دمشق وظلها في الذاكرة ..

أشفقُ على من سرقته الغربة مبكراً ولم يعرف بلاده كما عرفتها أنا ..
أشفق على من لم يستيقظ يوماً ليعافر التعب في انتظار الميكرو الصباحي .. وعجقة النزق التي تجبر جميع المتأخرين للتململ … بينما يُقدمني أحد الموظفين عنه للركوب لأنني طالبة وحسابي علامات أما هو فيستطيع النفاذ بريشه متأخراً هذا اليوم ..
أشفق على من لم يعرف الصباح في الشام … هادئا .. عسيراً .. ممتلئاً ما بين صوت عبد الباسط عبد الصمد وفيروز تغني “حبيتك بالصيف حبيتك بالشتي” .. وكلاهما على مسافة موقف واحد بين باصي ‘جوبر زملكا عربين’ عند المخفر ..
أشفق فعلاً علي من لم تحتضنه سماءها وحيداً بينما كان يمارس عادة الهرب من محاضراته أو من مسؤولية ما .. ومن لم يلتقط عيون العاشقين في الشارع يحتالون على المارة ليتمكنوا من اللقاء بشكل ووقت أسرع .. من لم يمشي في الحارات التي تغرقها المجنونات والياسمين بتحدٍ بينهما حيث تجلس النساء الجميلات على شرفات منازلهن يشربن القهوة ويطالعن العابرين ليختلقن لهم الحكايا ..
أشفق على من لم يعرف الجمال الذي تبعثه دمشق في الروح .. ولا كم الأمان الذي تغرقك به كل ما احتضنتك .. أشفق على من لم يسمع صوت مظاهرة صادقة مؤمنة هناك .. ولم يبتل وجهه بالعرق والدمع والإيمان حينها … أشفق على من لم يسمع أذان جوامعها الدافئ والحنون .. ومن لا يميز أجراس كنائسها .. من لا يعرف بائع الذرة المشوية .. ولا صوت بائع الغاز المزعج الذي نشتاق له الآن .. ولا سيارة مي بقين التي تمر في كل حارات دمشق .. وضحكات الأطفال وهم يلحقون بها مقلدين صوت الرجل فيها بشقاوة ..
أشفق على من لم يعرف عتمتها الشاردة .. ولم يسمع في حاراتها القديمة ليلاً صوت الزهر على الطاولة وضحكات الرجال .. أشفق على من لم يجرب مرة أن يضيع فيها حتى يصل سالماً لمقصده فقط لأنها تعرفه كما يعرفها! ..
في الحقيقة .. أشفق على من عرفها أكثر .. من مشى فيها طويلاً .. ومن جرب البكاء في حاراتها الضيقة .. ومن رسم أمنياته على أبوابها .. فكل هذا بالنسبة له حمل ثقيل لا خلاص منه .. كل هذا هو وجع يخبئه في روحه حتى لا يمسه نسيان ما .. يحتفظ بكل الصور في ذاكرته كي لا يصحُ ذات غربة على فجوة مؤلمة في روحه تُسمي الشامَ نسيانا …
وهكذا ..
#جنونيات_بنفسجية ..
#دمشق ..

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s