حب من أول ثورة..

لو أنني أحببتك منذ بدء الثورة، منذ تلك اللحظة التي دفعوك بها لتقفز باسم ذلك الموت الذي يقال عنه تمرد، منذ أول صرخة باسم البقاء والحرية هتفنا بها وكل منا في مكانه، لو أني أمسكت بيدك الملطخة بالدماء عند أول إصابة لك وضممتها لصدري طويلاً وطويلاً جداً، أستجدي منها حياة ما، لو أنني في تلك اللحظة جعلت دمك النازف ينهال على جسدي فيغرقني عسى أن يصبح مني فأصبح منك، لو أني شاركتك ذات هروب من بطشهم، وأنقذنا اسم الله!

ليتني توقفت عن الخوض بتلك القصص والوحدة والجنون وعرفتك وحدك منذ بدء الثورة، فلممت كل طفولتي ورميتها بين يديك، تهدهدها تُجملها وتمنحها عمرين معك، ليتنا مررنا سوياً بحارات دمشق، فتمسك يدي وتروي لي حكاياتك الكثيرة فيها، ستقول لي أنك كنت تحب المرور بباب شرقي كل صباح، وأنك تفضل خبز أفران ابن العميد عن الفرن القريب من منزلك، ستحكي لي عن أمسياتك في قاسيون، سأنظر في عينيك وأقول لك:”بعرفك من نسمة هوا بالشام، هي مو أول مرة بعرفك أنا بعرفك من زمان”، كل تلك الشوارع التي مررنا بها معاً، لربما قبل الولادة العاشقة هذه ولم ينتبه أحدنا للآخر، ربما دق قلبينا في مكانهما دون أن نعرف السبب. حسناً، أنا أحببتك منذ البدء قبل ولادة الثورة، وقبل ولادتي ربما، الحب في الحياة مولود معنا، موجود فينا دائماً، لكننا نصادفه في وقت ما، في قدر ما، تماماً كما أول مصادفة غريبة جمعتنا، في ذلك الشارع العتيق من دمشق، حين أخبرتك عن اسمي، وسألتني: “ما السر الذي فيك حتى تشبهك الشام هكذا؟” وأجبتك بجنوني المعتاد: “أنا بشبهها مو هي بتشبهني، مو لازم البنت تشبه أمها؟”، الغريب أنني عندما كنت أتحدث بهذه الطريقة مع أي أحد يستهزئ بجنوني وطفولتي وعبثيتي، لكن أنت ابتسمت، ابتسمت طويلاً قبل أن تغرقني في عينيك قائلاً: “يا حظ مين عرفكم!”..

ليتني أحببتك قبل هذا الوجع أو في أوله، ليتني استطعت تضميد كل تلك الجراح التي أنهكت جسدك على مر تلك السنين، وليتها هذه الـ دمشق لم تثقل كاهلينا بقسوة الرحيل أو العتمة. أتذكر اعتقالك الأول؟. برد زنزانتك، قهر الذل هناك، الوجع المصبوب في قلبك، الخوف، التعذيب، الظلم، كنت أشعر بك وبها داخلي، كان قلبي بارداً وحزيناً، كنت أصلي لك كل ليلة، ولا أعرف ترتيب حروف اسمك، لكني أثق بألمك الذي يطالني منه الكثير، فأدعو لك. بعد ذلك بشهور قلت لي: “دعواتك كانت تصلني دايماً”، لقد رقصت فرحاً حينها..

ليتني تمكنت من جعل الأمان بين يديك حرساً فلا يثقل الموت كاهلك، ليتك ودعتني في دمشق، أو ليتك دعوتني لأشاركك عصياناً ما في الشمال، ليتني عايشت تفاصيل غيابك مع دمعي، وليتك أخبرتني عند كل وجع بأنك تحبني، هكذا كما تقولها دوماً بلا موعد، ليتك عددت لي الشظايا وسمعتني أبكي حرقة بعدي عنك فتواسيني بشوقك وكلماتك وصوتك الذي لا مفر من أمانه، ليتني ضممتك والرصاصة الأخيرة في جسدك، ليتني رممت كل شظية سكنت جسدك بقبلة، وكل جرح مس قلبك بحب لا ينتهي، ليتني أحببتك قبل أن تبدأ الحرب، قبل أن نكبرَ لهذه الدرجة، قبل أن يلوعنا الغياب، قبل أن يصبح الموت رفيق دربنا فنقاسمه أبسط ما نشعر به ولو كان عشقاً، ربما كنتُ قادرة حينها على الإمساك بقلبك، ربما كنت قادرة على احتضانك دون أن تكون المسافة عبئاً مع ألف سبب آخر، ليتني غنيت لك تلك الليلة: “آه يا أسمر اللون.. حياتي الأسمراني.. حبيبي وعيونه سود برمشة عينه رماني”. ليت الزمن بيننا يصبح منسياً، فنلتقي، لربما تنتهي هذه الحرب .. لربما نكون أفضل!

#جنونيات_بنفسجية

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s