الخالد رغم دمائنا..

لا يمنحنا الشهيد بعض الوقت قبل أن يرحل، حتى أنه لا يلوح لنا بيده، لا يوصينا بأرضه وحلمه، لا يطلب منا أن نعود نحن البعيدون جداً عن أرض المعركة، لا يمسك بيدنا ليخبرنا أن هذا الطريق لنا جميعاً، ولا أنه سينتظرنا في آخره. بعد رحيلهم تبقى رسائلنا الأخيرة في بريد الشهداء كما هي، نُطل عليها كل يوم، نطمئن لو رأوها، ننتظر بفارغ الصبر ردهم، وينتهي الصبر.

عندما تسمع نبأ استشهاد من انتظرت عودته، لن تستطيع كل محاولاتك المجنونة بتكذيب الخبر أن تجدي، صراخك دموعك ابتهالاتك، أسئلتك للسماء، حزنك الذي قد يتسع لكل هذا العالم في تلك اللحظة، لن تغير شيئاً، ارتقى الشهيد عالياً، ونحن هنا نحاول أن نجبر الكسر فينا بدعوة ودمعة، في كل مرة نفارق روحاً جديداً نودع شيئاً ما فينا، وفي كل مرة نظن أننا وصلنا لآخر الوجع في أرواحنا، لكننا عند أي وداع أو كسرة جديدة تجدنا نعود أدراجنا نحو حزن وخيبة وقهر كأننا نمارسها جميعها للمرة الأولى.

“حينما فقدت أخي وحبيبي طراد أصابتني حالة من اليأس كادت أن تقتلني فطراد كان وسيبقى أغلى علي من روحي.. لكني كنت أعلم أيضاً في قرارة نفسي أن الله سيعوضني ولن يتركني وحيدا..
إلى أن عملت مع خالد ذاك الشاب الذي لم يعتذر يوماً ما عن تصوير اقتحام أو قصف رغم معرفته بخطورة ما نواجهه … 
رحل طراد فعوضني الله بخالد والذي هو الآن كنزي وسندي..”

ما كتبه هادي ذلك اليوم جعلنا جميعاً نضع أيدينا على قلبنا، تذكرنا وداع طراد وابتسمنا لأن هناك ما ربت على الوجع داخله قليلاً، وجودك وصوتك وكاميرتك، بعد أيام قليلة تعرضتما لإصابة إثر القصف، وفي الفيديوهات كان هادي يناديك وحدك “خالد أنا انصبت، خالد أنت منيح؟” .. أخمن أنه كان يشعر بمرارة فقدك قبل أن يحدث ذلك. ثم حدث أن تعرضتما سوياً للاغتيال، وكان القاتل يعرفكما جيداً، لكنه أجبن من أن ينظر لعيونكم، كان يخشى أن تبتلعه الثورة الصادقة فيكم. قرأت رسائل أمك الأخيرة، أتابع دهشتها وخوفها، اطمئنانها وأملها الكبير بعودتك، كان يشبه أمل كل أولئك الذين انتظروك لتعود، وكنتُ منهم. هل انتظرت في لقاءك الأخير معها أن تجالسها فقط لترحل مطمئناً بعد ذلك؟ هل انتظرت أن تمسحَ  على رأسك وتحدثك بكل الذي تعانيه في انتظارك وحلمها لتعود؟. أكنت تسمعها جيداً؟!. لقد فعلها عمار قبلك، بعد وداع والدته بيوم قضى شهيداً إثر شظية في الرأس أيضاً وكان إخراجه من الريف الدمشقي صعباً آنذاك.. نفس الحكايات في دربنا، نفس الابتسامة، نفس الإيمان بالثورة، ولكن كل في مكانه، والمجرم واحد، ذاك الدرب الذي أحببتَه دائماً يزداد عتمة ويزداد ضيقاً ويزداد وحشة!

كنت أتساءل اليوم هل تُفطرنا الدموع يا خالد؟. هل يكون الانتحاب سبيلنا الوحيد أمام إيماننا بالأخضر؟. هل سنبقى هكذا والمسافة بيننا نظراتكم المؤنبة وشظايا القذائف؟!. حدثت مجزرة جديدة في القوريّة اليوم، أنت كنت عيننا في تلك الأرض، وتعرف معنى المجزرة، أتذكر صور حلب الأخيرة وأنت تقول موت في كل مكان هذا كل ما في الأمر؟!، الدماء اليوم تغرق دير الزور كما أغرقت البلاد دائماً. ما الذي سيحدث لو وجد الموت مكاناً أوسع من قلوبنا؟. لو استطعنا رتق كل جراحنا ونحن نبتسم معكم دون أن نودعكم!. لماذا صار هذا العالم ضيقاً علينا لتلك الدرجة؟. فتقتلك يد غدر أرادت إخراس صوتك وحسب، لماذا أنت؟!. لماذا نبقى نحن إذن؟!.

بعد إصابتك وعندما كنت أرى صورك ودعوات الأصدقاء، أصابني هاجس، أن وجهك يشبه وجوه الراحلين، لك نفس ضحكتهم، نفس السلام في عينيك، ونفس الحلم. تشبه الوطن الذي فارقنا وقد دعوتَ لنا ذات يوم بأن يصبرنا الله على فراقه، كنت أسكت قلبي دائماً، سيعيش خالد سيعيش لأننا ننتظره ولأن الحلم لم ينتهي، كنت أرفق دعواتي في كل ساعة باسمك، أترحم على شهداءنا في سوريا يومياً، ومع كل دعوة يطل اسمك فأصلي لأجلك، أحصي الجرحى والقصف في كل مكان، وأفتقد صورك الأخيرة، فأدعو لك، اليوم على الإفطار لم تكن هناك دعوة باسمك يا خالد، كانت على هيئة رحمة وغصة وحسب،  طُهر الابتسامة المودعة يكسر الظهر يا صديقي، يكسر الظهر!.

من سيبرد قلوبنا اليوم عليكم ونحن لا نلبث نودعكم فقط؟، وتطاردنا في غربتنا كل الأحلام التي تركناها بين أيديكم، فتزهر في قلوبنا موتاً باسمكم جميعاً، لا أحد ينقذنا منه!.  الموت واسع للغاية، ليحتضننا جميعاً، الأرض وأهلها ينكراننا، والسماء لا تلبث تمنحنا فيزاً نحوها، كم امتلأت بمن نحبهم!!، وكم أمطرت علينا قهراً!!، سلم على الراحلين يا خالد، سلم على من لا أسماء لهم، سلم على من خذلناهم، يا شهيدنا واسمهم جميعاً.

Advertisements

رقصة الطائر الأخيرة..

شاب عشريني طموح يبحث عن عمل..

فلاش باك..

الشاب الطموح نفسه في عالمه الخاص مع أحلامه الكثيرة ونجاحاته ..

ومضة..

ضياع في أزقة مدينة غريبة، وحدة، تعب، تحطم!

ومضة أخيرة..

سقوط..

هناك سقط وهو يرقص على آخر الدماء رقصته الأخيرة، تعثر بجثة رمت بها السماء وهي ترتب أسماء الشهداء، كانت جثة قاتل!
أما هو عندما أغرقه الدم جيداً ابتسم ابتسامة ولادته الأولى، عندما أخذته الحياة نحو حلمه، نحو دربه الذي يشبهه، وقبل أن تكسر على ظهره كل ذلك العمر المتخم بالموت الذي مضى..
كانت صرخته الأخيرة ساخطة، لكن هذا العالم لم يستمع لها جيداً، لقد لعن كل حكامه، وكل قتلته، ثم شارك الضحايا مصيرهم ورحل!
كان يعرف عدد اللعنات التي ستصيب اسمه لكنه لم يكترث، فأحداً من أولئك اللاعنين لم يمارس حياته يوماً، ولن يهبط من أعلى برجه ليكون مكانه حتى،  ولم يصلِ له ذات يوم بينما كانت شوارع الغربة تقتلع روحه رويداً رويداً..
الراقص الأخير على أرضنا ليس أول الراكضين نحو الموت أملاً، ولن يكون آخرهم..

الفكرة ليست في السقوط من أعلى شرفة ما، الفكرة هي التوجه نحو الخلاص، الخلاص الذي يحث الشباب السوري اليوم بمجمله بالتفكير به، أو التوجه نحوه حتى، أكثر الشباب الذين أخذهم التفكير لهذا الطريق بينهم وبين القفز من أعلى مكان مسه حلمهم يقع على مسافة خطوة فقط. بعد أن كانت الحياة حلماً ورغبة ودرباً متقاطعاً وشائكاً لكنه ممتلئ بروح الشخص نفسه، تحولت إلى حياة يسعى فيها الشاب بائساً ليأكل ويبحث عن مأوى ما، في أرض أتاها خطأ واستنزفته عن آخره، أو بقي فيها وتكفلت هي بقتله مراراً رغم أنه لم يزل يمشي على قدميه.

الفترة الأخيرة شهدت ارتفاعاً بأرقام الانتحار في فئة الشباب السوري، في الداخل السوري وفي كل دول اللجوء حوله أو البعيدة عنه، حتى لو تعددت التصاريح والأقاويل حول ذلك، لكن كل شيء في الحقيقة يعود لطريق واحد، لفكرة واحدة، هي الخذلان والعجز وفقدان الحيلة، الخسارات المتتابعة، الشتات والوحدة، الشعور بأن هذا العالم المتسع جداً يجثم على صدورنا المتعبة، والأنفاس التي نلتقطها عبثاً.

لن تصل مع شاب سوري في حديثك لنقطة إلا سيتبعها بجملة لاعنة ساخطة كارهة، وإن لم يصرح لك برغبته في الانتحار مباشرة، فحديثه وعينيه كفيلتين بشرح واسع وكامل لك عن آخر الطريق الذي يراه هو، الكل يبحث عن نهاية لكل هذه المرارة والقسوة، من تبقى يحرس الوطن في الداخل وكل الموت المرفق بحلمنا، أو من رمته الأقدار في دول الجوار الشاحبة بؤساً وتعباً وعجزاً، جميعهم مع الثورة المحزونة اليوم التي يتآمر الجميع عليها، والتي نحاول نحن أبناؤها المؤمنون بها الإمساك بكل شيء فيها كي لا تسقط، مع أننا معرضون للسقوط دائماً..
الانتحار ليس القرار الأكثر صعوبة في الحياة، لربما الاستمرار في هذه الحياة في ظل كل الخسارات والموت المتراكم والضياع والوحدة هو القسوة بحد ذاتها.

حسن سقط ليبقى آخرون يتاجرون باسمنا وموتنا ودمنا، وخالد وهادي أوقعتهم عبوة خائنة أرادت إخراس صوتهم، وشهداء كثر وجرحى كذلك تحاكمهم يد الموت بألف حجة ابتدعها العالم ليقتلنا، بين ضياع الحلم ووحدته، وهوة الموت التي تطال أرواح كل الذين نحبهم وأرواحنا، لازلنا هناك نقف كسوريين بحثاً عن فرصة حياة أو عن طريقة لموت ما، ولا يزال الأحياء يتشدقون على أكتافنا باسم الأمل والحلم والحياة، إن لم تقتلنا يدهم وحدها قتلنا حالنا وعذابنا..
سحقاً لكل هذا، طائرنا الأخير سقط .. ونحن نتفتت!

هذا العالم لن يحبنا قط ..

كم كنت وحدي..

لطالما كنتُ وحدي..

هل هي لعنة يا سيدي؟!
كنت أحصي المجازر والدموع والوجع دائماً، كنت أعُدُ الشظايا التي تسقط على جسد حبيبي وأضرِبُها ساخطة بحجم المسافة بيننا..
لطالما كنت وحدي ..
كانت الحكايات ونهاياتها تلازمني بوعكة صحية أشعر بنارها في جوفي بينما يفرح الآخرون برؤية وجهي المنهك مبتسماً!
لقد خضت حرباً طويلة، ولدت بثورة، كبرت تحت أصوات القذائف، ورصاصات القناص الطائشة، وقتلتني غربة حمقاء..
وبينما حاول الآخرون دفعي للموت خلاصاً، تلقفتني يد هادئة محاولة أن تمسح عني كل ذاك التعب، ثم تركتني أسقط من جديد في هاوية معتمة، ووحدي!
لطالما كنت وحدي..
أكتب وأبكي، أخترع القصص لأحداث تبعدُ عني مسافة موتٍ لا ينتهي، ومجزرةٍ خطفت كل الذين أحبهم مرة واحدة..
أستمع للآخرين وأحاول أن أربت على أوجاعهم بيدي اليمنى، ويسراي تحمل الملح وتضغط على جراحي النازفة كلها..
كلما تلمست جرحاً عميقاً في روحي، كلما سبقت غصتي دمعي المختبئ، كلما عدتُ لصور الذين أحببتهم فخطفهم موت ما أو ابتلعتهم عتمة، كلما سمعت صوت ضحكتي في ذاكرة هاربة من موت محتم، رأيتُ الغياب يرسم خرائطه على وجهي، ويحملني إلى مدنه الكثيرة ويلقنني حروف الحزن واحداً تلو الآخر لأنسى ما حملته معي من مدينتي الحزينة، يصارحني برحيل وغاية، ويمهد لي الطريق لأمضي بلا عودة عن الجميع..
سألته مرة: هل سيخفف ذلك عني كل هذا التعب؟
هل ستكون السماء أكثر قرباً ورأفة بي بعد ذلك؟!..
لم يجبني!. كان صوته هادراً، وهو يقول لي: أنتظركِ..
وددت لو أقول له أنني مقيتة وأفتح للحزن كل أبوابي وأتحضرُ له، وددت أن أخبره أن لوني المفضل يشاركني طقوس العزاء التي أفتعلها يومياً، وأن موسيقاي المميزة تصبح لعنة مسائية كلما وقفت أتأمل القمر من شباكي الذي يطل على خرابة الحي، تشاركني الدمع المنهمر دون ملامسة وجنتيّ..
بالمناسبة وجنتاي لا تتحملان ثقل الدمع منذ طفولتي كانا يتعبانني باحمرارهما والنار التي تشتعل فيهما، لطالما كرهت البكاء بسبب ذلك، ولطالما كنت وحدي..
وجهي أصبح باهتاً، حتى احتراقه الأخير من أشعة الشمس _غير اللطيفة_ لم يعد ظاهراً، لونه شاحب للغاية أخي يقول ذلك أيضاً، هناك موت خفي تحت عينَي، وعلى وجنتي علامة احتراق دمع لم يسقط بعد!
أمي تخاف علي دائماً، وتتطمئن عليّ بعدد الدقائق، وهمُها لم يفارقها منذ أن بلغت العشرين.. تنصحني دائماً أن أتحدث بما أشعر به، تقول لي أن إخفاء الشعور أمر سيء، لكن المفارقة هي أنني لا أعرف صوغ الكلمات!
والمفارقة الأصعب أنه لطالما كنت وحدي..
أصدقائي الكثيرون جداً، لم تصبهم عبثية المسافة وحسب، بل أصابتهم رصاصتها في عينهم، وفقأت ذكرياتنا وطفولتنا، بعضهم نسي اسمي، وبعضهم يتذكر صوت ضحكتي العالية، على الرغم من أني حاولت أن أشرح لهم مراراً أنني أفتقدها، لكنهم يصرون أن وجهي الذي عرفوه لا يعرف الحزن أبداً..
إذن ما كل هذا الثقل في روحي؟!
صديقتي _رحمها الله_، كانت تضحك كثيراً عندما يقولون لها عني أنني أعرف الضحك ولم أجرب الدموع أبداً، مرة أسرت لي: “راما لما بتحكي عن سوريا عيونك بتصير بحر دموع، بس ما حدا بشوفه ولا هو بيورجي حالو للعالم..”
لطالما كنت وحدي..

متعبة من ترتيب ظلال الذين أحبهم حولي في صحراء لن تجمعني بهم يوماً، ولا تريد منحي بطاقة عبور إليهم، متعبة من شتاتنا، ومن تبعثر أجساد أولئك الذين كنت ممتنة لهم دائماً، ووددت أن أزرع الورد على قبورهم ولم أستطع لأن أجسادهم أصبحت موزعة في كل بقاع العالم، في بحره وجباله، وفي أرضنا اليتيمة التي لم تعرف التنهد من ثقل الموت بعد. متعبة من توزع الأحزان بيننا وبين بلادنا، ومن كرهنا وحقدنا وشوقنا المجنون لها، من مشاعرنا المختلطة اتجاه كل شيء، من سخطنا على كل الذي نفقده ولم نزل، من تعبنا المتهالك أمام الموت، الموت الذي شاركنا كل شيء منذ خمسة أعوام وحتى اللحظة. أخاف في آخر المطاف أن أموت هنا وحدي، ولا يزور قبري أي أحد من الذين أحبهم، فلا تأتي أختي لتروي لي آخر ما حصل معها وتقرأ أمام اسمي الفاتحة، ولا يزورني أبي وأخوتي كل عيد ليضعوا الآس على قبري، ولا تسقي أمي تربة موتي كل جمعة بدمعها المالح وحبها ودعواتها، أخاف ذلك، لا زلت وحدي، وكم أخاف موتاً مشابهاً!

متعبة من محاولاتي البائسة في الحفاظ على كل الأشياء التي أحببتها مرتبة بشكلها الجميل في عقلي، لا أريد أن يهزها واقعنا، فأهرب من كل شيء، أغلق باب غرفتي الذي يصدر صوتاً مزعجاً دائماً، وأغني بصوت مرتفع. مع أنني قلت له ذات ليلة أن صوتي ليس جميلاً، ولكني لم أخبره أني أحب كل الأشياء التي تخصني، لأنني تعلمت في وحدتي كيف أحتضن كل وجع وفرح داخلي، فأهدهد ما تبقى مني بأغنية تشبه يلا تنام، لكنها على شكل “يلا تحمل”..

في الحقيقة.. لطالما كنت وحدي.. هذا كل ما في الأمر …

يا دمشق سلاماً..

دائماً ما كنا نظن أن الحرائق التي حملناها معنا ونحن نشد الرحال بعيداً عنك ستنطفئ بعد عبورنا الحدود لأول مرة، وعند أول عسكري يسمم جواز سفرنا المكنى بك بختمه الأسود وابتسامته الشامتة ربما، لكن تلك الحرائق اتسعت وباتت تبتلعنا من الداخل أكثر وأكثر، بعض نيرانها تتصدر وجوهنا المنهكة، وبعضها الأخر يستمر في حرقنا وإفنائنا. لطالما أخبرتهم أن المرض الكثير هذا الذي يمر بي ليس “عين حاسد” كما يظنون، وليس ناتجاً عن تغير الهواء حولي كما كانت تقول أمي دائماً، هو فقط حاجة لأوكسجينك، الشيء الذي منحني رغم الموت حياة ثانية ذات يوم..

كل الطرق لم تؤدِ لسواكِ، كل الشوارع والحكايات لم تختم إلا بكِ، كل القضايا والمعارك والهتافات لا تحسم إلا باسمك، أنتِ البوصلة ونحن دونك تائهون شاردون لا مرتع لقلوبنا الحزينة إلاكِ!

يُقال أن المدن التي تحتضر عندما يغادرها أبناؤها تصمت حكاياتها مع الوقت، وكل العشاق يختارون  طرقاً جديدة، بادئ الأمر .. يُشبِّهونَ مدنهم الأخيرة بمدينتهم الأم، ولا يلبثوا أن تصبح الذاكرة مثقلة بالمدينة القديمة أمام كمية الجمال والأمان اللذين تمنحهم إياه المدن الجديدة، وهكذا يتخلصون من لعنة مدنهم الحقيقية. كل تلك المدن التي مررت بها حاولت سرقتي منك، وكل تلك المحاولات لم تحظَ إلا بالتفاتة بسيطة، تليها ومضة تشبهك، فسفر إليك، والكثير من الدموع..

أعرف كم تغيرتي، أعرف كم قتل ذلك الموت في روحك، وكم عبث ذلك المجرم في ذاكرتك وأهلك، وكم بدد كل صبح خُلق لأجلك بهالة من السواد، أعرف كم تغيرتي وأعلم أنك لا تشبهين نفسك الآن، ولكني أشتاقك كما كنتِ وكما عرفتك دوماً، وكل لومي لك لا يتعدى أن يكون “عتب محبين” لا أستطيع كبحه أو تجاوزه. تلاحقني بركتك إلى هنا، أذكر أنني بكيت كثيراً عندما فارقتك، وبكيت أكثر عندما خرجت من بيروت لأنني شعرت أن المسافة بيننا تتسع، ولا أحد يلملم تلك الكيلومترات اللعينة ويجمعني بك، ظلالك تحرسني هنا، وأول حب لمس قلبي باركه صبحك الذي أطل معه دون دراية مني، حروفي المثقلة بالموت رغماً عني، وتعلقي المحكوم بسبعة ألاف أمل بك وبعودتي، وكل الأذى الذي يلامسني من ذلك، أمتن له كل صباح فلا شيء يشعرني أنني على قيدك سواه.

أعرف أن هذا اللوم لن يجدي، أنا وأنتِ نعرف تماماً أن هذا البحر العظيم من الموت يبتلعنا جميعاً، وأننا لن نلبث نعتاد ملحه حتى يزيد من مرارته فينا، خمس سنوات يا أمي،  خمس سنوات مر فيها حلمنا الأخضر ولم نلتقطه، خمس سنوات ونحن نكبر لتمضي الأيام فقط، لا لنغيرها، نحن الذين حاربنا رصاصهم الحي في أجسادنا لنصرخ باسمك “حرية” لتبقي ونبقى، كانت طعنات الجلاد في أجسادنا كثيرة جداً، ولم تعافِها ضماداتنا الحالمة، سماؤك وأرضك، قاسيونك الكبير وشوارعك العتيقة، كلها ساندته ذات يوم، لقد أرسل الموت منك إلينا، ليشعرنا أن كل طريق أخضر رسمناه باسمك سيقتلنا..

كل ما في الوجع الذي في خاطري، أن حكايتنا التي بدأناه معك يا عزيزتي حتى هذا اليوم، تُحكى بضمير الغائب وينسب الموت الذي مسنا لمصدر “مجهول” وتسمى المسميات كلها باسم يشبه اسم القاتل، ولكن بكناية خجولة، فيصبح المظلوم أو الضحية في نفس مرتبة الظالم والقاتل. أنت تعلمين تماماً أنها لم تكن حرباً، وأن الدم الذي نزفه حبيبي في إحدى حاراتك ذات يوم، كان دم هاربٍ من سطوة قتلهم، وأنتِ من حماه حينها.  لماذا سمحتي لهم بأن يخلقوا في جوفك عتمة سوداء تدفن داخلها كل أصوات الحرية التي أحببناها يوماً؟. لماذا لم تحرسي حلمنا العظيم فيك وقتلتي باسم أمنك منا الكثير؟ ..

أنتِ لا تشبهين نفسك الأن، لكن في الحقيقة كلنا دونك لا نشبهنا، ليت اسمك يولد الحياة فينا بعودة، نحن هنا يتامى يا أمي، يتامى لا نملك إلا الدمع والحزن ولعن المسافات.

يا دمشقُ بلغ الشوق بنا مبلغه، باركينا حتى نقول باسمك ولأجلك ألف مرة: “يا دمشق سلاماً”.

دربُ البنفسج..

كنت حزينة ..
ولأكون صادقة أكثر، لطالما كنت حزينة، وكانت حروفي طفولية عبثية ككل نوباتي المجنونة التي كنت أبدأها بالصراخ بصوت مختنق وأنا ألاحق أخي الذي سرق دفتري المليء بي، ومشى يقرأ به بصوت مرتفع..
لطالما تجرأت، ومشيت وحيدة ولم ينتبه ليدي المتفلتة أحدٌ من الكثيرين الذين كانوا يشاركوننا رحلاتنا ومشاكلنا..
ضعت..
ولم يكن يخيفني الضياع..
كنت أرسم لنفسي قصة كأفلام الكرتون التي كبرت عليها..
سأكبر وحدي ..أكافح .. أحب .. أتعب ..أهرب .. ثم أعود وحيدة أغني في الشوارع كما بدأت حكايتي..
أنا .. كلما نظرت حولي وجدتني أفتقد مني شيئاً في كل زاوية مهملة من عمري الطويل..
ابتلعت مرارة كوني أتعطش للخروج من قوقعة دافئة، كنت أريد مواجهة العالم مبكراً، وتعثرت في أول خطواتي..
لكنني الآن أكثر قسوة، أنا الآن كما يجب أن أكون..
كل وجع مر بي علمني أن أضحك كلما تعثرت، وأن لا ألملم ما سقط مني وأن أمضي..
لكن في آخر الهاويات التي مررت بها وجدتُني في مكان يشبه دمشق،  وجعها الذي جعلني دائماً في مكاني نفسه، كلما حاولت تخطيه أعادني إليه منذ البداية ..
أعجبتني الهاوية الشبيهة بها، المبتدئة باسمك..
جميل أن نختار شكل وجعنا وشخوصه،  لأننا بهذا نحتم علينا لاحقاً عيش مرارة أكثر لطفاً..
كنتَ التقاء الحلم بي .. جماله ..دهشته ..استثنائيته ..
وكنتُ قبلك قد كفرت بحياة قد تمنحني شيئاً جميلاً أردته..
لكن صدفتُك جعلتني أرتب الأشياء مجدداً ..
أحببتك … بجنون طفلة صغيرة وصلت لسن الرشد دون أن تعرف لماذا السماء لا تعانق قاسيون إلا عن طريق غيمة؟!!
ولماذا القمر يرافقها في دمشق فقط؟! ..
ولماذا المطر لا يبلل بنطالها كاملاً مع أنه يغرقُ شعرها كله؟!
لماذا لعبت بالتلج مرتين وكان بخيلاً عليها فيما تبقى؟!
لماذا كانت أقصر من عكاز جدها.. وكانت جدتها تكره ضحكتها العالية ..
كبرت الطفلة وهي تحدق في عينيك لتسألك لماذا هما صغيرتان هكذا رغم أنهما يحملان كوناً كاملاً بينهما؟!
– هل تستطيع التقاط نجم لي من السماء باعتبارك تفوقني طولاً؟
– هل يمكنك حملي لأجلس على تلك الغيمة؟
– تمتلك جناحين مثلي هل جربتهما مسبقاً؟ أم أنك مثلي تُجذبهما كل شهر مرة؟!
لم تكن تتعبك تساؤلاتي الطفولية ..بل كنت ممتناً لي ..
كنت تريدني أن أتحدث دائماً وكنت أريدك أن تغني..
كانت الحكايات اكتمالاً فأنت ناضج بما يكفي لتحدثني عن حربك التي قضيتها في الخنادق والساحات تناور وتحارب وتُعتقل!
وأنا أحيك لأجلك الحلم الجميل وأحدثك عن هتافات الوطن الأخضر ..
أنت تقص لي يُتمَك ووحدة الطريق .. وأنا أحتويك بضمة وأجمع شتاتي بين يديك ..
كنا اكتمالاً .. وكان الموت ثالثنا ..
لا شيء يستطيع النيل مني سواه .. الفقد الذي أصبح رفيقي منذ ضياعي الأول عندما رتبت العودة مع عائلة أخرى وأنا أكرر أسماء اخوتي في قلبي لأتجنب نسيانهم ..ولأبحث عنهم بعد فقد ما ..
رفيقي الذي شاركني قصتنا حتى .. كأنه اعتاد أن يكون جزءاً من كل شيء يخصني ..
أخيراً فقدتك ..
أو لنقل أنت من فعل ذلك، أنت من سحب يده من روحي وأخبرني أن المسافة لعنة …
تقول صديقتي أن المسافة كذبة، فمن يمس القلب لا يحتاج لأن يلمس يداً، وأنا مسست قلبك كما تقول، وكما فعلت أنت بي ..
ولمستُ يدك أيضاً .. شعرت بها دائماً ..
مثلما شعرتُ بالبرد حينما تركتها وحدها ..
الصبح يأتي خجولاً هذه الأيام .. لأنني دون قصد .. أخبرته في غيابك الأول أن “كل الوقت دونك عتم” .. فما عاد يأتيني بنوره اللطيف الذي كان يُهدينا إياه معاً ..
أحببتك .. وكان درب الموت معك بنفسجياً..
#جنونيات_بنفسجية

حب من أول ثورة..

لو أنني أحببتك منذ بدء الثورة، منذ تلك اللحظة التي دفعوك بها لتقفز باسم ذلك الموت الذي يقال عنه تمرد، منذ أول صرخة باسم البقاء والحرية هتفنا بها وكل منا في مكانه، لو أني أمسكت بيدك الملطخة بالدماء عند أول إصابة لك وضممتها لصدري طويلاً وطويلاً جداً، أستجدي منها حياة ما، لو أنني في تلك اللحظة جعلت دمك النازف ينهال على جسدي فيغرقني عسى أن يصبح مني فأصبح منك، لو أني شاركتك ذات هروب من بطشهم، وأنقذنا اسم الله!

ليتني توقفت عن الخوض بتلك القصص والوحدة والجنون وعرفتك وحدك منذ بدء الثورة، فلممت كل طفولتي ورميتها بين يديك، تهدهدها تُجملها وتمنحها عمرين معك، ليتنا مررنا سوياً بحارات دمشق، فتمسك يدي وتروي لي حكاياتك الكثيرة فيها، ستقول لي أنك كنت تحب المرور بباب شرقي كل صباح، وأنك تفضل خبز أفران ابن العميد عن الفرن القريب من منزلك، ستحكي لي عن أمسياتك في قاسيون، سأنظر في عينيك وأقول لك:”بعرفك من نسمة هوا بالشام، هي مو أول مرة بعرفك أنا بعرفك من زمان”، كل تلك الشوارع التي مررنا بها معاً، لربما قبل الولادة العاشقة هذه ولم ينتبه أحدنا للآخر، ربما دق قلبينا في مكانهما دون أن نعرف السبب. حسناً، أنا أحببتك منذ البدء قبل ولادة الثورة، وقبل ولادتي ربما، الحب في الحياة مولود معنا، موجود فينا دائماً، لكننا نصادفه في وقت ما، في قدر ما، تماماً كما أول مصادفة غريبة جمعتنا، في ذلك الشارع العتيق من دمشق، حين أخبرتك عن اسمي، وسألتني: “ما السر الذي فيك حتى تشبهك الشام هكذا؟” وأجبتك بجنوني المعتاد: “أنا بشبهها مو هي بتشبهني، مو لازم البنت تشبه أمها؟”، الغريب أنني عندما كنت أتحدث بهذه الطريقة مع أي أحد يستهزئ بجنوني وطفولتي وعبثيتي، لكن أنت ابتسمت، ابتسمت طويلاً قبل أن تغرقني في عينيك قائلاً: “يا حظ مين عرفكم!”..

ليتني أحببتك قبل هذا الوجع أو في أوله، ليتني استطعت تضميد كل تلك الجراح التي أنهكت جسدك على مر تلك السنين، وليتها هذه الـ دمشق لم تثقل كاهلينا بقسوة الرحيل أو العتمة. أتذكر اعتقالك الأول؟. برد زنزانتك، قهر الذل هناك، الوجع المصبوب في قلبك، الخوف، التعذيب، الظلم، كنت أشعر بك وبها داخلي، كان قلبي بارداً وحزيناً، كنت أصلي لك كل ليلة، ولا أعرف ترتيب حروف اسمك، لكني أثق بألمك الذي يطالني منه الكثير، فأدعو لك. بعد ذلك بشهور قلت لي: “دعواتك كانت تصلني دايماً”، لقد رقصت فرحاً حينها..

ليتني تمكنت من جعل الأمان بين يديك حرساً فلا يثقل الموت كاهلك، ليتك ودعتني في دمشق، أو ليتك دعوتني لأشاركك عصياناً ما في الشمال، ليتني عايشت تفاصيل غيابك مع دمعي، وليتك أخبرتني عند كل وجع بأنك تحبني، هكذا كما تقولها دوماً بلا موعد، ليتك عددت لي الشظايا وسمعتني أبكي حرقة بعدي عنك فتواسيني بشوقك وكلماتك وصوتك الذي لا مفر من أمانه، ليتني ضممتك والرصاصة الأخيرة في جسدك، ليتني رممت كل شظية سكنت جسدك بقبلة، وكل جرح مس قلبك بحب لا ينتهي، ليتني أحببتك قبل أن تبدأ الحرب، قبل أن نكبرَ لهذه الدرجة، قبل أن يلوعنا الغياب، قبل أن يصبح الموت رفيق دربنا فنقاسمه أبسط ما نشعر به ولو كان عشقاً، ربما كنتُ قادرة حينها على الإمساك بقلبك، ربما كنت قادرة على احتضانك دون أن تكون المسافة عبئاً مع ألف سبب آخر، ليتني غنيت لك تلك الليلة: “آه يا أسمر اللون.. حياتي الأسمراني.. حبيبي وعيونه سود برمشة عينه رماني”. ليت الزمن بيننا يصبح منسياً، فنلتقي، لربما تنتهي هذه الحرب .. لربما نكون أفضل!

#جنونيات_بنفسجية