رقصة الطائر الأخيرة..

شاب عشريني طموح يبحث عن عمل..

فلاش باك..

الشاب الطموح نفسه في عالمه الخاص مع أحلامه الكثيرة ونجاحاته ..

ومضة..

ضياع في أزقة مدينة غريبة، وحدة، تعب، تحطم!

ومضة أخيرة..

سقوط..

هناك سقط وهو يرقص على آخر الدماء رقصته الأخيرة، تعثر بجثة رمت بها السماء وهي ترتب أسماء الشهداء، كانت جثة قاتل!
أما هو عندما أغرقه الدم جيداً ابتسم ابتسامة ولادته الأولى، عندما أخذته الحياة نحو حلمه، نحو دربه الذي يشبهه، وقبل أن تكسر على ظهره كل ذلك العمر المتخم بالموت الذي مضى..
كانت صرخته الأخيرة ساخطة، لكن هذا العالم لم يستمع لها جيداً، لقد لعن كل حكامه، وكل قتلته، ثم شارك الضحايا مصيرهم ورحل!
كان يعرف عدد اللعنات التي ستصيب اسمه لكنه لم يكترث، فأحداً من أولئك اللاعنين لم يمارس حياته يوماً، ولن يهبط من أعلى برجه ليكون مكانه حتى،  ولم يصلِ له ذات يوم بينما كانت شوارع الغربة تقتلع روحه رويداً رويداً..
الراقص الأخير على أرضنا ليس أول الراكضين نحو الموت أملاً، ولن يكون آخرهم..

الفكرة ليست في السقوط من أعلى شرفة ما، الفكرة هي التوجه نحو الخلاص، الخلاص الذي يحث الشباب السوري اليوم بمجمله بالتفكير به، أو التوجه نحوه حتى، أكثر الشباب الذين أخذهم التفكير لهذا الطريق بينهم وبين القفز من أعلى مكان مسه حلمهم يقع على مسافة خطوة فقط. بعد أن كانت الحياة حلماً ورغبة ودرباً متقاطعاً وشائكاً لكنه ممتلئ بروح الشخص نفسه، تحولت إلى حياة يسعى فيها الشاب بائساً ليأكل ويبحث عن مأوى ما، في أرض أتاها خطأ واستنزفته عن آخره، أو بقي فيها وتكفلت هي بقتله مراراً رغم أنه لم يزل يمشي على قدميه.

الفترة الأخيرة شهدت ارتفاعاً بأرقام الانتحار في فئة الشباب السوري، في الداخل السوري وفي كل دول اللجوء حوله أو البعيدة عنه، حتى لو تعددت التصاريح والأقاويل حول ذلك، لكن كل شيء في الحقيقة يعود لطريق واحد، لفكرة واحدة، هي الخذلان والعجز وفقدان الحيلة، الخسارات المتتابعة، الشتات والوحدة، الشعور بأن هذا العالم المتسع جداً يجثم على صدورنا المتعبة، والأنفاس التي نلتقطها عبثاً.

لن تصل مع شاب سوري في حديثك لنقطة إلا سيتبعها بجملة لاعنة ساخطة كارهة، وإن لم يصرح لك برغبته في الانتحار مباشرة، فحديثه وعينيه كفيلتين بشرح واسع وكامل لك عن آخر الطريق الذي يراه هو، الكل يبحث عن نهاية لكل هذه المرارة والقسوة، من تبقى يحرس الوطن في الداخل وكل الموت المرفق بحلمنا، أو من رمته الأقدار في دول الجوار الشاحبة بؤساً وتعباً وعجزاً، جميعهم مع الثورة المحزونة اليوم التي يتآمر الجميع عليها، والتي نحاول نحن أبناؤها المؤمنون بها الإمساك بكل شيء فيها كي لا تسقط، مع أننا معرضون للسقوط دائماً..
الانتحار ليس القرار الأكثر صعوبة في الحياة، لربما الاستمرار في هذه الحياة في ظل كل الخسارات والموت المتراكم والضياع والوحدة هو القسوة بحد ذاتها.

حسن سقط ليبقى آخرون يتاجرون باسمنا وموتنا ودمنا، وخالد وهادي أوقعتهم عبوة خائنة أرادت إخراس صوتهم، وشهداء كثر وجرحى كذلك تحاكمهم يد الموت بألف حجة ابتدعها العالم ليقتلنا، بين ضياع الحلم ووحدته، وهوة الموت التي تطال أرواح كل الذين نحبهم وأرواحنا، لازلنا هناك نقف كسوريين بحثاً عن فرصة حياة أو عن طريقة لموت ما، ولا يزال الأحياء يتشدقون على أكتافنا باسم الأمل والحلم والحياة، إن لم تقتلنا يدهم وحدها قتلنا حالنا وعذابنا..
سحقاً لكل هذا، طائرنا الأخير سقط .. ونحن نتفتت!

هذا العالم لن يحبنا قط ..

Advertisements

2 thoughts on “رقصة الطائر الأخيرة..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s