يا دمشق سلاماً..

دائماً ما كنا نظن أن الحرائق التي حملناها معنا ونحن نشد الرحال بعيداً عنك ستنطفئ بعد عبورنا الحدود لأول مرة، وعند أول عسكري يسمم جواز سفرنا المكنى بك بختمه الأسود وابتسامته الشامتة ربما، لكن تلك الحرائق اتسعت وباتت تبتلعنا من الداخل أكثر وأكثر، بعض نيرانها تتصدر وجوهنا المنهكة، وبعضها الأخر يستمر في حرقنا وإفنائنا. لطالما أخبرتهم أن المرض الكثير هذا الذي يمر بي ليس “عين حاسد” كما يظنون، وليس ناتجاً عن تغير الهواء حولي كما كانت تقول أمي دائماً، هو فقط حاجة لأوكسجينك، الشيء الذي منحني رغم الموت حياة ثانية ذات يوم..

كل الطرق لم تؤدِ لسواكِ، كل الشوارع والحكايات لم تختم إلا بكِ، كل القضايا والمعارك والهتافات لا تحسم إلا باسمك، أنتِ البوصلة ونحن دونك تائهون شاردون لا مرتع لقلوبنا الحزينة إلاكِ!

يُقال أن المدن التي تحتضر عندما يغادرها أبناؤها تصمت حكاياتها مع الوقت، وكل العشاق يختارون  طرقاً جديدة، بادئ الأمر .. يُشبِّهونَ مدنهم الأخيرة بمدينتهم الأم، ولا يلبثوا أن تصبح الذاكرة مثقلة بالمدينة القديمة أمام كمية الجمال والأمان اللذين تمنحهم إياه المدن الجديدة، وهكذا يتخلصون من لعنة مدنهم الحقيقية. كل تلك المدن التي مررت بها حاولت سرقتي منك، وكل تلك المحاولات لم تحظَ إلا بالتفاتة بسيطة، تليها ومضة تشبهك، فسفر إليك، والكثير من الدموع..

أعرف كم تغيرتي، أعرف كم قتل ذلك الموت في روحك، وكم عبث ذلك المجرم في ذاكرتك وأهلك، وكم بدد كل صبح خُلق لأجلك بهالة من السواد، أعرف كم تغيرتي وأعلم أنك لا تشبهين نفسك الآن، ولكني أشتاقك كما كنتِ وكما عرفتك دوماً، وكل لومي لك لا يتعدى أن يكون “عتب محبين” لا أستطيع كبحه أو تجاوزه. تلاحقني بركتك إلى هنا، أذكر أنني بكيت كثيراً عندما فارقتك، وبكيت أكثر عندما خرجت من بيروت لأنني شعرت أن المسافة بيننا تتسع، ولا أحد يلملم تلك الكيلومترات اللعينة ويجمعني بك، ظلالك تحرسني هنا، وأول حب لمس قلبي باركه صبحك الذي أطل معه دون دراية مني، حروفي المثقلة بالموت رغماً عني، وتعلقي المحكوم بسبعة ألاف أمل بك وبعودتي، وكل الأذى الذي يلامسني من ذلك، أمتن له كل صباح فلا شيء يشعرني أنني على قيدك سواه.

أعرف أن هذا اللوم لن يجدي، أنا وأنتِ نعرف تماماً أن هذا البحر العظيم من الموت يبتلعنا جميعاً، وأننا لن نلبث نعتاد ملحه حتى يزيد من مرارته فينا، خمس سنوات يا أمي،  خمس سنوات مر فيها حلمنا الأخضر ولم نلتقطه، خمس سنوات ونحن نكبر لتمضي الأيام فقط، لا لنغيرها، نحن الذين حاربنا رصاصهم الحي في أجسادنا لنصرخ باسمك “حرية” لتبقي ونبقى، كانت طعنات الجلاد في أجسادنا كثيرة جداً، ولم تعافِها ضماداتنا الحالمة، سماؤك وأرضك، قاسيونك الكبير وشوارعك العتيقة، كلها ساندته ذات يوم، لقد أرسل الموت منك إلينا، ليشعرنا أن كل طريق أخضر رسمناه باسمك سيقتلنا..

كل ما في الوجع الذي في خاطري، أن حكايتنا التي بدأناه معك يا عزيزتي حتى هذا اليوم، تُحكى بضمير الغائب وينسب الموت الذي مسنا لمصدر “مجهول” وتسمى المسميات كلها باسم يشبه اسم القاتل، ولكن بكناية خجولة، فيصبح المظلوم أو الضحية في نفس مرتبة الظالم والقاتل. أنت تعلمين تماماً أنها لم تكن حرباً، وأن الدم الذي نزفه حبيبي في إحدى حاراتك ذات يوم، كان دم هاربٍ من سطوة قتلهم، وأنتِ من حماه حينها.  لماذا سمحتي لهم بأن يخلقوا في جوفك عتمة سوداء تدفن داخلها كل أصوات الحرية التي أحببناها يوماً؟. لماذا لم تحرسي حلمنا العظيم فيك وقتلتي باسم أمنك منا الكثير؟ ..

أنتِ لا تشبهين نفسك الأن، لكن في الحقيقة كلنا دونك لا نشبهنا، ليت اسمك يولد الحياة فينا بعودة، نحن هنا يتامى يا أمي، يتامى لا نملك إلا الدمع والحزن ولعن المسافات.

يا دمشقُ بلغ الشوق بنا مبلغه، باركينا حتى نقول باسمك ولأجلك ألف مرة: “يا دمشق سلاماً”.

Advertisements

One thought on “يا دمشق سلاماً..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s