عندما تصبح جثة!

الكلمة وليدة لحظة .. قد كانت روحها مساء البارحة واليوم هي ميتة بين يدي وأنا أريد دفنها هنا وحسب ..

في الحقيقة أحتاج أن أغلق كل الهراء الذي يدور في عقلي .. لكنه مثل الراديو لا يأخذ استراحة لشرب كأس ماء بارد ..  سأعود لأحدثك عن غرابة العيش في مكان ليس لك.. مجدداً وكألف مرة سابقاً .. أسير وحدي هنا .. عقلي مليء بأصواتهم المبتهلة التي تركتها في هاتفي تبكي وتصيغ صرخاتها دموعاً نحو السماء عسى أن يكف الموت عن ذبحهم… يتنازع الصوت فيها بين: ” يا جماعة أحمد عم يتنفس والله عم يتنفس!” .. وبين صوتها الذي لا يريد أن ينقضي بانقضاء كل وقته الذي مر “نحنا ايش ذنبنا!” .. مختتماً ببكاء الممرضة وهي تحتضن صديقتها .. أشعر حينها بجسدي ينتفض تحت موجة بكاء داخلية .. لا تظهر .. يبدو أنني أخفيها كي لا أكسر حدة الهدوء هنا .. كأن صوت الموت يعلو في عقلي وحسب أما الأخرون فلا يسمعونه …  أمشي بينهم بينما يتبادلون أحاديثهم الضاحكة ومشاكلهم العظيمة كجثة غارقة بالدم .. أنزف! .. أحاول أن أبتسم بينهم كي لا يلحظوا دمائي التي تسيل .. فتتيبس الابتسامة في حنجرتي تماماً .. تتصارع مع الدمع أحاول الاختباء في مكان ما بعيد عن عيون الجميع ريثما ينتهي الصراع …

بين عيونهم .. وبين قلبك المتخم بكل هذا الخراب تشعر أن لا فائدة من إكمال هذا الصراع .. لا فائدة من المرور ميتاً بين كل هؤلاء الأحياء.. أي قدر مشؤوم ذاك الذي سيسمح لك بهز فرصهم الكثيفة بالحياة لتمارس ندبك بصوت مرتفع جداً ؟!… سيسكتونك بقولهم: “دخيلك نحنا مو متحملين حالنا” … أه حسناً .. أتصدقون أنني كذلك؟ .. لم أعد أتحمل كم الجثث التي أحملها داخلي .. والدماء العالقة على جسدي .. الصرخات والدمعات في حنجرتي .. كل هذه الأشياء ثقيلة … لكن هناك بعيداً عن هنا يكون الموت خفيفاً جداً .. لا يلبث يسقط عليهم فيحصد أرواحهم ثم يمضي كأن شيئاً لم يكن ..

تدارك نفسك قبل السقوط .. هي أرض ليست لنا .. ولا أهل لنا هنا .. لا صاحب لنا في اغترابنا إلا الموت يشاركنا ذلك الليل الطويل ونخاطبه كل مساء أن يكون ألطف في ليلة الغد … عبثاً!
أنا لا اسم لي .. ولا أولئك الراحلون نحو السماء ..
نحن بتنا عدداً مجهولاً …
ضمن الاثني وعشرين مليوناً على تلك الأرض الطاهرة وفي بقاع غريبة أيضاً حيث نمارس شتاتنا المشؤوم .. نحن أرقام لا توقف دورة الأرض حول نفسها ولا تميلها عن دورانها حول الشمس…
لكنها فقط تفتت قلوبنا .. بينما نزعم قدرتنا على الاستمرار..
نحاول إمساك الحياة من يدها ..
وإنزال الشمس إلى حضننا … ومداعبة الهواء البارد الذي يلفحنا في اغترابنا ..
نعم نحن نحاول ممارسة الحياة … يتعبنا ذلك .. تدمينا الكلمة التي نحاول ابتلاعها لأنها عاجزة وبعيدة جداً ..
لكننا نكتبها بنزفنا الكامل ..
تقتلنا دعواتنا اليتيمة في بلاد الاغتراب ..
نكرر النظر للسماء ألف مرة لنتأكد أنها قريبة بما يكفي .. نرفع أصواتنا .. ابتهالاتنا … دموعنا التي لا تتوقف .. نستبشر خيراً إن تحركت غيمة واحدة ميللي متر صغير نحمد الله ألف مرة .. “يبدو أن صوتنا يتربع فوقها” …
نحن ضعفاء جداً .. ومخذولون جداً .. ومع هذا لا نسكت عن عادة الموت تلك ونحكي عنها بصوت مرتفع ..
أما الموت فكلما ازداد سقوطاً في بلادنا … أخذ أكثر أعضائنا وهناً مستقراً له .. كل ذلك الموت يتكئ علئ قلوبنا مستهزئاً ويسألنا: “هل من مزيد!!!”

#حلب .. #دوما .. #سوريا وحدود النفي بيننا 😦

Advertisements

كلما أزهرَ جرح ..

التدوينة الثالثة بعد الحذف …
مؤخراً  قمت بالتوقف عن نشر ترهاتي هنا .. أو لنقل عدت لخفض إمكانية التحدث بصوت مرتفع .. ففي كل مرة أدخل هذا المكان أخرج بما دخلت .. إما أطلقه حراً في السماء أو أصبّه بنزقه الأول في مكان ما حولي .. لكن اليوم أردت التحدث معك مجدداً .. بذات العفوية التي أطلبها عندما يثقل الوجع قلبي .. ويلعثم الحرف فيّ .. حاولت محادثتك في الأيام الماضية لكني لم أفعل ذلك .. كتبت لك رسالتين إحداهما تعبر عن شوق عظيم جداً .. والأخرى يتسرب منها وجع خفي .. وجع رحيلك غير المفهوم … اليوم اقتطعت من عظام رقبتي سكيناً حدثتك عنها ذات يوم .. وأخبرتك أنها ستسيل دمي بطريقة مخيفة .. سأستشعرها وحدي .. سألمس دمي متى قامت بدورها في شرياني السباتي فقطعته مجازاً .. سيتوقف عن ضخ الدم لرأسي وهذا الأمر سيريحني … ستتعطل ذاكرتي لوقت ما .. لذا أحدثك ..
سيكون من اللطيف جداً أنك لن تصل لهذه الرسالة يوماً .. وسيكون اللطف أكبر عندما أتحدث بصوت مرتفع هنا وأعود بعد سنتين لأحذف هذا الكلام .. ربما لأجل خسارة جديدة .. وربما ليقين جديد سيجعله الوقت بي إيماناً بأن الجميع سيأخذ محطة أخرى بعيدة جداً عن محطة “راما” الباردة ..
حسناً .. أنا هنا أوجه دفة الحديث نحوك … رغم أنك أبعد من أن تنتبه لها .. وأكثر اضطراباً من أن توازن تأرجحك اللحظي في بحر جنوني المتسع … ومع هذا أتحدث .. ربما يخفف الحديث هنا ثقله في روحي .. فأستطيع التنفس وأتوقف عن استدعاء الدمع دائماً ليشاركني هذه الوحدة التي قررتها ولم أزل ضمنها محبة …
أتذكر دمشق؟! … يراودني الحنين لها بشكل قاهر .. الصور التي تمر أمامي تحاول نكأ الجرح الذي ظننته صار ندبة منسية … فيعيد استحضاره كأنه لم يتوقف نزفه يوماً .. كل الأخبار والمجريات التي حاولت الهرب منها مؤخراً لاحقتني .. ولا سبيل لإغلاق باب في وجهها ولا حتى باب روحي الموصدة .. هي احتمال حضور وبقاء أكثر من احتمال ضياع ما ..
الحنين هو علتي الحياتية التي لا تمر سالمة من أمامي … والذاكرة التي تحمل اسمك بخط عريض جداً فتدفعني لإغماض عيني هرباً منه تستحضرك في كل ليلة تحاول أن تكون شتوية في هذا الوقت .. لم أخبرك مسبقاً أن هذي البلاد لا تتحضر للشتاء كبلادنا .. فهنا لا يتعاملون مع أدب الضيافة .. الشتاء يدخل مسرعاً ليمارس سطوته على عظامك .. “فينخرها البرد” كما كانت تقول جدتي ..
البرد .. مثل الحنين .. مثل الذاكرة .. يحفرون خنادقهم في روحك .. وعظامك .. ودمك .. ويستقرون بك كجزء منك .. لتصبح مع الوقت فارغاً وهشاً إلا من حضور طفيف لابتسامة ما وأنت تعود لبلادك في هفوة روح … أو لصوت تحبه بشرود آخر .. أو لذكرى لمسة يد دافئة بعض الشيء لشخص اختار أن يكون بعيداً وحسب ..
لو أن الناس يقدسون البدايات كما يفعلون مع أشيائهم وقوانينهم الغبية عند الرحيل .. لكنا نمتلك بعض السلام .. بعض السلام في أرواحنا … لكنهم ككل شيء متعب حولنا .. جزء من كل هذا التعب … جزء عظيم جداً!
حنين لك … ولي بعد أن ضعت عني ..
حنين لكل غياب لا يعيدك نحوي ..
وحنين يلعن نوفمبر المقيت هذا .. طويلاً … وطويلاً جداً!!

#جنونيات_بنفسجية