دربُ البنفسج..

كنت حزينة ..
ولأكون صادقة أكثر، لطالما كنت حزينة، وكانت حروفي طفولية عبثية ككل نوباتي المجنونة التي كنت أبدأها بالصراخ بصوت مختنق وأنا ألاحق أخي الذي سرق دفتري المليء بي، ومشى يقرأ به بصوت مرتفع..
لطالما تجرأت، ومشيت وحيدة ولم ينتبه ليدي المتفلتة أحدٌ من الكثيرين الذين كانوا يشاركوننا رحلاتنا ومشاكلنا..
ضعت..
ولم يكن يخيفني الضياع..
كنت أرسم لنفسي قصة كأفلام الكرتون التي كبرت عليها..
سأكبر وحدي ..أكافح .. أحب .. أتعب ..أهرب .. ثم أعود وحيدة أغني في الشوارع كما بدأت حكايتي..
أنا .. كلما نظرت حولي وجدتني أفتقد مني شيئاً في كل زاوية مهملة من عمري الطويل..
ابتلعت مرارة كوني أتعطش للخروج من قوقعة دافئة، كنت أريد مواجهة العالم مبكراً، وتعثرت في أول خطواتي..
لكنني الآن أكثر قسوة، أنا الآن كما يجب أن أكون..
كل وجع مر بي علمني أن أضحك كلما تعثرت، وأن لا ألملم ما سقط مني وأن أمضي..
لكن في آخر الهاويات التي مررت بها وجدتُني في مكان يشبه دمشق،  وجعها الذي جعلني دائماً في مكاني نفسه، كلما حاولت تخطيه أعادني إليه منذ البداية ..
أعجبتني الهاوية الشبيهة بها، المبتدئة باسمك..
جميل أن نختار شكل وجعنا وشخوصه،  لأننا بهذا نحتم علينا لاحقاً عيش مرارة أكثر لطفاً..
كنتَ التقاء الحلم بي .. جماله ..دهشته ..استثنائيته ..
وكنتُ قبلك قد كفرت بحياة قد تمنحني شيئاً جميلاً أردته..
لكن صدفتُك جعلتني أرتب الأشياء مجدداً ..
أحببتك … بجنون طفلة صغيرة وصلت لسن الرشد دون أن تعرف لماذا السماء لا تعانق قاسيون إلا عن طريق غيمة؟!!
ولماذا القمر يرافقها في دمشق فقط؟! ..
ولماذا المطر لا يبلل بنطالها كاملاً مع أنه يغرقُ شعرها كله؟!
لماذا لعبت بالتلج مرتين وكان بخيلاً عليها فيما تبقى؟!
لماذا كانت أقصر من عكاز جدها.. وكانت جدتها تكره ضحكتها العالية ..
كبرت الطفلة وهي تحدق في عينيك لتسألك لماذا هما صغيرتان هكذا رغم أنهما يحملان كوناً كاملاً بينهما؟!
– هل تستطيع التقاط نجم لي من السماء باعتبارك تفوقني طولاً؟
– هل يمكنك حملي لأجلس على تلك الغيمة؟
– تمتلك جناحين مثلي هل جربتهما مسبقاً؟ أم أنك مثلي تُجذبهما كل شهر مرة؟!
لم تكن تتعبك تساؤلاتي الطفولية ..بل كنت ممتناً لي ..
كنت تريدني أن أتحدث دائماً وكنت أريدك أن تغني..
كانت الحكايات اكتمالاً فأنت ناضج بما يكفي لتحدثني عن حربك التي قضيتها في الخنادق والساحات تناور وتحارب وتُعتقل!
وأنا أحيك لأجلك الحلم الجميل وأحدثك عن هتافات الوطن الأخضر ..
أنت تقص لي يُتمَك ووحدة الطريق .. وأنا أحتويك بضمة وأجمع شتاتي بين يديك ..
كنا اكتمالاً .. وكان الموت ثالثنا ..
لا شيء يستطيع النيل مني سواه .. الفقد الذي أصبح رفيقي منذ ضياعي الأول عندما رتبت العودة مع عائلة أخرى وأنا أكرر أسماء اخوتي في قلبي لأتجنب نسيانهم ..ولأبحث عنهم بعد فقد ما ..
رفيقي الذي شاركني قصتنا حتى .. كأنه اعتاد أن يكون جزءاً من كل شيء يخصني ..
أخيراً فقدتك ..
أو لنقل أنت من فعل ذلك، أنت من سحب يده من روحي وأخبرني أن المسافة لعنة …
تقول صديقتي أن المسافة كذبة، فمن يمس القلب لا يحتاج لأن يلمس يداً، وأنا مسست قلبك كما تقول، وكما فعلت أنت بي ..
ولمستُ يدك أيضاً .. شعرت بها دائماً ..
مثلما شعرتُ بالبرد حينما تركتها وحدها ..
الصبح يأتي خجولاً هذه الأيام .. لأنني دون قصد .. أخبرته في غيابك الأول أن “كل الوقت دونك عتم” .. فما عاد يأتيني بنوره اللطيف الذي كان يُهدينا إياه معاً ..
أحببتك .. وكان درب الموت معك بنفسجياً..
#جنونيات_بنفسجية

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s