المدن البائسة وداعاً ونفياً..

صباح المدن الذابلة في عيوننا .. صباح السائلين الهامسين: “وين لمعة الشام بعيونك راما؟!”..
لا أدري .. يبدو أنها سقطت مني سهواً في انتقالنا الأخير ..
لم يكن انتقالاً في الحقيقة .. تستطيع تسميته هجرة .. نزوح .. انسحاب .. ربما بضع موت ..
يبدو أنها وقعت مني بينما كنت أرتب بعض الأوراق التي خرجت سالمة من منزلي .. بينما كنت أبحث عن ذاكرتي .. في ذات الوقت الذي اضطررت فيه للمشي خطوة أكثر اتساعاً نحو منفى معتم للغاية ..
هل تعرف أنني كنت أظنه قاتماً أكثر ؟!
لقد تخيلته أسوداً جداً .. وكئيباً .. ومليئاً بالرمال حتى .. لدرجة أنني كنت أفكر أن حذائي الرمادي الذي اشتريته من الجسر الأبيض قبل اقتلاعي من دمشق لن يتلاءم مع رماله الحارقة ..
لا تضحك أرجوك!.. فأنا فعلاً عندما سمعت صوت عصفور يغرد في الخارج لأول مرة استهجنت الفكرة وسألت قريبتي: “هل هذا عصفور حقيقي أم أن الصوت خرج من هاتفك؟” ..
الجميع ضحك علي حينها لكني لم أكن أكذب .. كنت أظنها كذلك ..
لذلك حاولت أن أحرس الشام وبساتينها وجمالها ودفئها داخلي كثيراً ..كان الأمر صعباً للغاية ويبدو أني فشلت .. في أول ازدحام عند الحدود اللبنانية .. وفي الطائرة الصغيرة التي نقلتني إلى هنا .. يبدو أنني في كل محطة كنت أضيع مني شيئاً .. وما أكثر المحطات والبيوت والأشخاص الذين مررت بهم .. ومروا على قلبي على شكل نار اغتالت بعض ابتساماتي المتبقية التي سرقتها سرقة من دمشق ..
سأطلعك على أمر آخر .. دائما عليك أن تثق بأحاديث قلبك عن المدن .. فهو لا يكذب .. هذا المنفى ممتلئ عن آخره .. عمارات وزراعات وعمل دؤوب وانتقال إلى مكان أفضل لكن جوفه صحراء قاحلة .. مليء بالرماد .. لا يشبهني كما قال لي قلبي ذات سفر ودمع واحتراق .. هذا البلد يعرف كيف يقيدك ويعرف كيف يفتح لك الباب للجنة أيضاً في الوقت نفسه ..
تماماً كما كنت أكره بيروت إلا أن قلبي كان يهمس لي دائماً هي ابنة دمشق وفيها منها الكثير .. ووجدتني فيها مراراً .. في كثير من الصباحات التي تقصدت المشي فيها وحدي .. شعرت بالشام .. شعرت بها كثيراً ..
لكن العلة في بُعدنا دائماً .. وهذا ما لا نستطيع التحكم به أبداً ..
آه صحيح .. كنا نتحدث عن دمشق .. لم أضُعها تماماً .. هي بوصلة قلبي .. لكن قلبي منهك .. منهكٌ على ما يبدو من قسوة الفراغ والضياع .. من كل هذه الأيام الثقيلة التي تتخمه قهراً وشوقاً .. من كل فقد يملأُه إحساساً ووجعاً ويقيده بسلاسل الوقت مطولاً .. قلبي منهك من مرور الوقت ومن ضيق المنفى ومن اتساع جرح الشام باسمنا ومن شتات الثورة وكثافة الموت فيها .. قلبي منهك لأنني وحدي ولأني أحب ذلك .. منهك لأني لا أستطيع لمس السماء ولا الجلوس على غيمتها واستنشاق القمر كـ جاردينيا يتيمة سابحة في فضاء متسع … منهك لأنني أتربع في السماء كنجمة وأسقط كل يوم منها لأرتطم بالأرض .. يوجعني ارتطامي ذاك .. وتوجعني عيني كلما تطلعت للسماء مجدداً وكررت التجربة ..
هل تعلم؟!
المنافي ليست ضيقة .. لكننا نحن ضيقون بها .. محدودون .. مرابطون على أحلامنا المركونة في بلادنا .. نحن من نقف بين حقيقة الوجود أو الموت .. ونختار الموت خارجها .. الخيار سيء جداً لكنه الوحيد الذي نستطيع ضمانه .. نستطيع ضمان موتنا في الحياة قبل أن يبتلعنا سواد المنفى وقسوته ..
نحن نقول عند أول خطوة فيه: “أنا ميت فلتفعل ما تشاء!!”..
#جنونيات_بنفسجية

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s