وأنا أصطنع جُرحاً..

كنت أمارس عادة التذكر كحالي منذ أيام طويلة، أحاول اختبار ذاكرتي التي أصبحت تتعبني فراغاً في الفترة الأخيرة، لا سبب لذلك لكني أرجح بعض الأمور، هناك شخص ما ذات يوم قال لي: “ذاكرتك قوية بدرجة مخيفة” تعقيباً على تذكري لإحدى التفاصيل الصغيرة جداً في محادثة مر عليها وقت طويل، لن أقول أن تعب ذاكرتي مؤخراً عبارة عن “طرقة عين” ليس إلا، لأن هذا التصور يُبنى عليه كل ما حصل معي براحة بال ولعن مطول لمن يتابعونني بعيونهم، وهذا ليس منطقياً.  السبب الآخر يعود إلى مقال قرأته ذات يوم أن الاكتئاب سبب من أسباب فقد الذاكرة، هذا أيضاً لا يُعول عليه تماماً، فقد يكون مقالاً ربحياً مثلاً. أما الأخير فأخي الذي أخبرني ذات يوم أن التفاصيل ستنهكني آخر الأمر، وأغلب الظن أنها فعلت..
حسناً، في هذه الأيام كان تدريب التذكر قائماً على الذاكرة التي شاركتك الوقت آنذاك، هذه الذاكرة كانت متعبة كثيراً، لكنها تعيد التفاصيل في ذهني كأنها لا تخصها، وكأن الذي عاشها أحد ما غيرها وغيري، كانت تحاول فصل الأمر عن شخصك تماماً، مما جعل إعادة التذكر هذه مصحوبة بوجع أبسط في معدتي، وتشنجات أقل في أعصاب يدي، كانت تقول ذاكرتي على سبيل المثال: “أغنية وعيونها لسناء الموسى سمعتِها في ليلة من ليالي ديسمبر وكنتِ تستمتعين بالموسيقا والكلمات، أما من أهداك الأغنية فلم يكن موجوداً بقربك تماماً… أو … عزيزتي في نهاية شارع الصالحية لم يكن الرصيف سيئاً جداً للجلوس بل كانت السماء في صبح الخميس هادئة، لم يكن هناك من يمسك يدك إذ أنك كنت ترتجفين من الوحدة” ..
عزيزي من المسيء للتفاصيل دائماً أن نربطها بأشخاص ونتناسى أن الأشخاص دائماً حالة مؤقتة، تعددت أسباب رحيلهم والرحيل واحد، من المسيء لنا أن نفقد أعز الأشياء على قلوبنا لأن أحدهم صادفنا في حياتنا ونحن نمارسها وشاركنا ذلك، لماذا نربط جمالية اللحظة بمن نشاركه لا بما نشاركه؟، لماذا نُصر على خلق نُدوب في روحنا دائماً بلا وعي؟!.. إنها حماقة!
إليك مثلاً القانون السائد “المدن بناسها” هو بالنسبة لي ضعيف وغير مسند لحقيقة ثابتة، فالأشخاص في المدينة هامش، صحيح أن الجمال بالمدينة يكتمل بهم لكنه ليس كل شيء، المدينة هي ذاكرتك فيها، شارع حفظ تفاصيلك، حارة مررت بها يوماً وابتسم لك بائع الجانرك مقدماً لك واحدة على سبيل الـ “دواقة”، وقفتك عند بائع الذرة المشوية بعد مشي طويل، وقوفك تحت المطر ورقصك الجنوني وركضك دون أن يشاركك أحد، وربما حب جميل عشت تفاصيله الكاملة رغم انتهائه بعد ذلك..
المدينة التي نحبها لا نحبها لأنها مليئة بأشخاص نحبهم وحسب، بل لأنها امتداد عظيم لذاكرتنا، لأطياف أحببناها، ولأغنيات سمعناها بها، لتفاصيل ضيقة وشخصية جداً، وربما تكون وحيدة ..
لذلك يا عزيزي أنا منذ عرفت أن الحياة أقصر من أن أمارسها وأنا أسند رأسي على كتف بشري، منذ عرفت أن الذي سيؤلمني لاحقاً هو الكم والكيف الذي بذلته من نفسي مع الآخرين، منذ عرفت أن لا شيء يجدي عندما تمارس التعب والوجع وحدك والآخرُ يعيش في تمام السعادة والفرح، تيقنت أن لا شيء في الحياة أوسع من عيني عندما أضحك، وأن لمعة الدموع تلك ليست جمالاً كما يقولون، وأن الوجع الذي يعاقبني به جسدي في كل مرة هو ذاته رجاؤه لي عندما أشحت عنه وهو يناشدني “أن لا أفعل، وأن لا أحب” لكن على شكل عتب ما..
أعرف أن ذاكرتي هذه لن تنسَ، وأعرف أن الكثير من الأغنيات والشوارع كانت جزءاً من حكايتنا معاً، وأفهم تماماً توغل الموت في روحي من كل ذلك الخواء الذي خلّفه وجعك بي، لكنه أبداً لن يجعل الحياة معتمة أكثر، ولن يقيّد تفاصيل أحبها في دمشق أو أغنيات اعتدت سماعها، أو حركات وضحكات وكلمات كنت أقولها دائماً، لن يجعل كل هذا الشيء هامشياً ولن يخلق من سواد الذكرى حاجزاً يحرمني لذة التفاصيل التي أحبها..
أنا أقدَرُ من قال وداعاً يا عزيزي عندما استبد به الألم، وأقل المتمسكين بظل من أحبوهم، أنا أكثر القادرين على الحياد بأنفسهم أمام معركة الخسارة هذه، دون أن يعنيهم الأمر تماماً، لكني أعتقد أن من سيحقد عليك دائماً وربما سيلعنك ويدعو عليك هم الأوفياء الذين قد يمرون في حياتي بعدك، الأشخاص النقيون الذين سأعاملهم بجفاء تام، أولئك الذين لا ذنب لهم في كل الحكاية سوى أنهم مروا بي بعد أن تركت داخلي كل هذه البشاعة والسواد والكره .. 🙂

Advertisements

2 thoughts on “وأنا أصطنع جُرحاً..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s