حالما يمتد الصباح..

الصباح الذي يغتالك في الغربة يشبه أن يُسلط أحدهم ضوءاً على جرحك النازف فيجعله واضحاً مرئياً لكن ليس لأحد سواك، الصباح في الغربة يشبه أن تبادل سقف غرفتك نظرة طويلة وترتجيه أن يخبرك أنك لست هنا ولم تزل هناك كما ترغب دوماً، مثلما تقول صديقتي أن “هون” في قانون العالم أجمع هو حيث تقطن، إلا في كلامنا تعني حيث يقطن قلبك حصراً أي في دمشق.. الصباح في الغربة لا يشاركك به أحد من جيرانك ولا أقاربك الذين يقطنون في جوارك، ويستَلفون من خبزك الساخن رغيفاً يمضغون خيرك فيه بينما تحدثهم على درج البناء متجاهلاً أن قلوب الجائعين في منزلك تراقب الفول والحواضر نهماً، الصباح في الغربة وحيد مثلك، بارد ولا يحمل أي رفاهية إلا أنك تبكي صامتاً بُعدك عن تلك المدينة بضجيج كل الموت فيها، ناقماً على كل أمان تقدمه لك الغربة، أمان كالموت.. ظاهره فيه الحياة وباطنه عذاب ومر..

الصباح في الغربة يشبه يومياتك تماماً، تستيقظ من نومك جافلاً كأن الصاروخ الذي أسقطه النظام في بلدك، استقر في قلبك أنت، والشظية التي شقت رأس ابن الخمس أعوام في حارتكم المدمرة، قد مزقت نومك الهانئ بكوابيس جعلتك تصيحُ كأن الموت حولك، في الغربة كلما استيقظت أمسكت قلبك جيداً أدرته لتتأكد أن كل شرايينك تعمل جيداً، وأن شعور النخز الذي ينهكك دائماً، لم يؤدي إلى تشكل جلطة صغيرة في إحدى الأوردة المتململة،  في الغربة حتى جسدك يكره إنهاكك، ويكره استيقاظك المحموم هذا في كل ليلة، في الغربة لا تُدفئك المدافئ الكهربائية أبداً، وتشتاق دائما لرائحة المازوت في مدفئتكم التي كسّرتها أيادي اقتحامهم ذات يوم، ورائحة الحطب الذي استعضتم به عن غلاء البنزين يوماً، في الغربة لا تشعر بأن البرد يخفف من ارتفاع درجات الحرارة، ولا يعمل المكيف كحاله في بلادك، بل يزيد من ارتجافك أكثر، ويجعل عظامك تصطك على بعضها البعض، هذا الصوت ستسمعه كثيراً، لن تشعر بالراحة خارج ذلك المكان..

في اغترابك كلما ظننت أنك لممت جراحك، وأنك ستعتاد أن تباغت حلمك في مرقده وتوقظه ليعينك على الحياة، تجده يائساً متعباً أكثر منك، وكأن تلك البلاد خصتك بلعنة هجرها، فلا يمنحك الأمان خلاصاً، كما لم تمنحك هي ذات يوم موتاً يقدم نفسه إليك كهدية لصبرك كل تلك الأعوام، في اغترابك يصبح الحلم خطيئة وتصبح كل الخطوات التي تحاول أخذها ربما لتفعل شيئاً لأجل البلاد ولأجلك مرتبكة صغيرة فاشلة، هنا لا يتجاوز حلمك هذا السقف المهترئ فوقك، كل يوم تستيقظ متأملاً إياه هامساً لنفسك إنه هو، سقف منزلي هناك، لقد انتهى الكابوس إذن، وتظن أن تعبك الذي صحوت معه بعد كابوسك المعتاد، كان امتداداً لكابوس الحياة الأصلي الذي تعيشه يومياً، ثم تفهم أنك بعيد جداً، وأن كل الذي حلمت به هو حقيقة مطلقة كاغترابك تماماً، وأن كل ما تسمعه من صرخات وموت وقصف وابتهالات، هي ممارسات عقلك الذي يُحملك وزر كل شيء وكل ما حصل، وزر ابتعادك، وصمتك، وحياتك الغريبة هنا …

في صباح الغربة لن تجد من تقول له: صباح الخير، لأن عيونك لا تحمل الخير في الحقيقة، ولأنك تركت الخير في تلك البلاد وتحمل وجع اغترابك عنها وعن كل موت فيها بلا خير يذكر، هنا لا خير لك، ستمر بين الآمنين مبتسماً لهم، وفي روحك غصة المشردين من أبناء شعبك في أصقاع العالم، ستنظر للآخرين الذي يتناسون أهلهم وأقاربهم في غمرة انشغالهم متحسراً على حضن صغير تطلبه من هذا الكوكب المقيت لخالك الذي تشتاق له بعد اغتراب طويل في سجون الأسد مثلاً، ستراهم يتبادلون الضحكات واللعنات والفرح، بينما تتقاسم أنت مع أصدقائك في الداخل أعداد القذائف والمضادات والرصاصات التي استقرت في روحك، وأسماء الشهداء الذين لم يفتح لهم الحلم باباً أوسع من الموت ..

في الغربة كل صباح ثقيل .. وكل ليل يحرس كوابيس مدنك المنكوبة .. وهكذا!

#جنونيات_بنفسجية

Advertisements

7 thoughts on “حالما يمتد الصباح..

  1. غَرَب سوري says:

    كثيرة هي كل هذه العذابات التي تعيشينها، إذ مازلت في مقتبل الطريق، و أمامنا أشياء كثيرة، تحتاج لأن نبتسم لأجلها.

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s