ثمانٍ وعشرين حرفاً وثورة ..

لم أكن لأنتهي يوماً من ترتيب الأشياء التي تخصني في عقلي بشكل جيد … دائماً ما أصل لمرحلة الفوضى المبالغ بها والتي تدخلني في جدل عقيم مع والدتي التي تقرر أن إغلاق باب غرفتي هو الحل المريح لها .. حقيقة هي ليست غرفة تماماً .. هي زاوية ضيقة مكتظة بالكثير من الأوراق والكتب والدفاتر المفتوحة ومجموعات الأقلام المكدسة بلا ترتيب .. بعض الشموع واللوحات والصور … ولاب توب غالباً ما يكون صوته مرتفعاً بأغنية يتيمة .. مفتوحاً على شاشة مليئة بالحروف أيضاً .. أخي يقول أنني غارقة حد الموت بالحروف وأن لي أبجدية تفوق الثماني والعشرين حرفاً حتماً لأنها لم تنتهِ بعد لا قراءة ولا كتابة عندي ..
اثنا وعشرين عاماً أميزُ ما فيهم وأكمله كان عمر الثورة .. وما تبقى كان محاولة جادة للحياة وحسب .. محاولتي الأولى في الهرب كانت مبكرة جداً .. ولم تصدقني أمي بأنني فكرت بها كثيراً.. حتى أنها لم تصدق محاولتي الجريئة في عمر تحسبه هي مبكراً جداً عندما كنت على مشارف السادسة عشر واعتبرتهُ خرقاً لحياة الاكتمال الديني والنفسي التي كنا نعيشها … بيدَ أنني حاولت أن أشرح لها حينها أن الأمر بعيد عن كل ما تفكر به .. كان خلاصاً ربما .. خلاص ينعته كل الآخرون بالجبن والكفر والتشوه .. بينما كنت أجد له ألف مبرر أنا الفتاة التي أعايش وحدتي دائماً وأراها مكتظة بحكايا الموت والهرب كالوطن تماماً ..
لم يكن الموت هو قضيتي التي أفكر بها دوماً .. ولكنه الآن جزء من أحاديثي الجادة والمازحة غالباً ولو في محاولة شيطنة غير مقصودة .. حتى أنه عندما تصادفني تعسيرة في أمر ما ألجأ للرد على ذلك بـ : “شو انتحر يعني!” … الأمر تحول مع الوقت للغو اعتدته ويضحكني جداً .. ويضحكني أكثر “بعيد الشر” التي تتردد على لسان من حولي وهم يحاولون التخلص من كلماتي المؤذية التي تضيق عليهم … أتذكر قريبتي عندما كانت تنصحني بالكف عن لعن روح حافظ في بداية الثورة خوفاً عليّ من أن أسهو أمام حاجز ما ونصحاً لي بأن اللعن محرم ولا يجدر بفتاة مثلي أن تقوله على لسانها هكذا … بعد ثانيتين من هذا الحديث وبينما أحاول كتم ضحكتي سقطت قذيفة هاون خلف عمارتنا بالضبط الشيء الذي جعلني ألعن روحه مصدومة ..ثم أنفجر بعد ذلك ضاحكة كأن الموت لم يقترب منا وأن كل الذي حصل كان مزحة .. وقتها همست في أذنها: “روحه اشتاقت تنلعن أنا ما دخلني!” …
أغلب عائلتي كفت عن التواصل معي مؤخراً .. لديهم أسبابهم وقناعاتهم بتغيري وبأن هذا البلد جعلني شخصاً مختلفاً …كثيرون منهم من جعل المسبب الأول هو ثورتي وشيطنتي و “لساني الطويل” على حد قولهم .. فلا أحد منهم يستغني عن حياته في قبو معتم بسبب قريبته التي تلعن روح الأسد بصوت مرتفع وتدافع عن ثورة أجهضها العالم كله وهي لا تزال تصدح بها مطولاً .. لم يتخلصوا من ذلك حتى بعد خروجي من دمشق وتنفسهم الصعداء لحظتها .. لطالما كانت الكتب والأوراق ملاذي اللطيف بين كل هذا .. لم أحزن عندما خرج خالي من منزلنا مقسماً أنه لن يدخله ثانية لأنني ألعن الأسد وأشتمه دائماً وأدافع عن شباب طائش يصرخ في الحارات بلا جدوى ويثير الفوضى في بلدنا الآمن .. تركته يخرج صارخاً ثم اتجهت لمكتبتي لأكتب عن لعنة أخرى يوشمها الأسد على ظهورنا .. لم يحزني عندما أخبرتني قريبتنا بأنها ستحذفني من وسائل التواصل وستحذف رقمي كذلك وتفضل أن لا تعرفني بالمطلق وترجوني إن حدث يوم واعتقلت أن لا أذكر أنني أعرفها كي لا تخسر وظيفتها الحكومية التي فعلت الكثير لتصل لها … وصديقة أخرى كانت تتوعدني كثيراً بأنها ستوصلني لباب الفرع ذات يوم لـ “يقصو لساني” لأنني لا أكف عن التمادي ..
كل تلك الأيام كانت مدونة على ورق يتيم مثلي في ليالي طويلة .. بذاكرتي الفقيرة جداً وروحي الهشة البعيدة تماماً أمام افتعال شيء ما وقتها … وبينما كانت أمسيات المدينة تصدح بـ”سكابا يا دموع العين”  كانت دموعي ترسم خطها المعتاد على وجنتي مودعة أجمل الأشخاص وأكثرهم صدقاً عن الوطن ومحرقة أقربهم لي بوصمة عار سوداء كي لا أعرفهم مجدداً …
الثورة ..والقلم .. والجنون البنفسجي الأحمق ..واندفاعات الموت المتصلب في روحي هي وحدها ما يبقى .. وكل ما دون ذلك سراب ..سراب تؤنسني به موسيقاي وكلماتي الساذجة ..وصمتي!
#جنونيات_بنفسجية
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s