الخالد رغم دمائنا..

لا يمنحنا الشهيد بعض الوقت قبل أن يرحل، حتى أنه لا يلوح لنا بيده، لا يوصينا بأرضه وحلمه، لا يطلب منا أن نعود نحن البعيدون جداً عن أرض المعركة، لا يمسك بيدنا ليخبرنا أن هذا الطريق لنا جميعاً، ولا أنه سينتظرنا في آخره. بعد رحيلهم تبقى رسائلنا الأخيرة في بريد الشهداء كما هي، نُطل عليها كل يوم، نطمئن لو رأوها، ننتظر بفارغ الصبر ردهم، وينتهي الصبر.

عندما تسمع نبأ استشهاد من انتظرت عودته، لن تستطيع كل محاولاتك المجنونة بتكذيب الخبر أن تجدي، صراخك دموعك ابتهالاتك، أسئلتك للسماء، حزنك الذي قد يتسع لكل هذا العالم في تلك اللحظة، لن تغير شيئاً، ارتقى الشهيد عالياً، ونحن هنا نحاول أن نجبر الكسر فينا بدعوة ودمعة، في كل مرة نفارق روحاً جديداً نودع شيئاً ما فينا، وفي كل مرة نظن أننا وصلنا لآخر الوجع في أرواحنا، لكننا عند أي وداع أو كسرة جديدة تجدنا نعود أدراجنا نحو حزن وخيبة وقهر كأننا نمارسها جميعها للمرة الأولى.

“حينما فقدت أخي وحبيبي طراد أصابتني حالة من اليأس كادت أن تقتلني فطراد كان وسيبقى أغلى علي من روحي.. لكني كنت أعلم أيضاً في قرارة نفسي أن الله سيعوضني ولن يتركني وحيدا..
إلى أن عملت مع خالد ذاك الشاب الذي لم يعتذر يوماً ما عن تصوير اقتحام أو قصف رغم معرفته بخطورة ما نواجهه … 
رحل طراد فعوضني الله بخالد والذي هو الآن كنزي وسندي..”

ما كتبه هادي ذلك اليوم جعلنا جميعاً نضع أيدينا على قلبنا، تذكرنا وداع طراد وابتسمنا لأن هناك ما ربت على الوجع داخله قليلاً، وجودك وصوتك وكاميرتك، بعد أيام قليلة تعرضتما لإصابة إثر القصف، وفي الفيديوهات كان هادي يناديك وحدك “خالد أنا انصبت، خالد أنت منيح؟” .. أخمن أنه كان يشعر بمرارة فقدك قبل أن يحدث ذلك. ثم حدث أن تعرضتما سوياً للاغتيال، وكان القاتل يعرفكما جيداً، لكنه أجبن من أن ينظر لعيونكم، كان يخشى أن تبتلعه الثورة الصادقة فيكم. قرأت رسائل أمك الأخيرة، أتابع دهشتها وخوفها، اطمئنانها وأملها الكبير بعودتك، كان يشبه أمل كل أولئك الذين انتظروك لتعود، وكنتُ منهم. هل انتظرت في لقاءك الأخير معها أن تجالسها فقط لترحل مطمئناً بعد ذلك؟ هل انتظرت أن تمسحَ  على رأسك وتحدثك بكل الذي تعانيه في انتظارك وحلمها لتعود؟. أكنت تسمعها جيداً؟!. لقد فعلها عمار قبلك، بعد وداع والدته بيوم قضى شهيداً إثر شظية في الرأس أيضاً وكان إخراجه من الريف الدمشقي صعباً آنذاك.. نفس الحكايات في دربنا، نفس الابتسامة، نفس الإيمان بالثورة، ولكن كل في مكانه، والمجرم واحد، ذاك الدرب الذي أحببتَه دائماً يزداد عتمة ويزداد ضيقاً ويزداد وحشة!

كنت أتساءل اليوم هل تُفطرنا الدموع يا خالد؟. هل يكون الانتحاب سبيلنا الوحيد أمام إيماننا بالأخضر؟. هل سنبقى هكذا والمسافة بيننا نظراتكم المؤنبة وشظايا القذائف؟!. حدثت مجزرة جديدة في القوريّة اليوم، أنت كنت عيننا في تلك الأرض، وتعرف معنى المجزرة، أتذكر صور حلب الأخيرة وأنت تقول موت في كل مكان هذا كل ما في الأمر؟!، الدماء اليوم تغرق دير الزور كما أغرقت البلاد دائماً. ما الذي سيحدث لو وجد الموت مكاناً أوسع من قلوبنا؟. لو استطعنا رتق كل جراحنا ونحن نبتسم معكم دون أن نودعكم!. لماذا صار هذا العالم ضيقاً علينا لتلك الدرجة؟. فتقتلك يد غدر أرادت إخراس صوتك وحسب، لماذا أنت؟!. لماذا نبقى نحن إذن؟!.

بعد إصابتك وعندما كنت أرى صورك ودعوات الأصدقاء، أصابني هاجس، أن وجهك يشبه وجوه الراحلين، لك نفس ضحكتهم، نفس السلام في عينيك، ونفس الحلم. تشبه الوطن الذي فارقنا وقد دعوتَ لنا ذات يوم بأن يصبرنا الله على فراقه، كنت أسكت قلبي دائماً، سيعيش خالد سيعيش لأننا ننتظره ولأن الحلم لم ينتهي، كنت أرفق دعواتي في كل ساعة باسمك، أترحم على شهداءنا في سوريا يومياً، ومع كل دعوة يطل اسمك فأصلي لأجلك، أحصي الجرحى والقصف في كل مكان، وأفتقد صورك الأخيرة، فأدعو لك، اليوم على الإفطار لم تكن هناك دعوة باسمك يا خالد، كانت على هيئة رحمة وغصة وحسب،  طُهر الابتسامة المودعة يكسر الظهر يا صديقي، يكسر الظهر!.

من سيبرد قلوبنا اليوم عليكم ونحن لا نلبث نودعكم فقط؟، وتطاردنا في غربتنا كل الأحلام التي تركناها بين أيديكم، فتزهر في قلوبنا موتاً باسمكم جميعاً، لا أحد ينقذنا منه!.  الموت واسع للغاية، ليحتضننا جميعاً، الأرض وأهلها ينكراننا، والسماء لا تلبث تمنحنا فيزاً نحوها، كم امتلأت بمن نحبهم!!، وكم أمطرت علينا قهراً!!، سلم على الراحلين يا خالد، سلم على من لا أسماء لهم، سلم على من خذلناهم، يا شهيدنا واسمهم جميعاً.

Advertisements

2 thoughts on “الخالد رغم دمائنا..

  1. كلماتك جميلة، و كفيلة بإيصال شعوركِ إلى القارىء، إلا أن هنالك خطأ، ربما لم تنتبهي له، بالنسبة للبلدة التي حصلت بها مجزرة، اسمها: القوريّة، و ليس: القروية.. كل التحيّة، سلمت يداكِ.

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s