فاصلة الموت ..

الموت ..
سيكون الصديق الذي لن تنجو من ملاحقاته لك.. الصديق الذي يشكل فارقاً في روحك بعد كل زيارة .. والذي تظن دائماً أنك تجاوزته عبثاً ..
الموت الذي يعبث بقلبك .. ويشتت انتباهك .. ويسرق أنفاسك للحظات .. لأيام .. لحياة كاملة ربما ..
لا شيء يتغير عندما يحل .. إلا اتساع الغصة في روحك .. واختناقاتك المتتابعة .. يمر وقت طويل قبل أن تدرك مصابك جيداً .. وتفهم أن أحد أضلع روحك قد سقط أرضاً .. وأن إكرامه يعني رمي التراب فوقه … وفوق قلبك أيضاً …
عند باب الغرفة الموصدة حيث تتكدس أرقام الراحلين بلا اسم .. تتجمع في صفوف متراصة .. حاملين أجسادهم وقلوب أحبائهم في مغادرة جماعية .. هناك لا يعرف بواب الغرفة عنهم شيئاً … لا يسأل عن أسماء رفاق ليلته الجدد .. ولا عن أعمارهم … لا يهمه عدد الباكين الذين سيصادفهم في الغد .. سيتجاوز الأمر لأنه سيتوه بهم كالعادة ..
ابن .. حفيدة .. حبيب .. أم .. أب .. زوجة .. أخ .. عاشقة تداري دموعها وخوفها .. وجدة لا تعرف لم رحل غاليها قبلها!! ..

هل يجب على الموت أن يتلاعب بنا كل مرة فيتجاوز أعمارنا مثلاً؟! ….

ربما!!!
عندما تجهز نفسك للوداع الأخير واقفاً عند باب الغرفة الباردة امتلاءاً بأجسادهم مستعجلة الرحيل … ينبهك اختصاصي الترحيل: “جسد فقيدك بارد جداً .. هذه برودة الموت .. لذا لا تطل العناق” …
ستبتسم له متجاهلاً حمق الحديث .. تتابع طريقك نحو جسدك الحبيب الهادئ الساكن البارد … ستقبل جبهته .. ستشعر بدفئه يغرقك فيه أكثر .. ستضع رأسك متكئاً بكل أوجاعك على صدره المتهالك الذي لا ينبض حتى .. وتغمض عينيك .. فتشعر أن الكون كله ينبض هناك .. ستبكي .. ستدفئ الجسد الحزين بدمعك .. ستطيل العناق .. كيف يعرف دفء العناق الأخير من تجاهله خوفاً من برودة موت لعين؟!
سيشدك الآخرون لتخرج من غرفة الموت .. ستدفعك أجسادهم وصرخاتهم .. ستتمسك ببرودة الجسد الحبيب وتمضي .. ستخبئها في روحك وتعاملها كجزء من يقينك بأن هذا الكون سيضيق حتماً كلما اتسع الموت في حياتك أكثر ..
ستجعلها حرسك الدائم .. مسقط دمعك وحزنك ..
ستتذكرها كلما حارت الدنيا في إيلامك فتسند رأسك على ذلك الوجع المحبب هامساً: “لا شيء أثقل من هذا .. لا فرق بعد الموت عندي .. لا ختام لوجع الدرجة الأخيرة فيه .. لا نهاية له!”.. سيمضي بك بعدها كل شيء ..
ليبقى الموت ..الفاصلة الوحيدة في عمرك التي لا تنقص ولا تتلاشى ولا تتبدل لتصير نقطة ختام!

#جنونيات_بنفسجية

Advertisements

بلاد الاغتراب والآخر ..

بعيداً عن دائرتك الضيقة جداً وعالمك المتهالك، متى حاولت التحلي بالشجاعة وأخذ خطوة خارجه، ستُفتح لك أبواب الجحيم ، لا تسلني لماذا!! .. هناك بعيداً عن وطنك “جحيم الآخر” الذي لا يشبهك، الآخر الذي يستطيع الهرب من كل كلماتك ومواجعك كي لا يغير قاعدة الثبات الحياتي التي يعيشها ولو مقدار شعرة، الآخر الذي يمارس حياته ويصم أذنيه عن سماع حكايتك، الحكاية التي تتحدث فيها عن وطنك المُغَيب تحت كم القذائف والبراميل التي لا تريد التوقف ولو لأخذ نَفَس وحسب!

في إحدى الأحاديث مؤخراً مع مجموعة تختص بالغذاء والصحة وما يتعلق بهما، تطرقت لموضوع يتعلق بسوء التغذية الناجمة عن الحصارات التي تفرضها الأنظمة القمعية، وتحول ذلك إلى موت يطال كل القاطنين في المنطقة، إما بمرض مزمن أو يقضون جوعاً فعلاً، لم يرغب بسماعي أحد، الجميع حاول أن يتجاوز الموضوع كأني لم أتحدث، أذاني ذلك الشعور جداً، لأنني هناك فعلاً ولأن الأمر يمس روحي وحقيقة وجودي هنا، لم يحترم أحد منهم ذلك!!

في اغترابك تقابل “الآخر” الذي لا يريد أن يشبهك ولا يريد أن يعايش وجعك ولو مرور الكرام .. دائماً عندما تصبح في المنفى ستضيق الحياة بك لتختصرها بما تسميه كوكبك الخاص جداً، تعايش فيه صراعك ومواجعك، وكل ما حملته معك بارداً أو مصاباً من بلادك، ستعايش كل ما تنبئك به أخبار وطنك وأنت تتابع مترقباً أرواح الذي تحبهم وهم ينتظرون الموت المتربص بهم، فلا أنت تخبرهم بهاجسك عن رحيلهم، ولا هم يحسنون الوداع، كلاكما تمارسان الغياب علة وهرباً وخوفاً .. ثم تخرج من كل ذلك في مواجهة عالمك الغريب، نحو حياتك التي لا يجب أن تتوقف عنها يوماً، كي لا تدهسك!..

في البلاد التي تقطنها، ستتحمل ذنب وجودك في كل لحظة تفكر فيها بالخروج من قوقعتك، ستفرض عليك خط نار يحيط بك، وينال من كل خطة تحاول افتعالها، ستمر باكتئاب حتمي عندما تصبح غريباً، حتى لو أنك قمت بدراسة الأمر مسبقاً، ولو رسمت كل الخطط البديلة والحقيقية، ولو فكرت بشكل جدي بما ستفعل، وتواصلت مع كل معارفك لتبني حياة جديدة مثالية في الغربة، تبدأ فيها من الجانب الذي يلي صفر الموت في وطنك، ستمر باكتئاب مرحلي والكثير من التساؤلات، ستبدأها بضياع في بلاد جديدة لا تعرفها، ولا تعرفك، ولن تتعامل معك يوماً على أنك جزء منها، وستنتهي بنفسك التي ستبقى عالقة في وطنك مع أشيائك المحترقة، ومع الذين أحببتهم فابتلعهم الغياب في العتمة أو احتضنهم تراب الوطن..

ستنتهي من اكتئابك لتحاول ممارسة الحياة ثم يتبين لك أنك في هذي البلاد عنصر غير مرغوب به تماماً، تحاول مواطن الاغتراب أن تبتسم لك وحسب، لكنها بعد وقت ما ستعود لوضعها الطبيعي بالعبوس في وجهك، ستتعسر كل أوراقك، ستكتشف مع الوقت أنك تُستنزف بمصاريفك التي لا تكفي لسد رمق حياتك وربما لأقل من ذلك، ستشعر بأن عمرك يُنهب، تماماً كمالك، وكسعادتك، وكحلمك .. ستجد نفسك أسيراً لكل خطوة حاولت المضي نحوها، فأغلقت المنافي أبوابها في وجهك، لتُميت كل ما حاولت الحفاظ عليه مؤخراً ..

كل المدن التي نمر بها تعاملنا كآخر، وكل الذين نحاط بهم يعاملون قضيتنا من وجهة نظر “آخر” أيضاً وما بينهما ستقطن أنت، مع هواجسك، وموتك، وحلمك الذي لا يتمكن من النجاة من كل هذا الموت،  في المدن التي لا تكف عن إخبارك في كل لحظة أنك لست في مكانك، وأن هذه الحياة أضيق من أن تتسع لك، وأن الوطن الذي لا تكف عن التحدث عنه لا يهمهم، سيرفعون صوت الموسيقا في آذانهم ويتركونك غارقاً وحدك في دموعك، وأنت تندم مودعاً آخر الأحباب من قلبك نحو حتفه الأخير … نحن وحدنا في منافينا .. نحن وحدنا مع كل ضياعاتنا!!

طيف يبحث عن ظله …

الرسالة السادسة والثمانون بعد المئتين ..
يقال في كلمات القدماء والمجانين أن التصبر والصمت علة … وأن عدم قدرتك على الصراخ ستودي بك إلى حافة الجنون العظيم حتماً ذات يوم .. ويقال أيضا أن آخر الصمت موت في خلايا الجسد توصل الخدر لعضلة القلب حتى تكف عن النبض ..
حسناً يا عزيزي أتوقع أننا شارفنا على النهاية تماماً .. ولا أدري ما الفكرة المرجوة في الاحتفاظ بكل هذا الكم من التفاصيل على دفتري هنا .. وحتى اليوم لم أفهم سبب التزامي بكتابة كل هذه التناقضات بي في مكان واحد .. أكثر من مئتي ورقة .. يساورني شعور دائم بأن اختلاقي للسعادة التي ابتدأتُ بها هذا العام تتناسب طردياً مع حجم الضياع والهرب الذي أمارسه في نهايته .. الهرب من كل شيء .. شخوصه وعوالمه الواقعية والافتراضية .. ضجيج الناس والحب والوجع … من الرغبة التي تلح علي لأكتبك طويلاً كحب استقر بشكل أبدي في روحي ورحل بها .. والتي تمارس حقدها كلما مر طيفك بالبال مودعاً ..

هو لا يمر في الحقيقة أنا أجلبه غصباً .. داخلي كم من التساؤلات لم أستطع تبريرها بعد .. هناك  كذب لم ينقذك ولم يبرر لك كل الذي مر وكل ثقل حظيت به مؤخراً .. هناك قلب وقع مني على عجل بينما حاولت الهرب بأقل الخسائر الممكنة .. فسقط بي وبك وحسب! ..
مارست هذه العادة كفرض ..كما كانت جدتي تلاحق أبناءها ليكملوا واجباتهم وتصر على تسميع ما حفظوه وهي لا تعرف أن تكمل قراءة نص محشو بالكلمات بشكل جيد .. مثل من يؤدي الصلاة كل يوم خمس مرات بذات اللهفة والحب والخشوع … ككل طقوس العبادة .. التي أحاول الإتيان بها تامة لولا طيفك اللعين ذاك … مؤخراً أصبحت أشك أن الشيطان اتخذك خليلاً حتى أرسلك تقطع استرسالي بعمل ما كل يوم ألف مرة .. وأنا أردد ألف استعاذة للخلاص منك دون جدوى .. “اللهم أعوذ بك من طيف يؤذيني وشر يلاحقني” …
هذه الأيام كانت حقبة سحرية في الأعوام الماضية .. كانت بداية تحليقي اللطيف .. أول سلم اتخذته للسماء دون أن أسقط .. ظننت ذلك .. تغير الأمر تماماً الآن .. المشكلة يا عزيزي بإيماننا .. إيماننا الذي اعتدنا أن لا نكذبه بطبع بشري سخيف .. إيماننا بالكلمة .. وإيماننا بصدق من يحلف باسم الله … إيماننا أننا نستحق بعض السعادة على هذه الأرض … ويبدو ذلك أخيراً محض جنون إن حاولت لمسه واقعاً …
عندما حدثتني عن الصدفة وتقديسك لشهر ميلادك الذي يغرقك بحظ لطيف كأن يجمعني بك في يوم من أيامك المفضلة .. أحادثينا الكثيرة .. تقاطع الأفكار والتصرفات كل تلك الأشياء التي مرت حوّلت الشك داخلي نحو الصدفة وأهلها وحقيقتها لفكرة عدمية .. صحيح! لا شيء مطلق في هذه الحياة .. هذا ما كنت أقوله دوماً …لكنك كنت أول من طبقت معه اعتراض الحالة وشواذ القاعدة … وكانت النتيجة سلبية لدرجة مقيتة .. فقط لأنني كلما مر المساء هادئاً انتابتني قشعريرة صوتك عندما همس لأول مرة في أذني: “يا أهلين راما” … ثم أهيم بدقة العود حتى كثافة الكلمات وثقلها فاختتام كل شيء .. ثم أصحو لأهمس لنفسي .. أنني أهذي .. أهذي وحسب …
كل الأشياء ضيقة إن تفاعلنا معها برغبة ..
كل الأشياء لا تختصرها ولا تكفيها كل حروف الأبجدية .. عندما نقرر أن نكتب عنها …
كل مواجعنا تنتهي متى تذكرنا وجعاً آخر ظنناه أشد وطأة في روحنا ..
كل الأشخاص يصبحون سراباً متى مر على فراقهم زمن ما ..
كل الحياة محض صدفة .. ستنتهي يوماً بصدفة ثانية كالموت ..
كل ارتباط الليل بك لعنة … ارتباط الحروف كذلك .. ارتباط فكرة السماء والشام والحزن والحب والثورة بك .. كل ذلك محض لعنة … وأنا أمارس الهرب من كل هذا بلعنة أخرى تشبهك تماماً!! … وهكذا!

#جنونيات_بنفسجية

التغريبة السورية/حرية بريس..

كان عمري عشر سنوات عندما عُرض مسلسل “التغريبة الفلسطينية” لأول مرة، تابعت مشاهد نزوح الفلسطينين خلال الحلقات الثلاثين بعد القصف الذي أحرق الأخضر واليابس هناك وعيشهم بعيداً عن ديارهم منذ خروجهم المجنون الذي جعلهم يهربون كلٌّ في طريقه، وكل نحو مصيره وموته. تفرقت العائلة الواحدة، وفقدَ أغلب الناجين ذويهم إما ضياعاً أو موتاً.
كنت أتوجه بعد تلك الحلقات إلى سريري مرتجفة، لم يفارقني صوت الطائرات والقصف، وصرخات الهاربين من الموت لعدة أيام، كنت أسمع في الأخبار التي يشاهدها أبي دائماً أن إسرائيل تهدد سوريا وأترقب أن تقوم بهجومها علينا متخيلة حالنا أنذاك بالصورة المشابهة لما عرضه المسلسل بالضبط. أنا التي لم أكن يومها قد جربت الفقد، لم أكن أفهم تماماً ما يعني أن تصرخ أم أحمد تلك الصرخة الثقيلة بعد وصول خبر استشهاد ابنها “حسن”. حسن الشاب الذي أحببت جنونه واندفاعه وتمرده، وحتى اليوم أتذكر كلام أخيه “علي” في تلك اللحظة تماماً وهو ينعي روح أخيه الذي اختار مكانه مع البندقية حيث استشهد دفاعاً عن قريتهم الصغيرة، بينما يرقد هو في المخيم يبكي عجزه ووجعه وحيداً. كلما استعدت تلك اللحظة أشعر باختناق الدمع مجدداً، الدمع ذاته الذي بكيته أول مرة منذ اثني عشر سنة وضحك إخوتي على مشاعري التي لم تفهم أن هذا مسلسل فقط وأن “باسل خياط” سيظهر في عمل درامي جديد.

لست بصدد توجيه دفة الحديث نحو انحدار الدراما السورية في السنين الأخيرة لأن الأمر واضح لدرجة مقيتة ومزعجة، لكنني أتحدث عن ذلك الوقت حين كنت أتابع المسلسل بحقيقته وواقعيته، أتابع عيني “أبو صالح” التائه المكسور بعد عودته لممارسة الحياة من دون ثورة وبندقية، تلك التي كانت عزه ووطنه، وعيون “مسعود” وهو يحاول البحث عن متنفس مادي لحياته مع أبنائه بعد تهجيرهم في طريقه الطويل إلى الكويت عبر صحراء ابتلعت جثة صديقه صاحب الصوت الجميل، الذي لم يطرق جدار الخزان، ومات عطشاً.
مرت اثنتا عشرة سنة ولم يفارق أثر تلك اللحظات وحقيقتها قلبي، حتى أنني في الأيام الكثيرة التي قضيتها تحت القصف كنت أفكر بصور من ذلك المسلسل وأستحضرها معي. كان المشهد الأقسى هو ليلة الهرب، شاهدته لاحقاً بعيني عندما خرجنا من منزلنا في الريف في مثل هذا الوقت من سنة 2012 دون أن نأخذ معنا شيئاً، كانت الهدنة التي مُنحت لنا من جيش بلادنا المبجل لا تتجاوز الساعة، وبعدها سيعود الطيران والقصف ليسقط على المدينة عشوائياً بمن فيها. حين خرجنا، تركنا أغراضنا في مكانها ورتبنا المنزل جيداً، كأننا سنعود إليه بعد ساعات. عقلك يخبرك بأن هذه هي اللحظة الأخيرة هنا، في حين يمسك قلبك بجدران منزلك الدافئة ويقنعك أن لا مأوى لك سواه وأنك لا شك عائد. لم نفكر بأن المنزل ذاك سيصبح حلمنا الذي لن نتمكن من الاقتراب منه بعد أيام، وأننا سنسمع عن اقتحامه وتكسيره ثم احتراقه لاحقاً ونحن نواطن الغياب في منافينا البادئة نزوحاً من دمشق حتى أقاصي الأرض الباردة والموحشة. كان خروجنا مرتبكاً مع والدي وبنات عمي فقد كنا العالقين الوحيدين من عائلتنا هناك، حين قال المجند موجهاً الكلام لوالدي: “كل هدول بناتك؟ شو رأيك ما نخليكم تطلعوا؟”، ندمت في تلك اللحظة أنني وافقتهم على الخروج، ولم أخفِ غضبي حينما استدار المجند نحوي وقال: “ليش معصبة؟ ما بدها القصة خلص طلعوا يلا مشان ما تقولوا إنو نحنا متل الارهابيين مو مناح!” كانت السيارات الخارجة حينها قليلة جداً مقارنة بالأيام التالية.
فبعد أيام قليلة أطلق النظام المجرم هدنة ساعية أخرى ليخرج من تبقى من سكان الريف إلى العاصمة أو أي مكان آخر. أغلب قاطني الريف الدمشقي الأصليين لم يكن لهم مأوى سوى منازلهم ومزارعهم، كان الخروج مشياً على الأقدام حصراً، خرج حينها كثيرون بأشيائهم القليلة وأطفالهم في مشهد حشر لم يسمع به أحد ولم يصوره أحد كذلك، يومها كان الجيش هو المسؤول عن تهجيرهم، وكان الموت هو المتربص الوحيد بهم مع القهر العظيم الذي خلفه هذا الوجع في صدورهم، كان الأوتستراد مكتظاً بالهاربين نحو الفراغ، لا دار ولا منزل ولا خيمة حتى. تطوع كثير من الأشخاص في النزول بسياراتهم من دمشق وإحضارهم، قال قريبنا يومها: “يوم حشر والله العظيم الناس طالعة بتيابها ولحافاتها والنسوان والولاد عم يبكوا بس بتسمع صوت دموعهم” لم أفهم صوت الدموع إلا عندما أصبحت أراه عاجزة في مكاني البعيد دون أن أتمكن من تغيير وقع الحدث بشيء، لم أفهم قهره تماماً إلا عندما وقفت على بعد أمتار من منزلي في وجه شاب من الجيش يمنعني من الدخول إلى هناك، ويرفع السلاح في وجه أبي عندما خرج عن الخط المحدد للسيارات التي قررها هو بتجبره وسلاحه رغم أنه في عمر أبنائه بل وأصغر من عمر شيّبِه حتى، كان القهر متجسداً بأن أقف كل ليلة في منزل جدي في دمشق لأراقب الدخان الذي يصعد من منازلنا هناك في الريف، وهي تُقصَف بالطيران المجنون انتقاماً على كلمة “حرية” التي ضج بها الريف الدمشقي منذ أذار 2011 .
في دمشق؛ ما يزيدك وحشة هو صمت مدينتك التي توجعك الحياة فيها بينما تتلصص عيونك نحو الموت الذي يحيط بها من كل جانب، فيؤذيك هرب الجميع من صوته، تمر في الشارع بائساً تحاول أن تلمح في عيون بعض المارين ارتجافاً كالذي شعرت به بعد انتفاض قاسيون بوابل موت على جنوب دمشق أو محيطها، يطول الحال بك حتى تتحامل على كل ما يمت للحياة بصلة حولك وتشتاق لأكثر الأماكن التي مررت بها اكتظاظاً بالموت فقط لأنها حيّة بالفعل ولا تدعي ذلك!..
اليوم يُكرر مشهد النزوح ذاته في الكثير من البلدات السورية، تهجير من أرضنا تحت رعاية أممية، بينما يمارس العالم دور الأخرس نُقتلع من أرضنا إلى أماكن لا نعرفها، بعضها لنا فيها أهل ورائحة وطن، وبعضها غريبة عنا كالموت الذي اعتدناه تماماً. عندما يقص الفلسطينيون علينا حكاية شتاتهم وتغريبتهم التي مر عليها ستون عاماً من الخذلان اليوم، تحرقني عبرة شتاتنا نحن الذين لا نشبههم إلا بالوجع وحِمله، عدا أن سكين من ينتهك الأرض والعرض عندنا هي لابن هذه الأرض أيضاً، وأن من يتجبر علينا ذلاً وطغياناً هو من اختارته سماء الوطنية ليتشرّف علينا.
“من لم يستطع حماية الأرض لن يحمي العرض” هكذا يقول بطل مسلسل التغريبة الفلسطينية، والمفارقة في تغريبتنا نحن السوريون أن لا أرض تُحمى أمام الطائرات، ولا أرض تبقى في معارك غير متكافئة بين أسلحة خفيفة جداً مقارنة بكافة أنواع الأسلحة الثقيلة والقذائف المتنوعة، لا عرض يصان في جحيم اتفق كل العالم على منحه صلاحية البقاء رغم كل شيء، بينما يكرر جحيمنا نفسه مراراً ليزرعنا في بقعة واحدة نندب فيها حظنا التعس وحدنا كحالنا دائماً، لنراقب كل الحيوات التي طالها حزننا وهي تنتظر غفراننا وربما سخطنا!. هي تغريبة أخرى تحت غطاء عالمي بسلاح ابن البلد نفسه وأصدقائه الكثر في سمائنا برفقة أمم الاتحاد الإنسانية على أرضنا، بذات الحبكة واختلاف الشخوص والأراضي رغم مرور الزمن.

نُشر في موقع حرية بريس:

راما الزيات تكتب: التغريبة السورية

ثمانٍ وعشرين حرفاً وثورة ..

لم أكن لأنتهي يوماً من ترتيب الأشياء التي تخصني في عقلي بشكل جيد … دائماً ما أصل لمرحلة الفوضى المبالغ بها والتي تدخلني في جدل عقيم مع والدتي التي تقرر أن إغلاق باب غرفتي هو الحل المريح لها .. حقيقة هي ليست غرفة تماماً .. هي زاوية ضيقة مكتظة بالكثير من الأوراق والكتب والدفاتر المفتوحة ومجموعات الأقلام المكدسة بلا ترتيب .. بعض الشموع واللوحات والصور … ولاب توب غالباً ما يكون صوته مرتفعاً بأغنية يتيمة .. مفتوحاً على شاشة مليئة بالحروف أيضاً .. أخي يقول أنني غارقة حد الموت بالحروف وأن لي أبجدية تفوق الثماني والعشرين حرفاً حتماً لأنها لم تنتهِ بعد لا قراءة ولا كتابة عندي ..
اثنا وعشرين عاماً أميزُ ما فيهم وأكمله كان عمر الثورة .. وما تبقى كان محاولة جادة للحياة وحسب .. محاولتي الأولى في الهرب كانت مبكرة جداً .. ولم تصدقني أمي بأنني فكرت بها كثيراً.. حتى أنها لم تصدق محاولتي الجريئة في عمر تحسبه هي مبكراً جداً عندما كنت على مشارف السادسة عشر واعتبرتهُ خرقاً لحياة الاكتمال الديني والنفسي التي كنا نعيشها … بيدَ أنني حاولت أن أشرح لها حينها أن الأمر بعيد عن كل ما تفكر به .. كان خلاصاً ربما .. خلاص ينعته كل الآخرون بالجبن والكفر والتشوه .. بينما كنت أجد له ألف مبرر أنا الفتاة التي أعايش وحدتي دائماً وأراها مكتظة بحكايا الموت والهرب كالوطن تماماً ..
لم يكن الموت هو قضيتي التي أفكر بها دوماً .. ولكنه الآن جزء من أحاديثي الجادة والمازحة غالباً ولو في محاولة شيطنة غير مقصودة .. حتى أنه عندما تصادفني تعسيرة في أمر ما ألجأ للرد على ذلك بـ : “شو انتحر يعني!” … الأمر تحول مع الوقت للغو اعتدته ويضحكني جداً .. ويضحكني أكثر “بعيد الشر” التي تتردد على لسان من حولي وهم يحاولون التخلص من كلماتي المؤذية التي تضيق عليهم … أتذكر قريبتي عندما كانت تنصحني بالكف عن لعن روح حافظ في بداية الثورة خوفاً عليّ من أن أسهو أمام حاجز ما ونصحاً لي بأن اللعن محرم ولا يجدر بفتاة مثلي أن تقوله على لسانها هكذا … بعد ثانيتين من هذا الحديث وبينما أحاول كتم ضحكتي سقطت قذيفة هاون خلف عمارتنا بالضبط الشيء الذي جعلني ألعن روحه مصدومة ..ثم أنفجر بعد ذلك ضاحكة كأن الموت لم يقترب منا وأن كل الذي حصل كان مزحة .. وقتها همست في أذنها: “روحه اشتاقت تنلعن أنا ما دخلني!” …
أغلب عائلتي كفت عن التواصل معي مؤخراً .. لديهم أسبابهم وقناعاتهم بتغيري وبأن هذا البلد جعلني شخصاً مختلفاً …كثيرون منهم من جعل المسبب الأول هو ثورتي وشيطنتي و “لساني الطويل” على حد قولهم .. فلا أحد منهم يستغني عن حياته في قبو معتم بسبب قريبته التي تلعن روح الأسد بصوت مرتفع وتدافع عن ثورة أجهضها العالم كله وهي لا تزال تصدح بها مطولاً .. لم يتخلصوا من ذلك حتى بعد خروجي من دمشق وتنفسهم الصعداء لحظتها .. لطالما كانت الكتب والأوراق ملاذي اللطيف بين كل هذا .. لم أحزن عندما خرج خالي من منزلنا مقسماً أنه لن يدخله ثانية لأنني ألعن الأسد وأشتمه دائماً وأدافع عن شباب طائش يصرخ في الحارات بلا جدوى ويثير الفوضى في بلدنا الآمن .. تركته يخرج صارخاً ثم اتجهت لمكتبتي لأكتب عن لعنة أخرى يوشمها الأسد على ظهورنا .. لم يحزني عندما أخبرتني قريبتنا بأنها ستحذفني من وسائل التواصل وستحذف رقمي كذلك وتفضل أن لا تعرفني بالمطلق وترجوني إن حدث يوم واعتقلت أن لا أذكر أنني أعرفها كي لا تخسر وظيفتها الحكومية التي فعلت الكثير لتصل لها … وصديقة أخرى كانت تتوعدني كثيراً بأنها ستوصلني لباب الفرع ذات يوم لـ “يقصو لساني” لأنني لا أكف عن التمادي ..
كل تلك الأيام كانت مدونة على ورق يتيم مثلي في ليالي طويلة .. بذاكرتي الفقيرة جداً وروحي الهشة البعيدة تماماً أمام افتعال شيء ما وقتها … وبينما كانت أمسيات المدينة تصدح بـ”سكابا يا دموع العين”  كانت دموعي ترسم خطها المعتاد على وجنتي مودعة أجمل الأشخاص وأكثرهم صدقاً عن الوطن ومحرقة أقربهم لي بوصمة عار سوداء كي لا أعرفهم مجدداً …
الثورة ..والقلم .. والجنون البنفسجي الأحمق ..واندفاعات الموت المتصلب في روحي هي وحدها ما يبقى .. وكل ما دون ذلك سراب ..سراب تؤنسني به موسيقاي وكلماتي الساذجة ..وصمتي!
#جنونيات_بنفسجية