بلاد الاغتراب والآخر ..

بعيداً عن دائرتك الضيقة جداً وعالمك المتهالك، متى حاولت التحلي بالشجاعة وأخذ خطوة خارجه، ستُفتح لك أبواب الجحيم ، لا تسلني لماذا!! .. هناك بعيداً عن وطنك “جحيم الآخر” الذي لا يشبهك، الآخر الذي يستطيع الهرب من كل كلماتك ومواجعك كي لا يغير قاعدة الثبات الحياتي التي يعيشها ولو مقدار شعرة، الآخر الذي يمارس حياته ويصم أذنيه عن سماع حكايتك، الحكاية التي تتحدث فيها عن وطنك المُغَيب تحت كم القذائف والبراميل التي لا تريد التوقف ولو لأخذ نَفَس وحسب!

في إحدى الأحاديث مؤخراً مع مجموعة تختص بالغذاء والصحة وما يتعلق بهما، تطرقت لموضوع يتعلق بسوء التغذية الناجمة عن الحصارات التي تفرضها الأنظمة القمعية، وتحول ذلك إلى موت يطال كل القاطنين في المنطقة، إما بمرض مزمن أو يقضون جوعاً فعلاً، لم يرغب بسماعي أحد، الجميع حاول أن يتجاوز الموضوع كأني لم أتحدث، أذاني ذلك الشعور جداً، لأنني هناك فعلاً ولأن الأمر يمس روحي وحقيقة وجودي هنا، لم يحترم أحد منهم ذلك!!

في اغترابك تقابل “الآخر” الذي لا يريد أن يشبهك ولا يريد أن يعايش وجعك ولو مرور الكرام .. دائماً عندما تصبح في المنفى ستضيق الحياة بك لتختصرها بما تسميه كوكبك الخاص جداً، تعايش فيه صراعك ومواجعك، وكل ما حملته معك بارداً أو مصاباً من بلادك، ستعايش كل ما تنبئك به أخبار وطنك وأنت تتابع مترقباً أرواح الذي تحبهم وهم ينتظرون الموت المتربص بهم، فلا أنت تخبرهم بهاجسك عن رحيلهم، ولا هم يحسنون الوداع، كلاكما تمارسان الغياب علة وهرباً وخوفاً .. ثم تخرج من كل ذلك في مواجهة عالمك الغريب، نحو حياتك التي لا يجب أن تتوقف عنها يوماً، كي لا تدهسك!..

في البلاد التي تقطنها، ستتحمل ذنب وجودك في كل لحظة تفكر فيها بالخروج من قوقعتك، ستفرض عليك خط نار يحيط بك، وينال من كل خطة تحاول افتعالها، ستمر باكتئاب حتمي عندما تصبح غريباً، حتى لو أنك قمت بدراسة الأمر مسبقاً، ولو رسمت كل الخطط البديلة والحقيقية، ولو فكرت بشكل جدي بما ستفعل، وتواصلت مع كل معارفك لتبني حياة جديدة مثالية في الغربة، تبدأ فيها من الجانب الذي يلي صفر الموت في وطنك، ستمر باكتئاب مرحلي والكثير من التساؤلات، ستبدأها بضياع في بلاد جديدة لا تعرفها، ولا تعرفك، ولن تتعامل معك يوماً على أنك جزء منها، وستنتهي بنفسك التي ستبقى عالقة في وطنك مع أشيائك المحترقة، ومع الذين أحببتهم فابتلعهم الغياب في العتمة أو احتضنهم تراب الوطن..

ستنتهي من اكتئابك لتحاول ممارسة الحياة ثم يتبين لك أنك في هذي البلاد عنصر غير مرغوب به تماماً، تحاول مواطن الاغتراب أن تبتسم لك وحسب، لكنها بعد وقت ما ستعود لوضعها الطبيعي بالعبوس في وجهك، ستتعسر كل أوراقك، ستكتشف مع الوقت أنك تُستنزف بمصاريفك التي لا تكفي لسد رمق حياتك وربما لأقل من ذلك، ستشعر بأن عمرك يُنهب، تماماً كمالك، وكسعادتك، وكحلمك .. ستجد نفسك أسيراً لكل خطوة حاولت المضي نحوها، فأغلقت المنافي أبوابها في وجهك، لتُميت كل ما حاولت الحفاظ عليه مؤخراً ..

كل المدن التي نمر بها تعاملنا كآخر، وكل الذين نحاط بهم يعاملون قضيتنا من وجهة نظر “آخر” أيضاً وما بينهما ستقطن أنت، مع هواجسك، وموتك، وحلمك الذي لا يتمكن من النجاة من كل هذا الموت،  في المدن التي لا تكف عن إخبارك في كل لحظة أنك لست في مكانك، وأن هذه الحياة أضيق من أن تتسع لك، وأن الوطن الذي لا تكف عن التحدث عنه لا يهمهم، سيرفعون صوت الموسيقا في آذانهم ويتركونك غارقاً وحدك في دموعك، وأنت تندم مودعاً آخر الأحباب من قلبك نحو حتفه الأخير … نحن وحدنا في منافينا .. نحن وحدنا مع كل ضياعاتنا!!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s