صوتك الذي يمزقني ..

نرتكب حماقة العيش برضا تام بينما نمارس سخطنا نحوه كل صبح .. وكل يوم …نرتكبها بخوفنا من التوجه نحو النهاية .. بإدعائنا أننا أقوياء جداً .. وأننا ضد الخلاص ودونه ..

نرتكب حماقة الابتسامة وكأن الذي ندفنه داخلنا لا يسمى وجعاً .. بل شيئاً عابراً لا مرفأ له على هذه الأرض السعيدة التي لا نرَ منها إلا قبحها .. نمارسه بحجم خيباتنا ومواجعنا  … بحجم كل الارتجافات التي نمارسها وحدنا والدموع التي تغرقنا ليلاً .. والآهات والتنهدات التي يبتلعها صدرنا كي لا يسمعها المارون بنا .. فيبادلوننا لوماً أو وجعاً ..

نعم نحن نهرب منا .. نحونا .. نهرب من كل الخطوط التي توصلنا لنقطة الوجع تلك .. وفي ذات الوقت .. نرسمها .. نرسمها بريشتنا النازفة من دمائنا ..

لم يمر في خاطري يوماً أن أكره الشام .. أو أن أشعر بسخط عابر نحوها إلا حين أتذكر المعتقلين فيها ..وأذكر أنني قاسمتهم ذات المكان أعلاه بينما هم يلوكون الموت الذي لا يتقدم نحوهم بخطوة سلام أخمص قدمي .. دون أن تؤنبني ذاكرتي .. ودون أن تشتعل قدماي من ضرب الـ “كرباج” السافل الذي يفتت أعصابهم وأقدامهم .. دون أن أتحسس وجهي وأمسح دمائهم .. دون أن تتعبني أعصاب يدي مجدداً من محاولة “شبح” ما .. دون أن تؤلمني أذني من كم التدنيس والتحقير الذي يصبه المحقق وأمثاله فيها .. ودون أن أتفقد عيني .. يدي .. قدمي .. وقلبي!

يعاندني صديقي الجميل الديري الذي لم يزر الشام إلا مجبراً وكانت زيارة مقيتة إلى سراديبها المعتمة والعفنة في سردتي عن الكره الذي أمارسه على الشام كلما فاض بي وجع يشابههم .. فيقول لي: “الشام هي الشام”.. ولا مبرر لكرهها أو لعنها أياً يكن السبب.. أما عنادي الذي قد يطول لساعات كثيرة في محاولتي لإخباره أنها مؤذية .. مؤذية عندما سكتت عن مواجعهم وآلامهم وصرخاتهم وآناتهم .. مؤذية بينما كانت تدفعنا لممارسة الحياة والموت يشاركهم قوت يومهم ولحمهم .. فلن يجدي .. لن يجدي مع من يعرف أن الوطن لا باع له بكل هذا الموت .. لا يد له بكل هذا القهر .. لكننا  باسمه نُذبح ونغتصب ونُقتل ونُهان .. ونُنفى في أصقاع بعيدة جداً لا تعرفنا .. ولا نعرفها ..

البلاد التي حاربنا باسمها بأصواتنا الضعيفة الهشة والخائفة .. أصواتنا التي كانت وحيدة بادئ الأمر ..مرتجفة من تمردها على حاكم الأربعين موت ومجزرة في البلاد .. أصواتنا التي حاول أهلنا دائماً أن لا تتجاوزنا وأن يزرعوا فينا “الحيطان الها آذان”  … كانت مرتفعة وهزت مضجعه .. حتى استشاط غضباً وأحرقنا كما أحرق الوطن الذي دفعنا لأجله ولم نزل ندفع كل ما فينا وكل ما نحب!

أنا في الحقيقة لم أختبر شعور أن أتحسس جدران موت من سبقوني .. ولم أعرف أن تخثر الدم على جدار الزنزانة يعني تاريخاً طويلاً .. وأنني عندما أتلمسه سأسمع صرخات مؤلمة ذابحة في أذني .. وأن قلبي لن يكف عن الارتجاف كحاله الآن … أنا لم أجرب كيف يتمكن أحد منهم التنفس جيداً في غرفة لا تتسع لي ولا لصوتي .. ويمارس أحدهم عقوبة التعتيم كما يشاء لا بناء على رغبتي بحب ذلك .. لم أفهم معنى أن تكره في الداخل كل ما أحببته بنفسك .. وكلما تم إيذاؤك فيه لتتحقق سادية سجانك الذي سيطربه صوت ألمك … لم أجرب أن أحفظ الأصوات والوجوه لأختبر ذاكرتي .. آخر ما قد يعول عليه في حرب الموت والتعذيب هناك .. وكل ما يتم حرقك به .. ذاكرتك .. بشخوصها .. ومواقفها .. بأحبائك .. ولحظاتك ..وأحلامك .. بثورتك التي تحاول حمايتها من سياطهم ودناءتهم ..

إلا أنني جربت أن أعيش بين كلماتهم لتؤنسني في عجزي وبعدي وشتاتي .. حتى تجعلني ألعن الحياة طويلاً ..وطويلاً جداً !  .. وأكره تذمري ورغباتي وكلماتي وحروفي .. أكره كل شيء لا يشبه حجم الذي عاشوه .. أكره رفاهيتي في العيش .. أكره قدرتي على الضحك ولو كان صوتي خافتاً .. أكره هذا الوجع الذي يصب في روحي تقصيراً وعجزاً ..

..أكره كل هذه الحياة التي سُمِيَت عليّ كلعنة …

لنقول مجدداً كأن قولنا لم يزل في أوجه #المعتقلون_أولاً  ولنكن نحن آخر الواصلين لدربنا ..

Advertisements

2 thoughts on “صوتك الذي يمزقني ..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s