كم كنت وحدي..

لطالما كنتُ وحدي..

هل هي لعنة يا سيدي؟!
كنت أحصي المجازر والدموع والوجع دائماً، كنت أعُدُ الشظايا التي تسقط على جسد حبيبي وأضرِبُها ساخطة بحجم المسافة بيننا..
لطالما كنت وحدي ..
كانت الحكايات ونهاياتها تلازمني بوعكة صحية أشعر بنارها في جوفي بينما يفرح الآخرون برؤية وجهي المنهك مبتسماً!
لقد خضت حرباً طويلة، ولدت بثورة، كبرت تحت أصوات القذائف، ورصاصات القناص الطائشة، وقتلتني غربة حمقاء..
وبينما حاول الآخرون دفعي للموت خلاصاً، تلقفتني يد هادئة محاولة أن تمسح عني كل ذاك التعب، ثم تركتني أسقط من جديد في هاوية معتمة، ووحدي!
لطالما كنت وحدي..
أكتب وأبكي، أخترع القصص لأحداث تبعدُ عني مسافة موتٍ لا ينتهي، ومجزرةٍ خطفت كل الذين أحبهم مرة واحدة..
أستمع للآخرين وأحاول أن أربت على أوجاعهم بيدي اليمنى، ويسراي تحمل الملح وتضغط على جراحي النازفة كلها..
كلما تلمست جرحاً عميقاً في روحي، كلما سبقت غصتي دمعي المختبئ، كلما عدتُ لصور الذين أحببتهم فخطفهم موت ما أو ابتلعتهم عتمة، كلما سمعت صوت ضحكتي في ذاكرة هاربة من موت محتم، رأيتُ الغياب يرسم خرائطه على وجهي، ويحملني إلى مدنه الكثيرة ويلقنني حروف الحزن واحداً تلو الآخر لأنسى ما حملته معي من مدينتي الحزينة، يصارحني برحيل وغاية، ويمهد لي الطريق لأمضي بلا عودة عن الجميع..
سألته مرة: هل سيخفف ذلك عني كل هذا التعب؟
هل ستكون السماء أكثر قرباً ورأفة بي بعد ذلك؟!..
لم يجبني!. كان صوته هادراً، وهو يقول لي: أنتظركِ..
وددت لو أقول له أنني مقيتة وأفتح للحزن كل أبوابي وأتحضرُ له، وددت أن أخبره أن لوني المفضل يشاركني طقوس العزاء التي أفتعلها يومياً، وأن موسيقاي المميزة تصبح لعنة مسائية كلما وقفت أتأمل القمر من شباكي الذي يطل على خرابة الحي، تشاركني الدمع المنهمر دون ملامسة وجنتيّ..
بالمناسبة وجنتاي لا تتحملان ثقل الدمع منذ طفولتي كانا يتعبانني باحمرارهما والنار التي تشتعل فيهما، لطالما كرهت البكاء بسبب ذلك، ولطالما كنت وحدي..
وجهي أصبح باهتاً، حتى احتراقه الأخير من أشعة الشمس _غير اللطيفة_ لم يعد ظاهراً، لونه شاحب للغاية أخي يقول ذلك أيضاً، هناك موت خفي تحت عينَي، وعلى وجنتي علامة احتراق دمع لم يسقط بعد!
أمي تخاف علي دائماً، وتتطمئن عليّ بعدد الدقائق، وهمُها لم يفارقها منذ أن بلغت العشرين.. تنصحني دائماً أن أتحدث بما أشعر به، تقول لي أن إخفاء الشعور أمر سيء، لكن المفارقة هي أنني لا أعرف صوغ الكلمات!
والمفارقة الأصعب أنه لطالما كنت وحدي..
أصدقائي الكثيرون جداً، لم تصبهم عبثية المسافة وحسب، بل أصابتهم رصاصتها في عينهم، وفقأت ذكرياتنا وطفولتنا، بعضهم نسي اسمي، وبعضهم يتذكر صوت ضحكتي العالية، على الرغم من أني حاولت أن أشرح لهم مراراً أنني أفتقدها، لكنهم يصرون أن وجهي الذي عرفوه لا يعرف الحزن أبداً..
إذن ما كل هذا الثقل في روحي؟!
صديقتي _رحمها الله_، كانت تضحك كثيراً عندما يقولون لها عني أنني أعرف الضحك ولم أجرب الدموع أبداً، مرة أسرت لي: “راما لما بتحكي عن سوريا عيونك بتصير بحر دموع، بس ما حدا بشوفه ولا هو بيورجي حالو للعالم..”
لطالما كنت وحدي..

متعبة من ترتيب ظلال الذين أحبهم حولي في صحراء لن تجمعني بهم يوماً، ولا تريد منحي بطاقة عبور إليهم، متعبة من شتاتنا، ومن تبعثر أجساد أولئك الذين كنت ممتنة لهم دائماً، ووددت أن أزرع الورد على قبورهم ولم أستطع لأن أجسادهم أصبحت موزعة في كل بقاع العالم، في بحره وجباله، وفي أرضنا اليتيمة التي لم تعرف التنهد من ثقل الموت بعد. متعبة من توزع الأحزان بيننا وبين بلادنا، ومن كرهنا وحقدنا وشوقنا المجنون لها، من مشاعرنا المختلطة اتجاه كل شيء، من سخطنا على كل الذي نفقده ولم نزل، من تعبنا المتهالك أمام الموت، الموت الذي شاركنا كل شيء منذ خمسة أعوام وحتى اللحظة. أخاف في آخر المطاف أن أموت هنا وحدي، ولا يزور قبري أي أحد من الذين أحبهم، فلا تأتي أختي لتروي لي آخر ما حصل معها وتقرأ أمام اسمي الفاتحة، ولا يزورني أبي وأخوتي كل عيد ليضعوا الآس على قبري، ولا تسقي أمي تربة موتي كل جمعة بدمعها المالح وحبها ودعواتها، أخاف ذلك، لا زلت وحدي، وكم أخاف موتاً مشابهاً!

متعبة من محاولاتي البائسة في الحفاظ على كل الأشياء التي أحببتها مرتبة بشكلها الجميل في عقلي، لا أريد أن يهزها واقعنا، فأهرب من كل شيء، أغلق باب غرفتي الذي يصدر صوتاً مزعجاً دائماً، وأغني بصوت مرتفع. مع أنني قلت له ذات ليلة أن صوتي ليس جميلاً، ولكني لم أخبره أني أحب كل الأشياء التي تخصني، لأنني تعلمت في وحدتي كيف أحتضن كل وجع وفرح داخلي، فأهدهد ما تبقى مني بأغنية تشبه يلا تنام، لكنها على شكل “يلا تحمل”..

في الحقيقة.. لطالما كنت وحدي.. هذا كل ما في الأمر …

Advertisements

2 thoughts on “كم كنت وحدي..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s