بلا مرفأ سلام ..

كنت قد ابتدعت يوماً لنا حكاية، وفرقتها بين العابرين في طريقي .. حدثتهم عن ظلال الكرمل الذي جلسنا نغني تحته طويلاً، وأصبحت أقصُ عليهم لوعة أن تمضي آخر الليل دوني في طريقك نحو بيتك الذي يحرس السماء أو تحرسه .. لا أدري!
كنت في خضم ذلك الموت أدرس كيف أستطيع العيش تحت ظل الشجيرات اللواتي زرعناها معاً ذات ليل دامس دون أن يعكر صفو ذاك الحب صاروخ عابر مثلاً .. حتى أصبحت تملأ هي المساحات الفارغة في قلبي حنيناً بعد غيابك .. وتظللني أوراقها كحلم لا ينام ..
كانت الحكاية طويلة جداً لكني مع الوقت أسلفت في سردها .. وجعلتها تدور حول أمر ما يشبه نهش الشوق في روحي بهذه العتمة .. ويشبه أن أغلق ستائري عن كل ضوء قد يجلبه لي هذا الشارع .. شارع مواعيدنا الكثيفة وأمطارنا التي سقطت من عيوننا وأخفتها السماء .. كنتُ أمضي كعادتي كلما باغتتني التفاصيل من جديد وارتسمت أمامي تنبئني بخراب جديد ستحدثه في قلبي .. كأنها تقرأ فكر التملص الذي أمارسه .. فتحاول إحياء ذاتها في روحي كي لا تسقط مني سهواً ..

لكن هذا لم يكن يكفي لملئ مساحة الموت الشاسعة بين روحي وروحك والسماء … ولم تك الدعوات أقرب لقلبي منك … أنا اليوم في مدينة غريبة من جديد .. ولم أشعر بالأمان وأنا أنظر للسماء من شباكها … لماذا تختلف السماء عن سمائنا هناك؟! .. لماذا تضيق بنا الحياة رغم أننا دائماً نفتح باباً متسعاً لها؟! … لماذا أطياف الذين نحبهم تغادرنا مبكراً جداً؟ .. عدنا للتساؤلات المقيتة مجدداً! … صحيح كنت أريد أن أخبرك أنني أصبحت في الرقم الثالث والخمسين بعد المئتين ولم أزل أواظب على ذلك الوعد ممسكة بآخر حبال الود بيني وبينك وبين هذا الكوكب المقيت .. يبدو أنني بذلك أؤكد لنفسي أنني لا أخاف الوحدة وأنني اعتدت الخسارات .. لقد أصبحت أبتسم لها مهما أوجعتني … لن أخبرك عن آخرها كانت ثقيلة بما يكفي لتملأ فجوة الابتعاد التي كنت أمارسها عن كل الناس حولي ..

أصبحت أخاف كل ما أشعر به .. وكل ما أتخيله ويصبح واقعاً الأمر متعب للغاية يا عزيزي! .. حتى ليلة رحيلك رأيتها كاملة في منامي ..  لهذا قررت العودة لمكاني اللطيف .. حيث يقبع الموت داخلي يحرس خيباتي ومواجعي برضا تام … فهو لم يخذلني منذ التصق بي ذلك اليوم عندما مر في منزلي مبتسماً لي … ينبئني بعودة ما ولم أكن أعرف حينها أنه سيكبر داخلي لهذا الحد .. على الرغم من انشقاقي عنه وهربي الكثير … لكنه كان الوحيد الذي يصمد معي دون أن يتحول اقترابه مني لسكين تحز كل حلم بي وأمل .. أنت أكثر من يعرف كم تتعبني المسافات وكم تحرق تفاصيل أحبها وكم تبدد كل جمال وبهجة؟! … أما هو فلم يكن يوماً هكذا!…

المدن الغريبة يا عزيزي تمارس لعنة الشتات بقوة أكبر ..ونحن الذين نحاول أن نحتضن غيابنا عن مدننا بالبحث عن موطن جديد .. نسيت إخبارك .. كل المواطن دونه كذبة .. مثلك .. ومثله .. ومثل كل الذي مر وسيمر لاحقاً .. المنافي تقتل فينا كل شيء نحاول إحياءه … تمارس سطوة الغياب والاغتراب والوجع بشكل مضاعف .. حتى أننا نمارس الحزن والوحدة فيها بالخفاء ليلاً .. دون أن يلحظ أحد عمق جراحنا ونحن نضمدها بينما لا يكف الآخرون عن العبور بها ونهشها … هناك صوت داخلي يقول لي أن قذيفة سقطت في بستاننا … وأن الورد الذي زرعته لي ذبل تماماً كما تذبل الأشياء في روحي تباعاً … هناك شهيد جديد أيضاً .. وأنا أقرأ وداعات أصدقائه وأبكي …  اسمع نصيحتي وأغلق بريدك يا عزيزي يبدو أنني لن أكف عن هذه العادة الغبية .. ويبدو أنني سأمضي في هذا الغياب من جديد بقصص أكثر ضيقاً .. ستؤنسني ميادة في أغنيتها طوال هذه الفترة “أنا أحلالي أمشي وحدي بلا رفيق” … هناك دائماً من  يُجرم بحق المسافة ليؤذيك ومتى يفعل ذلك يمضي … لذلك سأمضي بسيئاتي وأحمل من الآخرين ما أحمل .. كن بخير .. أو في الحقيقة لا يهمني الأمر .. أنا متعبة .. وداعاً !

#جنونيات_بنفسجية

Advertisements

2 thoughts on “بلا مرفأ سلام ..

  1. lubabark says:

    البدايات الجديدة محفوفة بالبكاء
    وبمفترق طرق تختاره بنفسك وتمضي
    وحيدا الا من خيبات .. ومطر ءيواسي حنينك كل ليل

    جميلة أنت يا راما .. والوجع لا يليق بك

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s