“وعتم قلبي”..

عزيزي…

يقولون أن الليل يُحرض الذاكرة على البوح .. ويقولون أيضاً أن العتمة كلما اتسعت حولك كلما استطعت تَلَمُسَ فضاء الحزن داخلك أكثر .. الطريق الذي أسير فيه منذ ساعات لم يتغير .. له ذات العلة في الامتداد والفراغ .. الصحراء حولي صامتة .. والسماء تتحايل لتظهر منفصلة ولو بغيمة يتيمة عن سواد هذه الأرض… أما أنا هنا فقد توحدتُ مع ذاك الاتساع وعدتُ لأرتبُ شعوري اتجاهه  ..
لماذا يرتبط هذا الشعور بكمية من الوجع الحقير الذي يفتت قلبي؟!
لم أصدق ابنة عمي عندما أخبرتني أن الله يغار على قلبي .. لأنها لم تجبني عندما سألتها: “لماذا يسمح لي بالتعلق بالآخرين إذن ويجعلني أشعر بلوعة الفقد هكذا؟”
لم أفهم ذلك الأمر لذلك لم أصدقه أبداً .. هو لا يفعل ذلك لهذا الشيء .. هناك حتماً سبب أكبر من كلماتهم وقناعاتهم السطحية .. لذا أصبحت مع كل وجع يمر بي .. أقف في انتظار مبرر يخفف حجمه فيني .. وما وجدته قط!
كان الفقد والموت هما أصل الحكاية .. وبعدها أصبحت أخجل من تكرار حكايتي وموتي المرير ووحدتي .. فمع كل موت جديد .. كنت أسأله ما الحكمة؟! ولا أصل لشيء ..
سمعتني أمي ذات يوم أتحدث إليه بصوت مرتفع .. أخبرتني أن كلمة واحدة ترميني في قعر جهنم وعلي أن أتأدب في الحديث مع الله وأنتبه لكلماتي فلا أكفر ..
من قال لها أنني كنت أكفر؟!
كنت أحدثه وأسأله فقط .. كنت أنتظر الإجابة لا أكثر .. وقتها تعلمت ألا أحدث الله بصوت مرتفع .. وأن الذين يتلصصون على كلماتنا مع الله .. يتلصصون فقط ليفتحوا باباً كبيراً على أرواحنا .. ليعرفوا خطوط الوجع فينا .. ليقوموا بترميمنا كما يظنون فيمسحوا جراحنا على أنهم يعرفونها .. ولكن دون جدوى ..
كنت في كل تجربة أجلس على قارعة حزن جديد … أنتظر حكمة الأشياء .. كنت أراقب أخر السراديب في روحي وهي تغلق أبوابها في وجهي .. بينما يطل منها ضوء خافت جداً .. يريد مني أن أستمر ..
بعدها اعتدت نوره وحده .. وأصبحت أخاف من أي ضوء أكبر منه .. أصبحت أكره الشمس أكثر .. وتؤذيني كل الأنوار المضاءة في حياتنا .. كنت أحب أن تقطع الكهرباء لوقت طويل .. العتمة أكثر فصول الحكاية رأفة بنا .. لها يد تعرف كيف تحتضننا حينما نكون وحدنا .. كانت الدموع في هذا الليل مثلاً لها مكانها في هذا المدى ..
في النهاية لم يأتِ من السرداب ذاك إلا ريح تفتك بي كل مرة وترسل لي أوجاعاً متنوعة ما أنزل بها الحزن من سلطان .. لكنها تعلّم قهراً في قلبي ..
كثيراً ما سألته لماذا قلباً كهذا؟!
لماذا قلباً يحتوي كل أوجاع الآخرين ويشعر بهم؟
لماذا أبكي شعور أم الشهيد وأخت المعتقل وأحترق بذلك؟
لماذا يمسني كل موت كأنه يخصني هكذا؟
لماذا أترقب الأسماء لأحصيها وأبكيها في ذات الوقت؟
لماذا أحتفظ بالأشخاص في روحي وذاكرتي بكافة التفاصيل رغم آذيتهم؟
لماذا أتخلى بسرعة عندما أتمكن من الركض وحدي؟
ولماذا لا يخصني النوم بساعات أطول؟
ولماذا دموعي عصية هكذا!!
مضت كل هذه السنين وكنت في مكاني نفسه .. نفس الوجع .. نفس التخلي .. نفس العجز وهكذا … حتى سلبية الأحداث حولي .. والتي دفعتني للجنون والقيام بأي تهور فقط لأثبت لروحي أن هناك متسعاً لي في هذا العالم وعلي صنع شيء ما … كانت عبارة عن وجع جديد وحسب وعجز آخر أصبه في قلبي ..
كنت أحس بالذنب اتجاه كل المقهورين في هذه الأرض .. إذما ابتسمت ذات يوم مع صديقتي … أو لأن أخي احتضنني بعد عودته من السفر مطولاً .. أو همس الآخر لي في أذني أنه يحبني كثيراً .. أو لأن أختي باتت تشعر بوجودي حقاً موخراً ..
كنت أشعر بدناءتي بينما يعيش العالم الآخر حزنه .. أبتسم لفرحة ضئيلة مرت بي كهذه .. فأضاعف الشعور نحو الأشياء بشراهةِ مفتقدِها .. وأعود لذات الحكاية من جديد ..
الليل هنا كثيف ومليء بالأشياء التي لا مفر منها .. أو لنقل مليء بالكثير من الأمور التي لا أود الهرب منها .. فتثقلني خيبة الراحلين .. وأتوافق مع وحدتي كل مرة أكثر ..
كنت أريد مصارحتك بأنني كفرت بكل شي .. ولم يعد هناك ما يجعلني أتأمل نهاية فاضلة من كل بداية جميلة تأخذ حيزها في حياتي ..
مرة أخبرتك أن خسارتنا لشخص سيء يسيء لقلبنا أهون ألف مرة من قدر يجعلنا نفقد أفضل الأشخاص لقلوبنا .. فالثاني مؤلم لدرجة أن لا شيء في العالم سيربت على هذا الألم .. لا الأمنيات ولا الدعوات ولا الدموع .. وكثيراً ما افتعلها الموت وصنعتها الغربة بي في خيار الفقد الاضطراري .. حيث أنني أعجز حينها عن التخلي والهرب ببقايا ذاكرتي .. هذا المكان يربطني بوجعه الأبدي .. حيث لا خلاص .. لا خواص!

#جنونيات_بنفسجية

Advertisements

2 thoughts on ““وعتم قلبي”..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s