين على قلوبنا بكل رحمة نزلت به بعدها، ومن أجل هذا نطوي صفحات مضت برضا كامل أنها لن تعود لنا بذات الحدة، ولأن أثرها الذي حملناه معنا سيبقى بارداً فينا لن يحمل وجعها الأول حتماً، وهكذا تتكاثف ذكرياتنا..

ما يُكرر دائماً أن الذي “فات مات” وعليك أن تأخذ بنصاب القادم وحسب، ولكن المثل القائل “اللي مالو ماضي عيشه فاضي”  ينخر في رأسي كل مواطن التهرب التي أفتعلها، نعم لم تكن هذه السنة سهلة البتة، أخذت فيها أسوأ القرارات، وأفضلها على الإطلاق، تحررت من الكثير من العلاقات المتعبة، وأصبحت أكثر مرونة واختلاقاً للسعادة، استعدت بعضاً من ضحكتي وأحاديثي المجنونة، تماسكت، وبكيت كثيراً، رجفت برداً وخوفاً ووجعاً مع أبعد الأشخاص عني، ومارست الموت في داخلي مع أقربهم مني.. ثم قررت أن أختم العام بعزلة من مواقع العالم الافتراضي أكتفي فيها عن الجميع، وأجالس نفسي، طبعاً هذا الأمر ليس جديداً لكن لأول مرة أقرر المدة الزمنية بهذا الطول وأفعلها..

مرت أربع شهور، في الثاني من يناير العام القادم أتم غيابي بأربع شهور كاملة، مر في بداياتها أسوأ أيام السنة على الإطلاق، وتأرجحت بعدها بلا توازن واضح حتى آخرها، لكن على الصعيد “الراميّ” كانت الخيار الأفضل لي..

في الغياب تتصدر الحقيقة وحدها عقلك، ولا تسمع صوت أحد سواك، تدرك كيف ترسم خطوط الحياة جيداً وكيف تفكر بما تود فعله بهدوء تام، في الغياب لا يعبث برغبتك جنون الاخرين أو فوضويتهم أو اعتداءهم على خصوصيتك، بل يكون الأمر منك وحدك، تأمر الضجيج فيعلو بأغنية تحبها أو تسكته فتعود للتأمل من جديد.

بماذا تأملت؟! .في الحقيقة لم أرسم خطة واضحة، عندما قررت الغياب كان ذلك بعد محاولات لطيفة صغيرة مني لفعله كل فترة، من يعرفني عن قرب يعرف أنني سيئة بالالتزام، ولا أعرف البقاء في مكان معين لوقت طويل، وأكره المواظبة على دوام ما في وقت واحد، وأكسر القاعدة طويلاً ودائماً بأي طريقة أتمكن منها، أكثر الجادين في المتابعة  رغم البعد وأكثرهم عجزاً، أجدر من قال وداعاً، ومضى غير آبهٍ بصراعاته الروحية.  لا تخيفني الوحدة،  ولا يخيفني قرار الغياب،  فقط كنت أقول لنفسي ضمنه: “اللعنة على الدراما الزائدة كان الأمر يتطلب كلمة “أوفلاين” واضحة لمن يفكر بالمرور هنا!”.. لكن حدث هذا ومضى.

في الغياب ..تعرف أن دمعك لن يُغرق تراب الراحلين، ولن تغير صرخاتك من وقع الموت في وطنك، ولن تقوم كلماتك مقام التنديدات المجدية، لكنك تعرف كيف تصوغها لتبقى حاضرة دائماً، حاضرة بالشكل الذي لا يجعلك تخجل من صمتك يوماً ما في حضرة كل هذا الموت.  مع الغياب تكتشف أنك أهل للحياة، وتُبند أساليب الانتحار الكثيرة التي كتبتها جانباً في محاولة لاختيار أكثرها دقة حتى وقت لاحق ..

في الغياب تعرف طريق الموت جيداً، لكنك تمضي عنه ساخراً، تعرف أن صوت بكائك لن يغير قدراً لكن صوتك قد يفعل. لك كامل الوقت الآن … لأوراقك .. وكتبك ..وجنونك ..وصراخك، وللآخرين كل الوقت بإدعاء شوقهم لك ووجودهم لأجلك وحبهم ..

كان الغياب حفلة لنفض كل العلاقات المتعبة التي مررت بها، للثقة من كل اختياراتي وقراراتي الساذجة التي تحدثت عنها ذات يوم، في فترة الصمت تلك أكدت المفاهيم الكثيرة التي كانت تصيبني بالجنون وسط كل الضجيج الذي كنت غارقة فيه، أغلقت الباب علي في كثير من المرات وبكيت حتى شُق صدري، عرفت كم تعني الوحدة في بلاد غير بلادك موتاً محتماً، فهمت اغترابي أكثر من أي وقت مضى وعرفت كم كنت أهلاً له، وأهلاً كي لا يمر عمري بسلامة أكثر، رأيت الآخرين الذين تغريهم مناراتنا المضاءة حرصاً من عاصفة قادمة، فيزوروننا حتى يعجبهم موطننا ثم يمسوا قلوبنا بخناجر مرورهم ويرحلون، ويترك رحيلهم في الروح ندباً! .. وثقت أكثر أن الأصدقاء جنة متى فهمناهم وتجاوزنا المسافة بيننا، وجحيم متى حاولوا فعل ذلك معنا، وأن المسافة التي أختلقها مع الآخرين هي الأمان الثاني بعد مطلق الثورة في روحي.. عرفتُ أن الحب هو مس الجنون الأجمل والأكثر إيلاماً في حياتنا وأن بابه المشرع في قلوبنا لا تغلقه رغباتنا وحسب، بل تغلقه يد الله بعد دعوة صادقة بأن يخلصنا من كل ذلك الوجع وكل تلك الأكاذيب .. وأن التحليق الذي تفرضه علينا السعادة بعد حدث ما، يتبعه سقوط لم نحسب له حساباً، لذا تعلمت كيف أستخدم أجنحتي لهبوط أكثر سلامة .. قرأت كثيراً وكتبت أكثر، فتحت باباً أحبه لـ صدى الثورة، وكتبت لأجل ما أؤمن به وسأبقى، تعلمت أن أحب الثورة بطريقتي دون الآخرين، ودون كلماتهم وصخبهم، عدت لكينونتي الخاصة كي لا أصدق أحداً حتى لو هتف باسمها كما أفعل، ندرة الأشخاص الذين يشبهوننا تجعلك متوجساً دائماً وهذا التوجس في العلاقات أكثر سلامة وأمناً، ضممت لعائلة قلبي الكثير من الأشخاص، وتخليت عن آخرين رغم الألف رابط واسم بيننا، تعلمت أن الرابط الذي نختلقه لنقنع أنفسنا بالأخرين محض وهم، من حدود سايكس بيكو السخيفة وحتى مطلق الإيمان بالثورة والكلمة وما إلى ذلك، وأننا عندما نقرر أن نفتح بابنا للهزيمة والانكسار سنمارس الدور بإتقان كأننا خلقنا لأجله، وإن قررنا إغلاق كل أبواب الوهم المصطنع والتباكي غير المجدي سنجد لأنفسنا ألف مفتاح لنفعل شيئاً مهماً.. وسنفعل!

لم أخفِ نفسي وراء كذبة، ولم أجامل، تحدثت بكل ما امتلكته، واعترفت بالكثير من الأخطاء أيضاً بصوت مرتفع، تعرفت على الاكتئاب الذي كان يقتلني، وحاولت التخلص من أتعس محطاته، اقتنعت أن الناس يعبّرون عما يشاؤون وأنهم غالباً ينساقون خلف التحدث بلا جدوى، وأنني حرة حتى بصمتي إزاء ما أقتنع به..

أحببت دمشق كما دائماً وربما أكثر، لكني وعدت نفسي أن لا أبحث عنها في أحد من جديد، وأن أتمن قلبي على كل تفصيل يمر به بخصوصية تامة، بمسميات واضحة، وِبذَلات معينة، وأن القلب متسع للشام والثورة، وصغير جدأ لمن يقارن بهما .. أصغر من نجمة سابحة في مجرتنا المعتمة هذه..

لن يكون غيابي الأخير، ولا عودة تامة في هذا العالم الافتراضي.. أريد فقط خطاً دافئاً بين هذا المكان وكل الذين أحبهم في بقاع العالم الشاسعة، لمن كانوا ابتسامة هذا العام رغم دمعي الكثيف خلف شاشة باردة، على معزوفة واحدة سوى ذلك الموت الذي لا يمنحنا ليلاً سالماً منذ فترة. للبلاد التي لم تفارقنا، للأحبة الذين سنبدأ عامنا باسمهم وحدهم، للراحلين عنا للأبد الأخير من عمرنا، لقلب أمي الذي لا يعرف إلا الغفران، ولأبي الذي يحمل الأمل كابنه البكر على الرغم من شيبه الجميل، لأخي الذي أحبه كنبض لا يصدق كل اختلافاته وبعده، لأختي الوحيدة في هذا العالم الدنيء، لإخوتي الذين لا يُرى الكون كاملاً دونهم، لوحدتي العظيمة، لإيماني المطلق بحدسي، لكوابيسي التي لا تكذب علي، لأحلامي المركونة في صندوق ذكرياتي من دمشق، لصوتي المتعب جداً جداً، ليداي اللتان تعجزان عن الكتابة دائماً، لكل ذاك الموت الذي مزق روحي عاماً بعد عام، لم يزل قلبي يحمل نبضاً، ولم أزل هنا، وهذا وحده يكفي لأن لا يموت أمل الثورة يوماً وكي لا ينتهي البحث عن الحياة ..

يكفي أن تكون حراً دائماً .. وتؤمن بحقك بذلك ولو عاندتك كل جيوش الأرض..

نحن هنا .. وهنا لا مفر من اتساع الصحراء والموت والحلم ..

هذا عام يمر بي #جنونيات_بنفسجية ..

Advertisements

جداريات العودة ..

أثبت الصامدون أنهم يفوقوننا قوة واحتمالاً وصبراً، وأيقنّا نحن البعيدون جداً أن تلك الأرض ليست سوى لمن يحملها في عينه وقلبه أينما التفت، لا من يقف عليها. لم يخرج ثوار حلب ومدنيوها وكل كوادر الحياة فيها مطأطئي الرأس أو مهزومين، لقد كتبوا وعوداً بالعودة تزلزل اللاهث خلف انتصاره المزعوم رعباً، كتبوا قوة لا يأساً، ثقة لا لغواً، كتبوا على جدرانها التي تخصهم، على قلوبهم التي أودعوها هناك، كتبوا ليسمع كل العالم، أن “حلب .. لينا وما هي لبيت الأسد!!!”، ولن تكون يوماً، فالأرض لمن احتمت بهم لا من احتموا بها…

“مع السلامة يا يُوم .. سلامتك يا حلب “..

اللغة تصبح ضئيلة جداً إن حاولت اختلاقها لأجل حدث ما، دائماً ما تسبقك روحك الهرِمة في هذه المعركة، فتنبئك بالخراب، لكن عليك تصديق حقيقة واحدة هنا، هي أن الخراب قائم يا عزيزي بكل الحالات، وما يهم الآن هو كيف تركن الركام في زاوية ما داخلك، وكيف تجهز لك مكاناً لتجلس، وطاولة لتضع كأس الشاي ونتحدث عن البلاد وحلمنا..
ما زالت الأسماء تندى بنا، ما زالت الحراب توجه لصدورنا، ما زال الموت قائم وما زلنا نحارب بؤسنا، لا مفر حتماً! .. كل منا يمارس الأمر من مكانه، يراقبه، يحدث العابرين فيه، أو يبكي وحده دون أن يخبر أحداً بذلك، تحت عتمة الوحدة والبعد.. كنتُ اليوم بعد عملية التهجير المؤذية في محاولة لاختلاق فرصة للتبسم في وجه أبي أخبرته: “الشباب وصلوا وصاروا سالمين بإدلب الحمد لله” ..
لم يبتسم كان رده يشبهها، يشبه أمنا المتروكة في أرضنا، نظر نحوي وقال: “وحلب يا بابا كيف صارت؟”.. كان عليّ ابتلاع كل الدمع المنسكب مني أمامه كي لا يراه، كان علي الوقوف على جراح خروجهم والقهر بافتعال قضية ثانية، ضحكة مفتعلة، أي شيء لأهرب.. هو انكسار لا نتجاوزه فعلاً، لكنهم بخير لا حقيقة أهم من هذا الآن، نحن لم نترك الأرض، لكننا حملناها معنا حيث نحن، نحن تركنا الموت خلفنا لنرسم درباً جديداً كي نعود..

“يسقط الأسد .. عائدون بإذن الله!

وغلاوة الشهدا راجعين “..

هو احتراف للألم ذاته، منذ حمص وحتى المعضمية وبين كل الأصوات الملتهبة والمحتارة والمكلومة، أستحضر مشهداً مشابهاً عندما خرجنا نحن دون أن تقلنا باصات خضراء لعينة – الباصات التي ما أحببتها يوماً منذ اكتظاظها على طريق دوار شمالي، وحتى مشاركتها في الجريمة ضدنا لكن السلاح الموجه نحونا هو ذاته الآن، الهاتفون بموتنا كانوا يقفون حولنا ولم تتغير وجوههم، هي ذات القسوة والكره، المصفقون لتدمير الأرض وإحراقها باسم الأسد لم يختلفوا أبداً، ونحن لم نتغير، جميعنا حملنا وجوه الصامدين الواعدين بالعودة، الوجوه التي تحمل الوطن في عيونها، لم تكن تعني المغتصب تلك العيون، فكل همّه كان أن نمضي..
ستلتقط أنفاسك بصعوبة ..لتتابع، هو في النهاية كخروج الروح أليس كذلك؟
علينا أن ندون نحن السوريون ضمن أوراقنا الثبوتية تأكيداً على أننا عشنا هذا الألم، أعتقد أنه أعتق الآلام وأكثرها حفراً في الروح ..
لا يعافي الجرح فينا إلا نصر وعودة، فكثرة الكلام لا تفيد، العمل وحده قادر على خلق روح جديدة عوضاً عن التي قُتلت وهجرت، وذاك الشيء تعيده صرخة جديدة من رحم الإيمان الأول والثقة الأولى أننا خلقنا لها، لا تداعياً وحسب بل يقيناً تاماً..

“راجعين يا هوا ..
إلى من شاركتني الحصار . بحبك!”

كتب أبناء الشهباء قبل أن يمضوا، بأيادي العاشقين هناك أسماءهم ووداعاتها، حتى تتابع في اغترابك القريب لهفتهم وثقتهم بالعودة، ثم تبتسم لمن يقف بجوار حبيبته ويحتضنها أمام حلم الرجوع منتصراً، هي رسائل للمغتصب وسلاحه ومن يقف وراءه، سيمر المنهزمون أمامها، سيتابعون بعيونهم كل هذا الصمود ويحرقهم ضعفهم وخوفهم، واحتماءهم بالسماء والمجرمين الآخرين، على عكس من ظللتهم القضية والإيمان طويلاً فآنستهم أمام كل هذا الموت المجنون، على جدران حلب الجميلة كتبوا قصصهم، أسماء شهداءهم، وتركوا لهم وصاياهم عن جثث الأحبة العالقة تحت الركام ..

“ثوار حلب هم الكرارون .. راجعين يا حلب!”

لأن الأصل أنها لنا، لله، للحق الذي سيقام يوماً ها هنا، لا أحد يقف مشرعاً بابه على الهزيمة راضياً بها، هي ليست هكذا!
لكن إن كُتب لنا الخروج يوماً فما هي إلا كر وفر ولنا فيها ولها عودة، هي معركة لجمع شتات ثورتنا وروحنا، هي كي نقف من جديد ونستعيد كلمة قلناها ذات يوم أننا يد واحدة، واليد الواحد لا تكسرها عدة الكثر وإن قلَّ ممسكوها..
الثورة المتروكة، حرستها عيون الحلبية، هم لها، وهم عزها، لنا فيكم انتصار وحلم يا سندنا، لنا فيكم عزم وصمود ورضا، أنتم الأعلون وتلك أرضنا وإن تاهت بنا الدروب، لا نور إلا أخضرها، لا درب إلا أخضرها ولا تسقط نجمة حمراء من رايتنا إلا بدم يجلجل انتصاراً!

“أحبيني بعيداً عن بلاد القهر والكبت … بعيداً عن مدينتنا التي شبعت من الموت ..حلب المحاصرة آخر يوم ..”

لن يكون الأخير في ثورة ولدت حتى لا تموت .. آخر يوم في الحصار وأول العودة بإذن الله ..
يا رب المستضعفين والمحزونين ورب المغلوبين..
يا رب ذاك الحب التائه بنا وعنا..

“لا فناء لثائر” … من وداعات الوعر الباقية الخالدة الآمنة!!.. وهكذا!

 

This slideshow requires JavaScript.

لماذا تركنا البلاد وحيدة يا أبي؟..

*من هناك عندما يصبح الموت فرض عين ..وواجب:

تعال نخرق الهدنة معاً .. أنت توجه المدفعية نحوي .. وأنا أراقب السماء ..

أنت تقرر حل مشاكلك مع ميليشياتك المجرمة ببرميل جديد ..وأنا سأرفع الأنقاض ..

أنت تسير فوق جثث شهدائنا ..وأنا سأسقي قبور الآخرين الذين أحرسهم ..

أنت تدوس تراباً أحبه ودافعت عنه حتى آخري .. وأنا يوجعني الشارع الذي ضم صرخاتنا تحت بطش جندك …

أنت تخرق الهدنة .. وأنا أراقب الموت ليمارس الهدنة ضدك …

كلانا موت .. لكننا موت يرفع يده راضياً آمنا منتصراً بصموده وحلمه … وأنت موت ضعيف ضئيل يسند ظهره على كل هذا العالم السفاح ..

نحن وحدنا ولم نجبُن … وأنت وكل هذا العالم معك ضدنا ولم تزل صرخاتنا تخيفك وتكسرك …

ثم …. رصاصة وصمت ..

*من هنا نحو الناجين حتى اللحظة من الهدن المتداعية:

كيف أقتحم الطريق وأخرق المسافة بيننا؟ ..

كيف نحمل جثثكم على ظهورنا فلا تنحني بؤساً؟ ..

كيف نغفر لأرواحنا المتهالكة رغماً عنا كل شيء؟!..
نحن لم نضع الأرض بل أضاعتنا .. أضاعنا كل هذا الشتات ..أضاعنا انهزامنا لحقيقة واحدة .. “مو طالع بايدي شي” أضاعنا أننا محترفون جداً في فن “البعبعة والتباكي” ومبدعون في إلقاء اللوم والانهزامات على أكتاف بعضنا بذات القدر الذي نحمل به جثث الأحبة فوقها!… لكننا لا نتجرؤ على الخروج للشارع لأجلنا …  أضاعتنا التفاتاتنا الغاضبة … وتمسُكنا بالطريق البعيد جداً ..الطريق الذي لا يشبه الثورة ..
أضاعنا أنصاف الرجال ..وأنصاف العقل … وأضاعنا سلاح الموت في يد المتخاذلين .. أضاعتنا طرقنا النادبة التي لا تسكت أبداً .. وأضاعنا هذا الصوت الذي يريد أن يحمي أخاً يُذبح في بلاده ..وأختاً تغتصب .. فيضطر لتوقيع أوراق وتقديم تصريحات وهو يشاهد على بعد كل تلك المسافة أن الأمر يحدث الآن .. بينما يستمر من يوقع أوراقه بالختم على “مع رفض الطلب” ناظراً بكل برود لذات الزاوية ..
العالم لن يتحرك لأجلنا … صحيح .. من لم يحركه كل ذاك الموت الذي مر لن يحركه شيء الآن .. لكن على الأقل تحرك أنت كي تشعر أنك كنت ابن تلك الأرض وابن تلك الحقيقة التي أخرجتك للنور .. ابن الثورة ولو ذات يوم مضى .. كي تستطيع الانتصار لاسمك وبلادك .. كي يسامحك القابعون تحت ذلك الموت يهتفون باسمها وبنصرها وأنت تلعن الوجع خائفاً من أن يلفح البرد خدك!
الشيء الوحيد الممكن في هذا العالم هو أن تتحدث .. أن ترفع صوتك .. أن تقول لكل هذا الكوكب “اللعنة عليك هناك موت يُصب في روحنا” …
“لا ينام الموجوعون” … وكما هم فالثائرون لا ينامون  .. ولا ينام الذين ينتظرون الموت واقفاً على الباب … لكن دفئنا يجعل نومنا هانئاً .. ونحن نربت على حلمنا ونخبره أن “هيك طالع بالايد الله يرحمك!” فيغفو مثلنا .. وتخرس الحشرجة التي تؤذينا في حناجرنا لأن الصوت كان في الأصل أخرس ..
هناك لا ينظرون للسماء جمالاً لكنّ أحدهم مكلف بعدّ الطائرات والبراميل … والآخر بحساب المسافة بينهم وبينه .. والثالث في إحصاء الشهداء … ورابع يركض لإسعافهم .. وخامس يكتب عن حقيقة ما يحصل .. وكثيرون كثيرون لا يهدأون رغم تعبهم كي لا يُنسى الطريق .. كي لا تصبح تلك البلاد كما أرادها القاتل دوماً نسياً منسية بمن فيها .. يرسلون الرجاءات للسماء مع شهدائهم … ويقف أحدهم أمام قبر أخيه باكياً “ما كان بايدي انزح يا خاي عنك .. بس الملعون ما خلالنا مطرح” ثم يمضي وكأن القبر حيّ يودعه فيبكي … ويبحث الآخرون عن بقايا أشلاء أحبتهم ليركضوا بها نحو موت آخر ..
لو كانت الحياة هكذا.. بمطلقها الغيبي بأن نكون على أهبة الفقد دوماً … وبأن نتربص بكل الأقدار البعيدة لجعل الموت استحالية على من نحبهم .. لو كان استحضار العدل في هذا الزمن صعباً لهذه الدرجة .. لماذا لنا هذه الأصوات العالية؟ .. لماذا لنا أرواح تحترق دائماً؟ .. لماذا كانت السماء “فيّنا” الوحيد من ظلال طائراتهم السوداء؟ .. ما بعد كل هذا يا ربها؟ .. ما بعد كل هذا؟!!
تؤرقني دائماً فكرة العودة إلى البلاد .. وكيف ستغرق أقدامنا بالدماء ذات يوم ..
كيف سنمشي ونحن نفكر بالآلاف الذين سقطوا باسمها حباً بالثورة أو صموداً!
كيف ستكون الشوارع متأهبة لاستقبالنا نحن الآمنون الآن في موتهم .. نحن الصرخة الملجومة بألف سوط وكلمة ومبرر وموت؟!
لماذا لا نستكين لفكرة الراحة بعيداً عنها؟ ..

أو … لماذا تركنا البلاد وحيدة يا أبي؟!..

#حلب … #سوريا .. #الثورة

حلب وعنوان الإبادة ..

مع مرور كل هذا الوقت تعرف أن الموت الذي صار قضيتنا المثلى لن ينتزعه شيء من روحنا ..أراهن أن ليلتنا هذه كانت معتمة للغاية .. مبتلة بدموعنا المخذولة الموجوعة .. عيوننا تترقب هواتفنا وشاشات الأخبار ..وقلبنا يتلفت لأي خبر أو ووجع جديد .. يبدو الأمر “رومانسياً”  بلا طائل .. ويبدو الفزع شبحاً متكوراً في ملاذنا الآمن هنا وفي كل بقعة تبدو أكثر دفئاً ..

نحن نشاركهم التفاتات الموت حولنا لكننا لا نصادفه .. هنا حياة أخرى لا نترقب منها كل ذلك الموت من شباك صغير يكاد لا يتسع لكل تلك الأرواح إن قررت الخروج .. هنا دفء وسلام وأمن… لكن في المكان ذاته هناك روح تذوب ألماً .. ما يهم كل هذا الأمر إن لم تغير شيئاً؟!

لا يهم بشيء .. الامتداد المتسع للأرض خارج الوطن يجعلك تظن أنك محاط بالفراغ وأن صوتك لن يمسه موت ولا اعتقال ولا إسكات .. لكنه عكس ذلك .. منذ ساعات كنت أدور حول نفسي في حلقة مفرغة .. ما جدوى التباكي هنا .. لا سفارة روسية نندد أمامها .. لا يمكننا أخذ خطوة اتجاه فعل شيء .. تذكرت عندما كانت تمر ليالي الحصار أو القصف عنيدة علينا وكانت تخرج من نوافذنا أصوات مكبرة هاتفة تجعل المجرم ضائع ما بيننا … تذكرت ذلك الصوت المرتفع شعرت بذات النشوة التي كنا عليها عندما هتفنا أننا مع كل وجع يصيب جيراننا الثائرين .. أننا معهم للموت .. اليوم عندما يمس الموت حلب .. حلب الصامدة الثائرة العنيدة … عندما يمس أهل ثورتها ومن تسطر الملاحم والعظائم باسمهم .. يعجز صوتي عن إسعافي .. فتحت شباك المدينة هنا .. الهدوء الذي يلفها يغتالني تماماً .. وقفت منددة بكل هذا الصمت .. صرخت ملئ جوفي .. “حلب يا الله .. حلب دخيل اسمك” .. رُد الصوت لي .. رد كاملاً تاماً وغير متقطع .. لم ينادِ من شباك آخر صوت يساندني فيكبر باسم الله .. لم يتحول كل ذاك الخراب إلى وقفة لإعادة النظر  .. لا شيء تغير .. الكوكب لم يزل يدور دورته اللعينة .. العالم لا يزال نائماً على فراشه الوثير واضعاً رأسه في التراب … المدينة هنا سالمة آمنة بشكل تام ككل المدن المجاورة لذاك الموت … والموت هناك يحصد أرواحهم الهادئة رويداً رويداً…

كأن ما كتب لنا طوال هذا الوقت أن نحاصر بالحلم كما نحاصر بألمه ..وأن نتشبث بكل ما انتصرنا لأجله وما نفينا لأجله …. اليوم يفوقنا الوجع قدرة على الاصطفاف جيداً … وينالنا العجز .. بينما تمارس المدن الغريبة سطوتها علينا متحيزة لكون الأمر شخصي .. و”منا وفينا” .. وتنام مدننا الملجومة بنار الأسد هادئة مستكينة دون أن يعكر صفوها كل ذلك الموت البتة … هل كانت نداءاتنا مشوهة جداً لدرجة أن الموت نال الجميع .. ولم نكن قريبين أبداً؟  هل كانت “نحنا معاكم للموت”  نداء اختزالياً لمشاركة الوجع دمعاً وحسب؟ .. عندما خذلنا حلب .. خذلها كل من يحمل السلاح ويقدم السلام الذي يعيش فيه عنها .. خذلها كل من وقف رمادياً بينما يصب الموت على كل متلون بلون الحرية …خذلها كل الواقفون المتباكون العاجزون عن رفع اسمهم لأجلها … خذلها الملول الذي أتعبته بما فيها فقرر إغلاق الباب في وجه صوتها وحزنها ..خذلها الهارب منها وباسمها الملتحف ببلاد الاغتراب آمناً .. خذلها الجميع …ونحن أيضاً ..

لا أدري إلى متى ستدور الدائرة علينا .. إلا أن يحدث الله أمراً كان مفعولاً … فيحرق هذا الكوكب بما فيه من كذب ومراوغة وادعاءات .. أو يخرج الباقيين في حلب سالمين معافيين وينزل نيزكاً كبيراً يبتلع الأسد ومن أعانه .. “نحن نحارب الأسد لكن أوقفوا جنونه الدموي وحسب” .. رسائل الصامدين في حلب المحاصرة البقعة الضيقة جداً والمكتظة بأرواح ألفت الثورة وحرستها رغم كل شيء أثقل من أن يمضي دونها الليل هادئاً .. أثقل من أن تمضي..

آخر أمنية لهذه الليلة السوداء التي ستجعلنا نمارس الحياة في صباحها كشكل من أشكال التعويض عن كل تلك الخسارة … ليتنا بدأنا ثورتنا في زمن كان العالم فيه لم يزل غابة وحشية معتمة .. كان الأمر أهون أمام كل شعارات السلام والإنسان التي تضج بها البلاد .. البلاد التي ترى موتنا هانئاً .. فتهدهد لأولادها حكاية الحمام الذي سيُذبح في حلب ..

الأسد يحرق البلد ..والعالم يصفق لبقائه .. يا رب بحق كل تلك الأرواح الطاهرة لا تُخرجنا عن الإيمان بالثورة بعد كل هذا الزيف والعجز … لله .. ولمن تبقى من السوريين في هذا العالم الدنيء .. اغضبوا لحلب … اغضبوا لأجلكم حتى لا تقتلكم مرارة الخذلان إن كُسروا لكل هذا العمر .. ولأبنائكم الذين سيبصقون بوجوهكم إن قلتم لهم خذلنا حلب ..  وقبلها داريا .. وقبلها حماة … وقبلها حمص ..وريف الشام الغربي .. والله أعلم ننتظر الغوطة الشرقية على الطريق .. اغضبوا لأجلها … اغضبوا كي يعرف أبناؤكم الذين ثرتم لأجلهم أن حياتنا ليست أغلى من حياتهم وأن هذا العالم الأخرس لا يستحق أكثر من لعنة ..

السوريون يصنعون الثورة في وجه كل هذا العالم .. الأسد ساقط كما العالم في عيوننا ..

#حلب      #حلب تباد

غيمة مبتلة بالكلمة ..

في كل مرة أقسم أن لا أعود إلى هنا بما أحمل .. وفي كل مرة أقسم أن لا أكتب حرفاً بصوت مرتفع … أخرق المهادنة بوقت أقل مما تخيلت .. عندما أمشي في الشارع .. أقف على المجلى .. أشرد مع الموسيقا التي أسمعها .. عندما أحاول كتم اعتراض أو حب داخلي لأن العالم حولي لا يبادل الرأي بأحسنه .. عندما أمسك قلبي وأشدد على وحدته ليلاً … عندما أقنع نفسي بأن كل طرق الراحة تبدأ من الرحيل .. عندما أمارس الصخب الجنوني ولو كذباً مع أصدقائي .. عندما يهمس أحد باسمها صدفة “دمشق” ! .. فأتنهد بحجم اتساعها في روحي … عندما أمرر علمها على كتفي فيحرقني حيزه بعداً وشوقاً .. عندما أفعل كل شيء في عقلي .. ولا شيء في الحقيقة .. عندما يتسرب الوقت مني كماء زلال يسقط في بركته قبل أن يصل إلى فمي …

أكتب لأجلي … لأجل أن يصبح العالم الضيق حولي متسعاً بعض الشيء .. أكتب لأن الصفحات البيضاء تثير شهيتي للحياة أكثر من ممارستها .. أكتب لأن الكلمات في عقلي تتصارع دائماً .. وتربكني … أكتب لأني قد أشعر بالغضب وأصبح مجنونة لمجرد أنها تكاثفت جداً جداً ولم تخرس في عقلي … ولأن الأوراق الكثيرة حولي بدأت تشعرني بالترف .. ولأني قد أخذت القرار بإشعال نار تبتلعها في بداية السنة القادمة ..

أكتب لأن الرحيل كان جزءاً من أول الضياع هذا … وأني أتسكع باسمه دائماً وأنني أبحث عن كل المبررات لنفسي .. ولظروفي .. وأنظر لكأسي المتكسر على  أنه فرغ قبل الكسر ولله الحمد! .. أكتب لأن النفي يُحملنا ذنب استراق النظر إلى البلاد التي نحبها خوفاً .. ويمنحنا مكان أضيق من أن يشبهنا … أكتب لأني تعلمت كيف يكون صوتي منسياً كلما مر وقت أكثف .. ولأن كلماتي تعرف كيف تشبهني .. وحدي .. بكل هذا الجنون .. 

أكتب لا ليقرأوا … بل لأقرأ .. وليبدو الأمر متداعياً في عيني .. ولأبرر كل المزاجية التي أحملها ..

أكتب لأنني أقسمت أن أوقف الحرب في رأسي .. فقط لأنني ابنة موت كثيف لم يعرف الانتهاء حتى اللحظة .. أكتب لأن كل هذا الخراب أتعبني ولأني غير قادرة على الوقوف في مواجهته أكثر …  لأنني لم أكفر بالغياب يوماً .. ولأن الوحدة والعزلة لم يكلفاني أكثر من قلة الكلام واتزانه وبعض التبسم مجاهرة … أكتب لأن الكتب الورقية التي أمتلكها بدأت بالتقلص .. ولأن عقلي يأخذ من كل حرف فرصة ليسمح لرأسي بممارسة دور الصداع جهراً  .. أكتب لأني لم أعرف ممارسة الاستقرار حتى اللحظة .. ولأن “كف العفريت” أصبحت جزءاً مني .. كلما تلفت حولي لافتعال شيء ما اهتزت لتنبيهي لوجودها! … أكتب لأنهم رحلوا .. ولم يخبروني أخر الأمر برغبتهم في البقاء .. أكتب لأنني أمتلك عمراً إضافياً لم تسرقه تلك الشظية ولم تلتقطه فرّاسة القناص ..

أكتب لأنني لم أدرس في مادة اليوم  .. أن هناك أمراضاً أخرى .. قد تودي بعمر الشخص دون أن يشعر وقد تجعله منفصماً فيُحدث نفسه بصوت مرتفع بسببها … أمراض مخفية تجعل المرء يراقب الحياة حوله بنهم وأحداق هادئة لا تكف عن الاتساع أمام كل ومضة استثنائية ليكتب عنها … شخص يحفظ قصص العابرين في مواقف الباصات وفي تقاطع الطرقات كأنها جزء من سيرته الذاتية … شخص مريض بأفكاره التي لا يُحدث بها أحداً لأنه يمّل من ممارسة الفكرة قبل فعلها … شخص يحفظ إيمانه داخله خوفاً من أن يمسه زيف كل الكذب الذي يحيط به … شخص يهرب من القلم والصفحات الفارغة خوفاً من ملئها بكل هذا الزخم الذي لا يعرف الصمت .. شخص لا يعرف الانتباه لتكلفات الأشخاص حوله .. ولا يعرف الاكتفاء بذاته راضياً … شخص مريض بالحرف … المرض الذي يصيب باطن قلبه .. وباطن روحه .. وباطن عمره … ولا يُشفى مريضها إلا بالموت ..

وهذا #جنونيات_بنفسجية كتيرة 🙂 ..